ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الثلاثاء، 7 يوليو 2026 SAALIK — Nr. 28
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
7 يوليو 2026
علاء المفرجي ـ في مئويته.. ما الذي تبقى من السياب؟. نموذجه الشعري لم يزل نموذجا متحكما في متن الشعرية العربية
الرئيسيةثقافة و فنعلي المسعود ـ فيلم شارع مالقة” فيلم يتعمق…

علي المسعود ـ فيلم شارع مالقة” فيلم يتعمق في حياة كبار السن ويمثل جسر إنساني بين ثقافتين

ثقافة و فن

علي المسعود ـ فيلم شارع مالقة” فيلم يتعمق في حياة كبار السن ويمثل جسر إنساني بين ثقافتين

 فيلم شارع مالقة” فيلم يتعمق في حياة كبار السن ويمثل  جسرإنساني بين ثقافتين

علي المسعود

 “شارع مالقة”، فيلم مغربي باللغة الإسبانية ،  أول فيلم روائي للمخرجة “مريم التوزاني”، باللغة الإسبانية وهو إنتاج مشترك بين المغرب وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا . “شارع مالقة” فيلم يستكشف قضايا كبار السن داخل المجتمع المتنوع في طنجة .‏ يجسد بطولته كلاً من النجمة الإسبانية “كارمن مورا” بدور ماريا أنخيليس، و”مارتا إيتورا”، والممثل “أحمد بولان”  وآخرين . الفيلم مستوحى من القصة الحقيقية لجدة المخرجة المغربية ( مريم) التي لجأت الى طنجة بعد هروبها من بلدها أبان الحرب الاهلية الاسبانية .

يسرد الفيلم قصة ماريا أنخيلس (كارمن ماورا )،  المولودة في مدينة طنجة وسط الجالية الإسبانية التي استقرت بشمال المغرب في ثلاثينيات القرن الماضي ، إبان الحرب الأهلية في إسبانيا وتزوجت وأنجبت هناك ابنتها الوحيدة كارلا. وبعد وفاة زوجها وانتقال ابنتها الوحيدة للعيش في إسبانيا بقيت ماريا وحيدة في شقتها  ، لكنها عاشت سعيدة في شارع مالقة وهو الشارع الذي اشتق منه اسم الفيلم محاطة بمحبة جيرانها ومستأنسة بذكريات عمرها ، وزيارتها  الدائمية لقبر زوجها من حين لآخر . إمرأة رغم تحديات الزمن  لكنها عاشت بهدوء في شقتها في شارع مالقة، مندمجة تماما مع المجتمع المغربي وكأنها واحدة منهم . ونتابع روتينها الهادئ وعلاقتها مع جيران ودودين يعرفونها جيدا ويحبونها وتمتع باستقلاليتها،. سينهار روتين حياتها  وأستقرارها بزيارة مفاجئة من ابنتها كارلا، التي تعمل ممرضة و تكشف عن أزمة مالية خانقة تعيشها بعد طلاقها، واضطرارها لإعالة طفلين بمفردها . وتطلب كارلا من والدتها بيع الشقة في طنجة التي كانت مسجلة باسمها، لتتمكن من شراء منزل جديد في إسبانيا والتخلص من عبء الإيجار .

. تشكل هذه المطالبة صدمة قوية لماريا، التي لم تتوقع أن تأتي الضغوط من ابنتها الوحيدة. تقاوم قرار ابنتها ببيع شقتها التي عاشت فيها 40 عاما.  والحفاظ على ممتلكاتها وذكرياتها في الشقة ، لكن ابنتها كلارا (مارتا إيتورا)  تصدمها بعد أن عرضت الشقة للبيع ، فعلاً وأنها مضطرة للمغادرة . ورغم الألم، توافق الأم في نهاية المطاف على مضض، لكنها ترفض مغادرة طنجة، المدينة التي تمثل لها كل شيء . خيارات والدتها هي : أما السفر و العيش مع ألأبنة كارلا والأحفاد في مدريد ، أو الانتقال إلى منشأة رعاية كبار السن في طنجة. تختار الخيارالثاني، ونشاهدها عاجزة أمام بيع أثاثها وممتلكاتها الثمينة الأخرى وذكرياتها وتفرغ الشقة. تجلب البنت  كلارا  التاجر  عبد السلام (الذي يجسده (أحمد بولان)، لشراء الأثاث والأشياء ، بما في ذلك مشغل الأسطوانات الثمين) وتنقل أمها ماريا إلى دار الرعاية ، تحزم حقيبة صغيرة وتتجه إلى دار المسنين.‏

تغادر  الأبنة كارلا المغرب إلى إسبانيا بعد أن أخلت الشقة في انتظار إتصال من سمسار العقارات عند العثور على صفقة مجزية للبيع، على الجانب الآخر ،  الحياة هفي دار الرعاية بالنسبة الى ماريا مملة وغير ملهمة بشكل مؤلم. تفتقد ماريا ليس فقط شقتها بل أيضا حيها، الذي يمتلئ بالأكشاك المفتوحة والناس المشغولين من الشباب والكبار الذين يستمتعون بالحياة.‏ لا تتمكن ماريا من التأقلم على العيش حبيسة دار المسنين ، لا تتمكن من التعايش مع حياة العزلة داخل دار رعاية المسنين، فتقرر الهروب والعودة إلى شقتها، وتبدأ رحلة استعادة عالمها الخاص. وتقوم بإنفاق المال الذي تركته لها ابنتها لإعادة شراء أثاث المنزل قطعة قطعة من تاجر للأثاث المستعمل ( عبد السلام)، في محاولة لإحياء تفاصيل حياتها السابقة . ومع نفاد المال، تجد ماريا نفسها مضطرة لمواجهة واقع جديد، فتسعى لكسب رزقها رغم تقدمها في السن، وهي التي لم تعمل طوال حياتها سوى لفترة قصيرة في بيع التذاكر بمسرح “سرفانتس” في طنجة. وفي هذه المرحلة، تتلقى دعما من جيرانها الذين يحيطونها بالتعاطف، كما تنشأ علاقة إنسانية خاصة بينها وبين تاجر الأثاث عبد السلام  ، تتطور هذه العلاقة تدريجياً لتتحول إلى قصة حب متأخرة، تعيد إلى ماريا إحساسها بالحياة والأنوثة، وتمنحها فرصة لاكتشاف ذاتها من جديد. ومن خلال هذه التجربة، يطرح الفيلم فكرة أن الحياة لا تتوقف عند سن معين، وأن الرغبة في العيش والحب يمكن أن تتجدد في أي مرحلة .

وتبلغ هذه الرحلة ذروتها عندما ينطلق ماريا وعبد السلام إلى مدينة أصيلة لاستعادة جهاز ‘الغرامافون’، الذي كان يمثل رمزا مهما في حياتها، حيث ارتبطت موسيقاه بذكرياتها وأيامها الجميلة. ويشكل هذا العنصر بعدا رمزيا في الفيلم، إذ تعود معه ابتسامة ماريا، وكأنها تستعيد جزءاً من روحها . غير أن هذا السلام لا يدوم طويلا، إذ تكتشف كارلا أن والدتها عادت إلى الشقة وترفض مغادرتها، ما يؤدي إلى مواجهة إنسانية مؤلمة بين الأم وابنتها، تعكس صراعاً بين القيم المادية والروابط العاطفية .وهذا محور جميل يتطرف الفيلم فيه إلى نظرة المجتمع لكبار السن، حيث ينتقد القوالب النمطية التي تحصرهم في صورة الانسحاب من الحياة، مؤكداً أن التقدم في العمر لا يلغي الرغبة أو المشاعر، بل قد يمنحها عمقاً أكبر. كما لخصت المخرجة رؤية الفيلم بقولها: ” الفيلم هو عمل عن الحب بمعناه الواسع، وعن قدرة الإنسان على استعادة الرغبة في الحياة مهما كان عمره” .

لكن بعد حين ينكشف السر وتعرف الابنة أن أمها عادت للشقة ولا تنوي مغادرتها حتى لو انتهى الأمر إلى طردها بالقوة وهو ما يضع الأم والابنة في مواجهة إنسانية مؤلمة . الفيلم مستوحى من القصة الحقيقية لجدة المخرجة المغربية ( مريم) التي لجأت الى طنجة بعد هروبها من بلدها ابان حروب الديكتاتور فرانكو الحرب الاهلية الاسبانية ـ في حديث للمخرجة ذكرت فيه : ” اردت تكريم جذوري ، جدتي كانت اسبانية في ملامحها ، ومغربية في روحها ، وأنا أردت أن أحتفي بهذه الثنائية”.وبعد عرض الفيلم  ضمن المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي قالت المخرجة مريم توزاني في ندوة صحفية إنها استوحت الفكرة من جدتها الإسبانية التي عاشت معها سنوات قليلة في طفولتها . وأضافت أنها بدأت في كتابة الفيلم بعد وفاة والدتها ومن وحي الألم الذي اجتاحها عند جمع متعلقاتها الشخصية من مدينة طنجة مما أيقظ داخلها الكثير من ذكريات الطفولة، مشيرة إلى أنه عند العودة لطنجة لتصوير الفيلم انتابتها مشاعر مختلطة من الحنين والفقد لذلك كرست فيلمها للتعبير عن حب الحياة . ، ما يمنح الفيلم بعداً ذاتياً واضحاً .

عندما كانت ماريا  في دار  رعاية كبار السن،  تتعامل مع العاملات بجفاء وترفض مصففات الشعر اللذان يصران على قص شعرها الطويل لتسهيل العناية به وتبدو اجمل وأحلى  ، ولكنها عندما تتواصل ماريا مع  عبد السلام (أحمد بولان)، تاجر التحف ، تظهر جانبا أكثر لطفا من شخصيتها، جانب مفعم بالحماس لإمكانية الرومانسية وتذوب على ذراعه عندما ينجح في التفاوض على استعادة مشغل الأسطوانات. الأرملة ماريا تعيد اكتشاف الحب والرغبة في شيخوختها يشعر المشاهد الألم الذي تم تجسيده بشكل جميل في فيلم توزاني من خسارة ألاحبة ورائحة الأماكن والذكريات المحفورة فيها . الأماكن التي نجد فيها الراحة، والوجوه التي تبتسم عندما ترانا، أو الوجهات التي تحمل الكثير من الذكريات التي تعود إلينا في كل مرة نمر فيها بجانبها، هو خسارة بحد ذاتها .

المخرجة “توزاني “، تضيف لمسة حساسة إلى شعور ماريا بالنزوح، مع حرص على إظهار ما ستفقده ماريا في انتقالها إلى مدريد—الأصدقاء، الإحساس بالمجتمع، والانتماء. في نقاط مختلفة خلال زيارة كلارا المضطربة إلى المنزل، تبدو وكأنها تجهل عمدا الروابط العديدة التي تربط ماريا بهذا المكان، وتتجاهل الوجوه الكثيرة التي ترحب بها وبأمها، أو تنسى أن قبر والدها  في تلك المدينة ، من الممكن أن تكون مدفوعة بأنانية في أزمتها (تحاول التعافي من الطلاق) لدرجة أنها ترى فقط ألمها الخاص وليس ألم والدتها. لكن بأي طريقة تنظر إليها، أزمة ماريا صعبة، قضية  ولكن لا يجب حلها على حساب استقرار الأم . جانب آخر يبرز في هذا العمل هو أداء الثنائي الرئيسي، مع كارمن ماورا الرائعة التي تواصل إثبات لياقتها كواحدة من أفضل الممثلات في السينما الإسبانية، دون أن ننسى نظيرها المغربي، المخضرم” أحمد بولان” في دور عبد السلام،  الذي يشتري كل أثاث البطلة وتطور معه علاقة تتطور من الكراهية إلى الحب نتيجة للبحث المشترك عن الأثاث .

  فيلم يسعى من جهة  إلى التعمق في حياة كبار السن وتقرير مصيرهم  ، و إلى إظهار أن الحيوية والطاقة والإرادة في الحياة لا تنتهي أمرها من جهة أخرى .فيلم يحتضن حميمية العلاقات الانسانية الرائعة في مدينة مالقة ويستند إلى تلك الجذور. لا يمكن أن يحدث فيهذا التناغم الثقافي والروحي والأنساني الا  “شارع مالقة” في مدينة طنجة، وهي مدينة في شمال المغرب ذات وجود إسباني قوي من حيث ثقافتها ولغتها وعمارتها وفن الطهي، بسبب كونها منطقة احتلتها إسبانيا لما يقرب من نصف قرن. نرى هذا ينعكس في الفيلم، سواء بسبب اللغة التي يستخدمها الشخصيات المختلفة للتواصل، أو أيضا بسبب التأثير الواضح لكرة القدم الذي ستستخدمه البطلة في الأستثمار لتوفير المبالغ لإستعادة أثاثها ومقتنايتها الثمينة . الحنين الى تلك الشوارع في طنجة التي شهدت نشأة أحفاد الشتات الإسباني هي مرة أخرى المكان الذي اختارته ‏‏”مريم توزاني”‏‏ لبناء فيلمها الروائي الثالث. وطنجة هي محور فيلم ‏‏شارع مالقة‏‏ ليس فقط كمكان، بل كعقدة عاطفية وثقافية. بالنسبة لماريا أنخيلس، يحمل كل مساحة في المدينة جزءا من التاريخ الشخصي؛ بالنسبة لكلارا، تبقى تلك المساحات نفسها معتمة، تكاد تكون غريبة. هذه الفجوة تولد توترا يمتد عبر القصة بأكملها. وهكذا تصبح طنجة نقطة تقاطع بين الذاكرة والهوية ، بين ما يبقى وما يطرح التساؤل. الرابط مع المكان ليس جغرافيا فقط: بل هو أيضا سياسي، عاطفي، رمزي.‏ “‏‏كالي مالقة‏‏” هو فيلم يتنقل بين الذاكرة الخاصة وديناميكيات الأسرة، دون أن يقترح حلا نهائيا للصراعات التي يطرحها. تختتم القصة تاركة مجالا لغموض ونقص العلاقات، نقاط الاتصال، وأيضا الانفصال بين الأجيال.‏وبالتالي، يبني الفيلم الروائي تحقيقا في الديمومة، والتعلق بالأماكن وإمكانيات التغيير، مما يدفع المشاهد إلى التأمل فيما يعنيه في الواقع الانتماء إلى مكان وما إذا كان من الممكن حقا التفاوض على هذا الانتماء أو مقاطعته .‏  المخرجة المغربية، الذي كان قد استكشف بالفعل قمع النساء في ‏‏”آدم”‏‏ والرغبة المثلية في ‏‏”القفطان الأزرق‏‏”، نركز الآن على حياة كبار السن وامتلاك مساحة معيشة كرمز للاستقلال. كتبت السيناريو مع “نبيل عيوش”، شريكها الإبداعي والعاطفي .

‏ يصور الفيلم كيف يمكن أن يصبح ميراث مخطط له بشكل سيء سلاحا بين الأمهات والبنات، وكيف يحول غياب الحوار الروابط العائلية إلى حبال معلقة. تسمح المخرجة توزاني أيضا لنفسه بملاحظة عن نفاق ” نظام الرعاية الاجتماعية” المصحة التي تتلقى فيها ماريا أنخيليس خدمة نظيفة ومنظمة، لكنها تعمل كسجن ذهبي حيث يلغي الروتين أي لمحة من الحرية الشخصية، تعمل المخرجة على خلق تبادلا بين الأجيال مع نقطة انطلاق متوترة، حيث تتصادم الأم وابنتها على الشقة الواسعة وينتهيان بمواجهة بعضهما البعض بصمت على مائدة الإفطار.‏ المنزل في شارع مالقة ليس فقط رمزا لمفترق طرق للغات والثقافات المختلفة، بل هو رمز لحياة خالية من الذكريات والمنظورات ثم امتلأت بذكريات جديدة ومشاعر غير متوقعة بمفرجة. عمل يذكرنا بأن التقدم في العمر لا يعني التخلي عن الشغف أو الأحلام أو الكرامة . الفيلم يعكس الروابط الثقافية لدول حوض البحر المتوسط ، الفيلم يمثل جسرإنساني بين ثقافتين .

مقالات ذات صلة