لمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي
باقر الموسوي
اسْمِي
كَانَ يَقِفُ خَلْفِي
كُلَّمَا نَادَانِي أَحَدٌ
نَظَرَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ
اسْمِي لَيْسَ لِي، يَتَدَاوَلُهُ
الْعَابِرُونَ
أَسْتَعِيرُهُ كُلَّ صَبَاحٍ
وَأُعِيدُهُ مَسَاءً مَثْقُوبَ الْحَوَافِ
عَلَى الْبَاءِ
ذُبَابَةٌ،
وَعَلَى الْأَلِفِ
ذُبَابَةٌ أُخْرَى،
وَعَلَى الْقَافِ
يَجْتَمِعُ النَّامُوسُ،
يَمْتَصُّ مَا تَبَقَّى
مِنَ الْقَافِ وَالرَّاءِ
فِي اللَّيْلِ أَسْمَعُ اسْمِي يَتَآكَلُ
حَرْفٌ يَسْقُطُ
حَرْفٌ يَتَلَعْثَمُ
وَحَرْفٌ
يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ فِي فَمِي
وَحَرْفٌ يَبْقَى سَاهِرًا
يَحْرُسُ خَوْفِي
كَبِرْتُ
وَكَبِرَ اسْمِي قَبْلِي
صَارَ مِعْطَفًا وَاسِعًا
أَتَعَثَّرُ بِأَكْمَامِهِ
اسْمِي لَيْسَ جَرَسًا
كَأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
مَوْعِدًا مُؤَجَّلًا
مُنْذُ الْوِلَادَةِ
لَمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي
رُبَّمَا لِأَنَّ اسْمِي
هُوَ الَّذِي لَمْ يَنَلْ نَصِيبَهُ مِنِّي
نَنْظُرُ إِلَى بَعْضِنَا
فِي مِرْآةٍ مُعْتِمَةٍ،
وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُنَا
نَحْوَ الْآخَرِ.
وَيَبْقَى الِاسْمُ
وَاقِفًا بَيْنَنَا كَغَرِيبٍ
يَنْتَظِرُ مَنْ يُنَادِيهِ
إليك قراءة أدبية تحليلية في جماليات هذا النص ومضامينه:
بقلم:د.عادل جوده. من العراق
هذا النص ليس مجرد قصيدة، بل هو مرثية وجودية للذات وعلاقتها بالهوية. الشاعر باقر طه الموسوي يأخذنا في هذه القصيدة إلى منطقة معتمة وعميقة من الاغتراب، حيث يصبح “الاسم” ــ الذي هو في الأصل جوهر الهوية وأقرب ما يملكه الإنسان ــ عبئاً، غريباً، وكائناً منفصلاً يراقب صاحبه بريبة.
١- جدلية (الذات والاسم): الاغتراب عن الهوية
يبدأ الشاعر بصدمة وجودية: “اسمي كان يقف خلفي”.
الاسم هنا ليس ملتصقاً بالجسد أو الروح، بل هو مراقب خارجي ينظر إلى صاحبه بـ “شيء من الريبة”.
هناك انفصال حاد بين الشاعر واسمه؛ فالاسم تحول إلى ملكية عامة يتداوله “العابرون”، بينما صاحبه الحقيقي يستعيره صباحاً ويعيده مساءً. هذه الصورة تعكس ضياع الخصوصية، وتحول الهوية إلى “أداة استخدام يومية” تُستهلك في مجتمع يفرغ الأشياء من قيمتها.
٢- التآكل والتفكيك السريالي للحروف
ينتقل الشاعر من الفكرة المجردة إلى تجسيد حسي ومؤلم للاسم عبر تفكيك حروفه (الباء، الألف، القاف، الراء). وهنا يظهر ذكاء المبدع في استخدام الرمز:
الذباب والناموس على الحروف: ليست مجرد حشرات، بل هي رمز لعوامل التعرية، والوسط المحيط الذي ينهش هوية الإنسان، ويمتص حيويته (يمتص ما تبقى من القاف والراء).
تآكل الاسم في الليل:
الليل هو مسرح المواجهة مع الذات. الحروف هنا تتحول إلى كائنات حية خائفة: حرف يسقط، وحرف يتلعثم، وحرف يبحث عن أمان في الفم، وحرف يسهر ليحرس الخوف. هذه الصورة السينمائية المتقنة تختزل حالة “القلق الوجودي” والاضطراب النفسي للشاعر.
٣- ثوب أوسع من الجسد (عدم التكيف)
“كبرتُ.. وكبر اسمي قبلي، صار معطفاً واسعاً أتعثر بأكمامه”
هذه الصورة بلاغية بامتياز. الاسم (بما يحمله من إرث، أو توقعات مجتمعية، أو حمولة ثقافية وعائلية) أصبح أكبر من قدرة الشاعر على تحمله.
إنه “معطف واسع” يعيق حركته ويجعله يتعثر، بدلاً من أن يدفئه أو يمثله. الاسم هنا عبء وثقل وليس ميزة.
٤- قمة المفارقة: مَن ظلم مَن؟
تصل القصيدة إلى ذروتها الفلسفية في المقطع الأخير:
“لم أنل نصيبي من اسمي
ربما لأن اسمي.. هو الذي لم ينل نصيبه مني”
هذا التناوب في الأدوار يعكس عمق المأساة. ليس الشاعر وحده هو المغترب، بل حتى الاسم يعيش اغتراباً لأنه أُطلق على شخص لم يستطع (أو لم يرغب في) أن يملأ هذا الاسم بالحضور. هناك اعتراف مبطن بالانكسار والعجز عن تلبية متطلبات الحياة أو الهوية الممنوحة.
٥- المرآة المعتمة والنهاية المعلقة
تنتهي القصيدة بمشهد “سينمائي صامت”: ذاتان (الشاعر واسمه) يقفان أمام مرآة معتمة، لا أحد يتقدم نحو الآخر، والاسم يبقى واقفاً “كغريب ينتظر من يناديه”.
المرآة المعتمة هنا هي رمز لعدم الوضوح، واستحالة التصالح بين الداخل (الروح) والخارج (الاسم/الهوية الاجتماعية).
الخلاصة البنائية والأسلوبية:
اللغة:
انسيابية، بسيطة في مفرداتها لكنها معقدة وعميقة جداً في مجازاتها وتراكيبها.
الإيقاع:
هادئ وحزين، يتماشى مع نبرة البوح والاعتراف الفلسفي.
التشخيص (Personification):
نجح الشاعر بنسبة عالية في “أنسنة الحروف والاسم”، فجعل للاسم عيوناً ينظر بها، وللحروف أقداماً تسقط وألسنة تتلعثم، مما أضفى حركية مذهلة على النص.
باقر طه الموسوي في هذا النص لم يكتب شعراً عابراً، بل حفر بأصابعه في جدار الهوية الإنسانية المقيدة، مقدماً نصاً حداثياً يلامس أزمة الإنسان المعاصر في البحث عن ذاته الحقيقية بعيداً عن القوالب والمسميات الجاهزة.




