في مئويته.. ما الذي تبقى من السياب؟
نموذجه الشعري لم يزل نموذجا متحكما في متن الشعرية العربية
علاء المفرجي
مازال الشاعر السياب حاضرا في التجارب الشعرية الحديثة على الرغم من التباين فيما بينها وتنوع علاقاتها والحوار فيما بينها.لكن ما حققه السياب بعد أكثر من ستين عاما عاما على غيابه، كان وما زال مثيرا لأهتمامات الشعراء والنقاد والدارس الأكاديمي لأن الذهاب نحو تمظهرات الشعر العربي يقتضي أولا استذكار تجربة الريادة الشعرية التي ذهب بها السياب لمرتبة متقدمة وحاز صفة الريادة، حيث استطاع عبر تاريخ طويل من ارساء خصائصه الفنية التي تحولت ملمحا لتجربة الشعر العربي الحديث. كما لابد من التذكير بأن حداثة الشعر العربي تنوعت المشاركات فيها وكل واحد منهم أدى دورا، لكن هذا لايمنع من التعامل مع تجربة السياب بوصفها الأكثر حضورا وتمركزا مع مجاورة لها بصفات خاصة لتجارب علي أحمد باكثير ولويس عوض ونازك الملائكة.
ولأننا نستذكر السياب، لابد من الأشادة بما حققه وكرسه وذهبت به حركة الشعر نحو الأشادة والأعلاء والتمجيد.وعبر هذا التاريخ الطويل للتحولات في الأنواع الأدبية وحصرا تجربة الشعر، يتكوّن للسياب حضور مهم وبأمكانه أن يقدم دروسا للأجيال على الرغم من حضور الأختلافات والتباينات وضرورات السيرورة.

وكان الناقد الراحل ناجح المعموري قد قال مرة: أن فتح السياب منفذا رائدا قاده مع أسماء شعرية أخرى علينا التذكير ببعضهم مثل لويس عوض وعلي أحمد باكثيرونازك الملائكة، لكن تجربة السياب ما زالت مثيرة لأهتمام التنوعات الثقافية والنقدية بوصفها محاولة رائدة أسست لحظة الأنتقال من القافية الى التفعيلة مع تطوير بالرؤى والعلاقة مع المألوف التقليدي المغايرة عما كانت عليه بالسابق وأتسعت هذه التجربة وتنوعت من خلال الذهاب نحو مفاهيم مغايرة وابتكارات وسائل أدخلت القصيدة الحديثة الى فضاءات جديدة كالصورة المرئية، والتشكيل، المكان. وأشار أن علينا أن نسجل ريادة السياب المبكرة بالذهاب نحو الأسطورة وتوظيفها للأستفادة من امكاناتها الفنية المعروفة والتي تغذى بها الشعر بوقت مبكر.وهذا يمثل نوعا من حوار السياب مع جماعة أبولو والديوان فهما يدخلان الميثولوجيا في التجربة التحديثية للشعر. وكانت مساهمة عبد الرحمن شكري والعقاد والمازني في التنظير عبر مقالات نقدية منذ 1911 وظهرت في كتاب مشترك للعقاد والمازني بأسم (الديوان) في جزأين وأيضا لعبت جماعة أبولو دورا جوهريا، عمق هذا التوجه الذي ابتدأه اليوت بعد الحر ب العالمية،وذهب السياب لحظة حوار جديد في تنوع المواضيع التي كانت غائبة ونشر قصيدته «بنلوب»1947 مثلما ذكر د.محسن اطيمش وظل اهتمام السياب متنوعا وعميقا لكنه لم تتجاور معه رؤى ثقافية ونقدية من قبل الشاعر. عدد من الشعراء يبدون ارئهم في نمذج السياب الشعري.
الشاعر ابراهيم البهرزي: نموذج السياب يشكل فاصلة معيارية في متوالية ثورات الشعر
أستعين في تجربة السياب، بمعيار ديفيد كون في بنية الثورات العلمية وبنية الثورات الشعرية، وباعتقادي المتواضع على الأقل، اكثر المعايير بعدا عن الأهواء، فان نموذج السياب يشكل فاصلة معيارية (او الباراديم بحسب كون) في متوالية ثورات الشعر العربي القليلة، نموذج السياب او باراديمه لم يتم تجاوزه حتى الان بعد مرور اكثر من سبعة عقود على اجتراحه، فمنذ الثورة السيابية والشعر العربي الحديث بمجمله لم يغادر النموذج السيابي الا جانحا ً، اَي خارج إطار النموذج الشعري المتفق عليه تاريخيا ونقديا وذوقيا، وهذا الجنوح المتمثل بتجارب قصيدة النثر في اشد تجاربها راديكالية يقع خارج متن الشعرية العربية التي اجترح السياب نموذجها الأخير متمثلا بما اطلق عليه قصيدة الشعر الحر، اما في تجاربها المتساوقة مع الشعرية العربية (كنموذج الماغوط مثلا متفردا) فانها تمثل امتدادا للنموذج السيابي، وهو نموذج قصيدة النثر البدهية كمصطلح مفارق لقصيدة النثر القصدية، اَي تلك التي تقصد عمدا التخلي عن الإيقاع الظاهر حتى وان لم يكن مقيدا لسيرورة النص!.
أن تجربة السياب ونموذجه لم يتوقف عند قصيدة التفعيلة (او الشعر الحر مصطلحا مجازيا) بل هو ممتد ومتواصل في تجارب قصيدة النثر البدهية المتمثلة بالنموذج الماغوطي ونصوص انسي الحاج الطويلة وفصوص سركون بولص وفاضل العزاوي وجليل حيدر ونبيل ياسين ورعد عبد القادر وطالب عبد العزيز ونماذج كثير ة من النصوص التي لا تكتب النثر بقصدية الهروب من الإيقاع الظاهر لا اكثر!.
نموذج السياب الشعري لم يزل نموذجا متحكما في متن الشعرية العربية المتطورة بداهةً أما التشظيات الخارجة عن باراديم السياب الشعري والخارجة بقصدية المخالفة فانها للأسف لم تشكل نموذجها القادر على الإطاحة بنموذج السياب!، ويمكنها ان تشكل قاعدة كمية واسعة انتاجا وانتشارا، لكنها لم تشكل ذلك النموذج الذي يتجاوز نموذج السياب ليمكن تجاوزه تماما ونهائيا الى نموذج اخر منفصل كما يحدث في كل بنيات الثورات المتعاقبة علما وأدباً..
هذا الكلام لا يعني ان تلك التشظيات اقل ابداعا من نموذج السياب الشعري، انها مبدعة في شكل اخر يحاول ان يكون نموذجا، لكنه لم يزل يحاول، في حين ان نموذج السياب قد استقر وتجدد خلال محاولات بناة أركانه، وربما لن يكون سعدي يوسف مثلا اخر تجليات هذا النموذج!.
علي عبد الأمير عجام: من المكان الذي يأخذه الى فطرة الانفتاح والتطلع الى الغد
ظل النص السيابي يمتلك من القوة والديناميكية ما أعطاه القدرة على أن يبدو ابداعاً مستمراً، وريادة ذلك النص كانت تتمثل في تجاوزه الاطار الشكلي القديم للشعر، فهو نص بمثابة سؤال يحمل رؤيا المصير، فضلاً عن الاندفاع باللغة جاعلاً منها «لغة حيوية» تخرج من نطاق الانطباع والوصف إلى مستوى ذي بنية درامية قائمة على الاختلاف الحاد مع البيئة الاجتماعية والفكرية، فشخصيته على النقيض من وقائع حياته ومحيطه الاجتماعي، فكان دائم التطلع الى الكشف فيما كان السياسي فيه يأخذه الى التمحور في دائرة موقف محدد، كان ينضج فنياً في قمة انشغالاته الفكرية – انتماءاته السياسية فيما هو جزع منها، برم بها، بأنقاض هياكلها – كما اكدت الاحداث لاحقاً صدق ما رآها عليه السياب في حينه.
انه الرومانسي، هو الحالم في بواكيره… ومن المكان الذي يأخذه الى فطرة الانفتاح والتطلع الى الغد، كانت تلك الرومانسية، هي التعبير الهادئ والموجز عن توقعه لمغادرة المكان إذ يصبح أضيق مما يتسع في روحه من عوالم و رؤى… ثم انها سيرة نمطية للمثقف في أن يغادر أمكنة صباه نحو مراحل التعليم العليا في العواصم. تلك البداية لشدة كونها حقيقية وأصيلة، كانت نقطة الجذب لكل التحولات… فها هو السياب عند ذاته ولها يعود في مرحلة متأخرة من حياته والتي سميت مرحلة «الانكفاء على الذات»… الذات المتعبة جداً، والجسد المنهك المضاء بالكثير من الشموع الشخصية للشاعر.
عمار المسعودي: لو نظرت الآن للنص السيابي لوجدته مشابها للمتن العمودي
يمكن حسبان هذه الانتقالة من العمودية إلى الأفقية ضربا من المدنية وهي تقرر انبساطها ومفارقتها قرقعة الجمال وخطوها الوئيد أو المتسارع قطعا للمفاوز والصحارى. الأفقية فكرة تأملية تطلب مستقرا لا عبورا مهتزا، تطلب فردانية وعزلة لا جماعية ولا أغراضا شعرية موقوفة على هدفية واحدة وجهوية بائنة. هذه أحداس عما حصل من تبديد نسقي كانت ضحيته القيامة الشعرية جهة المنبسط الأفقي من القصيدة إلى تهيئة أولى لفكرة النصوصية المبثوثة على بياض الورقة.
ما يحسب للريادة هو جرأتها في كسر النمط العمودي بعده سلطة ارتبطت بمفهوم الشعرية العربية الأمر
الذي المجال واسعا أمام ما حصل لاحقا من تغييرات طرأت على الشكل الشعري وعلى مضامينه. مع كل ضجة قيام الريادة إلا أنها لا يمكن عدها ثورة كاملة فقد ظلت اللغة وظلت الرؤى تتقارب مع ماضي السطح الشعري الذي تم اختراقه مرة إلى الأعلى وأخرى نحو الأسفل. لو نظرت الآن للنص السيابي لوجدته مشابها للمتن العمودي عدا منثوراته على الورق مع وجود التفعيلة التي تمنعه من أن يكون حرا.
لو دققنا نظرا فيها أعني الظاهرة السيابية لوجدت انشغالا شكليا يكاد ان يخلو من الفعل على المنظومة اللغوية مع استجلاب لإضافات ثقافية املاء لفراغات غياب الشكل.
كانت اللغة تكاد أن تكون مباشرة معجمية عاقلة لم يجننها وجود فضاء شعري مجازي عدا افعال بلاغية تشبيهية واستعارية قريبة وجه الشبه. انسحب هذا الأمر على الجيل الستيني ويصلح حسب الشيخ جعفر مثلا فكان جل همه هو الألعاب الشكلية داخل مشغله الشعري بينما لو فتشت عن التشغيل الشعري فأنك ستجد المفردة نفسها غير مستباحة وغير مغيرة دلاليا لإنتاج عوالم جديدة من صنع اللغة وليس من جراء العالم الخارجي من توظيفات أيدلوجية أو مناسبتية.
علي حسن الفواز: تحويل البناء الاستعاري الى مجال جاذب للمختلف
الحديث عن حركة السياب التجديدية في الشعر العربي ترتبط بالأسئلة العميقة التي اثارتها، والتي اعادت الى الاذهان مفهوم الريادة بوصفه تأسيسا ضديا، وتمفصلا فارقا في التاريخ، وبقدر ما حملت القصيدة السيابية جدّتها ومغايرتها، فإنها فتحت المجال لحديثٍ اكثر جدلا حول هوية هذا التجديد، ومدى قدرته على مواجهة التاريخ القار لمركزية القصيدة العربية التقليدية..
بعد مئة سنة على ولادته، وتسع وخمسين سنة على رحيله، لا يجد العقل النقدي العربي نفسه، سواءً في خطابه، أو في سؤاله، إلا ازاء مراجعة لفاعلية المشروع الشعري، بوصفه تجاوزا، وخروجا عن نسق المركزية، وانشدادا الى زمن شعري يتسع للمفارقة، على مستوى تقويض الشكل ونمطية بنائه الصارمة، والنزوع الى نظام تفعيلي مفتوح، وأكثر تحررا، فضلا عن المستوى الذي يتعلق بحمولات القصيدة الجديدة، بوصفها قصيدة وعي مغاير، ورؤية مغايرة، وانفتاح على اليومي والاسطوري والنفسي، إذ تحولت القصيدة السيابية الى رهان على الجدّة، والى خيار لمواجهة مركزية النظام الشعري العربي، بتوصيفاته ومرجعياته البلاغية والبنائية والاسلوبية، احسب أن السياب المسكون بشغف وعيه القلق، وضغط اسئلته الوجودية لم يجد سوى الانحياز، وبـ «قصدية» الى حرية الكتابة الجديدة، بوصفها حرية صاخبة، لكنها حذرة، جعلت من تجربته الشعرية، وحتى تجربته الحياتية مزحومة بصراعات عميقة، وبتحولات اكثر عمقا، واكثر اندفاعا لتجاوز «الفطرة الشعرية» الى «الصناعة الشعرية» حيث خرق المألوف، وحيث تحويل البناء الاستعاري الى مجال جاذب للمختلف، والمفتوح على الاساطير والمثيولوجيا، وحتى على الرمزي بتشفيراته النفسية والطقسية، إذ هي قصيدة التجربة والمغامرة، مثلما هي قصيدة التلاقح المفتوحة، وبحساسية عالية على انماط شعرية عالمية، حيث الشعراء الانكليز، لاسيما أليوت وستويل، وحيث شعراء التجربة المصرية في ابولو، وكذلك في تجربة المهجر اللبناني، وبهذا تكون مغامرة السياب في الكتابة تمثّلا حادا لاشباعات الوعي بشعرية العالم، التي مهدت الطريق لمغامرات اخرى تستفزنا ونحن نراجع ذاكرة المشروع، وسيرة «الشعراء الموتى» وما استغرق شعراء الستينات في العراق، وشعراء المغامرة اللبنانية والمصرية من تحولات يظل هاجسا يتذكّر تلك الاسئلة التي تركها السياب على طاولة اللغة..
الشاعر علي محمود خضير: لقد نجح الشاعر في الشعر كما لم ينجح في شيء غيره
أرى أن يخرج الشعر من ينبوع التجربة الروحية، والعلاقة الغامضة بين قوّة العذاب الشخصيّ وقوة الشعر وهي تنتج قصيدة نافذة للوجدان. فقد نجح الشاعر في الشعر كما لم ينجح في شيء غيره، اجتماعياً وسياسياً، وقيضت له لحظة تاريخية عراقية خاصّة، كانت فيها البلاد مركزاً مُستقطِباً وبيئة متلهفة للجديد في كل شيء: الاقتصاد وعلم الاجتماع والأدب والصناعة. تحققت النبوءة واكتملت دورة الأسطوانة، والآن بعد أكثر من خمسين عاماً دخل السيّاب وقصيدته المرحلة التاريخية، درساً متحققاً كاملاً، سواء عبر الثقافة الرسمية «المناهج الدراسية» أو عبر الدرس الاكاديمي الذي لا يزال للسياب فيه تأثير مستمر. ثمة نافذة ثالثة هي نافذة القراءة الشخصيّة (خارج الأطارين السابقين)، وهي المظلة الخطرة/الحرّة التي يمكن أن يقال تحتها أشياء عدّة. فهل يَقرأ الشعراء الجدد السياب اليوم؟ أين استقرت أنهار قصيدته الجوفية في أرض الشعر العربي؟ هل يمثل ابن جيكور، الآن، رمزاً ايقونياً أم نصاً شعريّاً حيوياً وفاعلاً في المدونة الراهنة؟.
الشاعر احمد ضياء: لا يمكن الوقف عند ركن معيّن في خصوصيّته الإنتاجيّة لفعل شعري،
لماذا لا نصوّر الخطاب الشّمولي في تطلّعات السّيّاب المتقشّفة؟. فلا يمكن الوقف عند ركن معيّن في خصوصيّته الإنتاجيّة لفعل شعري، «لأنَّه كان سبباً في تفخيخ البنية الأساسيّة للشّعر، من هنا تأتي تطلّعاتنا للنصوص المثيولوجيّة بعدّها إعادة لتدوير الأساطير السّابقة، فلم يستطع هذا الشّاعر أن يكتب اسطورته كما حال أغلب الشّعراء، لكنَّه استطاع العتياش على المنجز الكاسر للأوزان، فظلَّ والآخرون مشغولين ومتمسكين بمفهوم الخروج عن النّمط السّائد (القصيدة العموديّة)، متناسين البعد الأكثر ايغالاً المتعلّق في استراتيجيّة بناء النّص»، في هذا الخضم المفاهيمي ربما لا يمكن تأكيد سبيل أحادي الجّانب داخل المنظومة البراغماتيّة المستمدّة من واقع السّيّاب الفلاحي، إذ كوّن السّيّاب جملة من التّطلّعات الإشهاريّة الرّادمة للأفق ولمعظم الفضاءات التّحليليّة الموجود، الأمر الّذي أعطاه حيازة أساسيّة على أجيال متتابعة فيما بعد هذه الفترة، وتمَّ تكريسه وجعله مضافاً إلى بقيّة الطّواطم الحاضرة، إلّا أنَّ الطّوطم السّيابي داخل خانة مزجّجة هذه المرَّة، بعيداً عن أيِّ نشاط تهجيني يصل إلى تصدير سلعته الأساسيّة وأعني الشّعر. إنَّ مرحلة تبئير الحدث أسهمت في إعطاء صورة مؤكسدة عن أغلب النّصوص خاصته المتربّعة على عرش قصيدة «شعر التّفعيلة». غير أنَّ السّيّاب يبرع في الغالب الأعم داخل نص واحد وبعض الأشطر المتناثرة في نصوصه الأخرى، ودليلُنا على ذلك أنَّه في (غريب على الخليج) وبنفس النَّفس التّجديد أفاد من المفاهيم الشّعبية (المحكيّة) في «والموت أهون من خطيّة» غير أنَّه قوّس ذلك الأمر مما أدّى إلى ضياع الرّحلة التّهجينيّة ذات الفعل التّداولي في تجديد الخطاب وإعطاء حضور أكثر أدائيّة فضاع المخاض، الّذي كان بالإمكان أن يكون مستمراً في دفق التّجديد والحداثة المفصليّة للشّعر بعامته.
علي سرمد: إذا أراد الشاعر المعاصر أن يكون سيابيا عليه ألّا يسير على
إنّ الشعر الحقيقي هو من يحقق الانسان بالعالم ويوجده، أي شكل من أشكال التلاقي الذي تؤسسه الذات مع الوجود، ولهذا فهو قائم في عمقه على الفتح والتجريب. هذا التصور المكثف عن الشعر -في رأيي-هو ما يوجز سؤال ما الذي تبقى من السياب؟
لقد ألبس السياب الشعر العربي ثوباً ثقافا جديداً، وأعني الانتماء إلى عصره، وهذا التصور درْسٌ عملي لكل الفنون الحقيقية التي يجب أن تواكب زمانها ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، وعليه فإن ما يبقى من السياب بعد مائة عام هو هذا الدرس الحداثي الذي ينبغي للشعر أن يسير فيه كالماء في النهر، من دون الارتكاز على الثابت. وهذا ما يجعله يسبق الكثير من شعراء عصرنا الراهن ثقافيا.
وإذا أراد الشاعر المعاصر أن يكون سيابيا عليه ألّا يسير على منواله لئلا يقع ضحيةً للتشابه والتماثل، أي على ما ثار عليه السياب، وهو ما يعني إيجاد مساحة من الكتابة تتيح له الانتماء وجوديا إلى راهن الفكر والثقافة في عصره. لأن اللغة التي ثار عليها السياب قبل قد تصبح ذاتها تحتاج إلى ثورة وتجديد. لأن الدوال قد تخلع مدلولها بمرور الزمن وترتدي مدلولات جديدة وهكذا.
ما تبقى من السياب كتابته عن الهوامش في مجتمع ما يزال يعاني من ذات المشاكل الثقافية والمركزية فضلا عن الاضطرابات السياسية والوجودية التي تتعلق بمفهوم الهوية.
كولاله نوري: أصبح تأثيره التجديدي تاريخ مهم لا يقبل المراجعة بنظرة العصر
قبل ان نأتي الى ذكر تأثير ريادة بدر شاكر السياب الان في عصرنا الحالي، لا يمكن ان ننفي من تأثير بدر شاكر السياب على الشعر العربي والعراقي. أصبح تأثيره التجديدي تاريخ مهم لا يقبل المراجعة بنظرة العصر الحالي للشعر العربي. الابداع الشعري عالميا لها مراحل تجديدية محددة قليله. اي انه ليس مثل الازياء ليتغير كل عام. وهذه المراحل المحددة كالبنيان الرصين يتأثر بنوع التربة، الاساس، جغرافية المكان، دور الصرح في المنطقة اجتماعيا وسياسيا وفكريا وثقافيا ونفسيا ايضا.
فالجواب المباشر للسؤال هو نعم لان من يكتب الان حتى لو لم يطلع على تجربة السياب، فانه لم يأته الشعر العربي الحالي الان بهيئته واسلوبه وطروحاته بلا تربة او اساس. وقد يقول شاعر بان السياب كان متأثرا بالشعر الانكليزي الحديث ومنه اتاه فكرة التجديد وكان قلة من الشعراء العرب يقرأون الانكليزية في زمانه. ولان الان الترجمات او من يقرا الانكليزية مباشرة، والوصول الى الشعر العالمي وتجاربهم في الشعر، وذلك عبر الانفتاح في التواصل الالكتروني يقلل من اهمية السياب عليهم، قد يكون كلامهم صحيحا نوعا، لكنا ايضا نقول لهم ارنا ما سوف تجدده انت مع الكم الهائل لما بين يديك من كل دول العام.




