الذكاء الاصطناعي وأثره الفاعل في قتل الإبداع
د-غازي هلال مخلف
من المعلوم لدى غالبية فئات القراء والمثقفين أن الموروث القديم في كل أصنافه يبقى أصل كل شيء، وأن كل من يحاول معه شيئًا فلن يفلح أبدًا حتى وإن ظن أنه قد حقق موطىء قدم في هذه المعركة ولا سيما على جهة العلم والفن والأدب، تلك العلوم التي تجمعها في آخر المطاف خيمة الإبداع، ولا شك في أمر مهم غاية الأهمية مفاده أننا لسنا ضد التطور والتجدد في كل مناحي الحياة، لكننا ضد ذلك التطور المزعوم الذي ستكون مآلاته النهائية النيل الحقيقي من ذلك الموروث الأصيل على جهة التشويه والنغيير بل وحتى المحو.
لقد كنا على علم يقين من تلك الحقائق التي كانت متأصلة في أعماق أولئك المبدعين القدماء الذين دأبوا على إعطاء قضية الإبداع أهمية كبيرة وكبيرة جدًا وملاحاة قضية الاتكال غير المسوغ والاتكاء غير المحبب وعلى جهة التحديد في مسألة ابتكار الأفكار الجديدة والصور الفريدة والأساليب غير المطروقة.
كنا نسمع عن ذلك المحدث الذي يضرب أكباد الإبل زمنًا طويلًا حيث الشهر والشهران من أجل التأكد من صحة ذلك الحديث الوارد عن نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم تجنبًا منه لتحقق مخاوف كثيرة منها على سبيل التمثيل الذي يخص سياقنا هذا تخوفه من تقليدية ابداعه الذي كمن في ذلك التعب الكبير المبذول في ذلك السفر الطويل بغية الحصول على إبداعية تحقيق ذلك الحديث وكذا تحقيق صحته في وسط تلك الفوضى العارمة من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة فهذا العالم هنا لم يتكىء في هذا الجانب على قضية النقل المبسط الساذج عن غيره من المحدثين من أجل حيازة صحة ذلك الحديث، بل هجر لذائذ الحياة ومتاعها الناعم بغية تحقيق نصر ابداعي يخصه هو دون سواه من محدثي عصره وذلك دونما شك ابتكار وابداع عار عن التقليد والاتكالية والاتكاء، وغيره ذلك الشاعر العربي الذي انتهج نهج الحوليات الكاملة من أجل تحقيق هدف سام يتمثل في بناء نص شعري يستحق بجدارة هوية الإبداع والابتكار، فنراه بين الفينة والأخرى يستغني عن هذه الصورة ويستبدلها بتلك، ويترك ذلك اللفظ لحساب غيره من الألفاظ ويفضل هذا المعنى على ذاك، يقدم هذا البيت ويؤخر الآخريضيف أبياتًا أخر حتى تكتمل تلك القصيدة بناءً فنيًا ناضجًا ذا مهابةٍ وقيمةٍ وحضور ومنافسة،فهو هنا إنسان مبدع مبتكر حقيقي الإبداع حقيقي الابتكار وكان بإمكانه الاتكاء على ذلك الشاعر وهذا الشويعر مستجديًا منه تلك الصورة وذلك المعنى، لكنه أنف هذه التكرارات المزعجة الساذجة وأبى إلا أن يبني مملكته الشعرية معتمدًا كيانه الخاص به دون سواه وذلك دونما شك لن يجاريه أحد في مسألة استحقاق الإبداع وهوية الابتكار، كنا نسمع بذاك العالم الذي نسف مؤلفه بتمامه تخوفًا منه بعدم تمكنه من إقناع المتلقي بما كتب، ولضعف قناعته التامة بمضمون ذاك الكتاب وتوجهاته ولتيقنه بموت رسالته التي يروم إيصالها في منتصف الطريق قبل ان تكتمل ولادة وصولها الى القارئ، ثم يعود أدراجه ساهرًا الليالي الطوال متحملًا أيامه العجاف معملًا فكره الى أبعد عمق من أجل إعادة كتابة ذلك المؤلف ووضع هيكلية صياغية جديدة لمضامينه ورسم خارطة أخرى للإقناع من خلال مضمونه الجديد ، وهو هنا لا يدخر جهدًا وإن كان جهيدًا من أجل تحقيق مسألة حقيقة الإبداع وأحقية الابتكار ولكي يضمن لنتاجه الجديد الخلود في أذهان المتلقين، هذا الجهد الذي يأنف بشدة قضية الاتكال على الغير والاتكاء على الفتات الحقير بغية بناء مملكة علمية أقل مساوئها انها لم تتعد طرف اللسان الذي عجز النطق بها فضلًا عن المساوىء الكثيرة الأخرى.
أما اليوم….ونحن نفرح بهذه الطفرات القوية في التطور المخيف والتحديث المتواصل لكل دعائم الحياة والتجديد المتواصل والتجريب المفتعل ليس لنا إلا مواجهة الحزن الآتي دون ريب في ذلك على الأقل في هذا المضمار الذي نتحدث عنه،فالاتكال والاتكاء على عكاز مهترىء أعوج أصبح ديدن المثقفين والمتعلمين الذي يرومون صناعة الإبداع الحقيقي ، فإنسان اليوم أصبح قاب قوسين أو أدنى من إضاعة تلك الثوابت الأصيلة الموروثة ، أصبح ما يسمى بالذكاء الاصطناعي على مختلف مشاربه ( شات جي بي تي – موقع جيمناي …) وغيرها من مواقع الشبكة العنكبوتية، أصبح أداة الإنسان الفاعلة في صناعة حياته الحيوية بالمفهوم العميق الدقيق، فالأكاديمي لا يتورع في إظهار عجزه في صناعة محاضرته اليومية أو خطته البحثية أو توجيهاته العلمية مستنقصًا توظيف بعض وقته المهدور أصلًا في التطواف بين المراجع والمصادر من أجل الحصول على بغيته المنشودة، صار يخاطب ذلك ال جي بي تي : أريد كذا…أرغب في عمل كذا… وما هي إلا لحظات حتى يجد المارد الكبير بصرخته المعهودة( شبيك لبيك ال جي بي تي بين يديك ) فتظهر له المحاضرة والخطة والمؤلف كاملًا بين يديه دون عناء فيفرح فرحًا عظيمًا كونه حصل على مراده بهذه البساطة الاتكالية الاتكائية وهو لا يدري…بل يدري أنه بهذه العملية إنما يذبح عروق الإبداع في أعماق عقله ويمحو قناة الابتكار من أصولها في وجدانه وشيئًا فآخر يلفي نفسه عاجزة متخمة لا تتمكن من صياغة جملة أو إخراج فكرة أو ابتكار أسلوب أو العثور على طريقة ملائمة للبناء، ولا نستغرب في القريب العاجل من تحقق معجزة صناعة القصيدة بوساطة هذه التقانات والآليات والأدوات فضلًا عن منافستها الواهمة لقصائد جهابذة الشعراء الآخرين، ثم إن المكلف بكتابة بحث أكاديمي في أي تخصص أصبح في حل دائم من هذه المعضلة فبدلًا من إجهاد نفسه في البحث عن المصادر والمراجع ووضع الخطة المناسبة و وتشخيص المشكلات واستخلاص النتائج وإيجاد الحلول وصلت المسألة في قصرها الى مجرد إصدار الأمر المناسب لتلك الآلة لكي تخطط وتكتب وتحلل وتنقد وتفسر ومن ثم تستنتج، وما هي سوى دقائق حتى تصل معجزة هذا البحث استواءها الناضج، فهل علينا أن نفرح؟ أم علينا بشق الجيوب ولطم الخدود واستدعاء دعوات الجاهلية حزنًا لهذه المآل المخزي الذي وصلنا إليه؟
أن مثل هذه الإبداع والابتكار لا ريب يعاني فقدان الفلسفة والنخبة والفخامة ووو…. ولسنا نشك في ذلك القبح الذي يخرجه الينا جاهزًا مقولبًا دون عناء،على أن تحقق مسألة السرعة في تحصيل النتائج وتطور الأدوات تزامنًا مع هذا التطور الزمني الهائل ليس له أن يشفع لأولئك المدافعين عن هذا الخراب بل هذا التخريب المتعمد لقدرات عقول البشر المُحِدِّ كثيرًا من مواهبهم الإبداعية وأفكارهم النخبوية والمهاجمين غيرهم من المنتقدين فذلك معاده ومنتهاه الى إماتة بذرة التنمية والحيوية والنشاط داخل عقول البشر فضلًا عن أرواحهم، ولعل أولئك المنتفعين عن هذا الاتكاء الاصطناعي سيحاولون حتمًا التخفيف من حدة لغة مخالفيهم حينما يحاولون إقناعهم بالعودة الى الوراء كثيرًا مسوغين هذه الاتكالية متمثلين قول أبي الفتح البُستي:
*إذا أبصرت في لفظي فتورًا وخطي-و(علمي)-والبلاغة والبيان
*فلا ترتب بفهمي إن رقصي على مقدار إيقاع الزمانِ
فهنا…ألقى القائل تبعة تحقق الفتور بل الموت المتعمد في الخط والعلم والبلاغة والبيان ووقوع هذا التحييد الخطير لتلك العلوم العظيمة وثمارها العميمة متكئًا على الزمان المحدد ظلمًا وبهتانًا بذلك الإيقاع ومقداره وكأن هذا الزمان هو من منع هذا القائل من بناء الهمة وجدة البحث وجودة الابتكار وتجلي الإبداع وألجأه تجبرًا الى الاستمساك بجذع ذلك الفتور حيث الاتكاء والاتكال.
إننا نرى من وجهة نظرنا أن الاعتماد الكلي على مسألة الذكاء الاصطناعي ومواقعه بالكلية ولا سيما ما يتعلق بقضية إجهاد النفس على البحث والبناء والطرح وتأسيس صروح الإبداع والابتكار أمرٌ يفضي في نهايته الى حصول شكل من أشكال النكوص السلبي الذي ستكون أسوأ نتائجه قتل الريادة بأطرها العامة ولا ضير دون شكٍ من بناء نوع من المصالحات الإيجابية بين الإنسان المبدع وبين تلك الآلات المصطنعة التي هي في أصل وجودها خرجت من رحم أفكار هذه البشرية ولا بأس في أن تتمثل تلك البشرية قول أبي فراس الحمداني الذي نزعم بوجود تمازج روحي من نوع ما بينه وبين سياقات موضوعنا هذا:
*تناهض القوم للمعالي لما رأوا نحوها نهوضي
*تكلفوا المكرمات كدًّا تكلّف الشعرِ بالعروضِ ِ .
إننا اليوم نعاني بل نواجه وبشدة خطورة تنميط الإبداع والابتكار بل المحو الحقيقي لهويته تمامًا مثلما نعاني خطورة تنميط القصيدة العربية،
إننا دونما شكٍ في مسيس حاجةٍ الى إعادة حثيثة حقيقية لكثير من أمورنا الحياتية، منها على سبيل التمثيل مراجعة ناقدة وصحيحة لفلسفة عقولنا التي تخلت متعمدة عن غطرسة البحث والإبداع والابتكار والتنمية حتى مع وجود ميزة البطء المتأني الإيجابي وخضعت عامدة لراحة ودعة ونعومة هذا الذكاء الاصطناعي الذي أضحى آخذًا دور الحياة بكل تفاصيلها مكان البشرية منتزعًا منها صفة الإنسانية وعلو الهمة والجدية.




