عندما تطرق الدولة أبواب المحرَّمين:
هل دخل العراق مرحلة إعادة تشكيل السلطة تحت عنوان مكافحة الفساد؟
عصام الياسري
ليست الاعتقالات السياسية التي شهدتها بغداد الأيام الماضية سيما فجر يوم الأحد 28 حزيران حدثاً أمنياً عابراً يمكن إدراجه ضمن السجل الطويل للإجراءات الحكومية ضد الفساد. فحجم العملية، وطبيعة الشخصيات المستهدفة، والتوقيت السياسي الذي جاءت فيه، كلها عوامل تجعل من الضروري النظر إلى ما جرى باعتباره تطوراً يتجاوز البعد القضائي المباشر نحو فضاء أوسع يتعلق بمستقبل الدولة العراقية وتوازنات السلطة فيها.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا أن الدولة العراقية تحاول الاقتراب من مناطق كانت تُصنف عملياً ضمن دائرة الحصانة السياسية غير المعلنة. فالفساد في العراق لم يكن مجرد ظاهرة إدارية أو مالية، بل تحول منذ عام 2003 إلى جزء من البنية التي تشكلت حولها منظومة الحكم، حيث تداخلت المصالح الاقتصادية مع الولاءات الحزبية والنفوذ الأمني وشبكات الرعاية السياسية.
لهذا السبب تحديداً، لا يمكن قياس أهمية ما حدث بعدد أو مناصب المعتقلين، بل بالرسالة التي تحملها العملية نفسها. إذ إن مجرد انتقال الدولة من ملاحقة الموظف الصغير إلى الاقتراب بشجاعة من شخصيات سياسية نافذة أوصلت البلاد إلى ما هي عليه ـ يمثل ـ تحولاً في طبيعة العلاقة بين السلطة والقانون.
فالعراق يقف أمام لحظة اختبار نادرة. فإما أن تتحول مكافحة الفساد إلى مشروع دولة يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والقانون، وإما أن يبقى الفساد جزءاً من آلية إنتاج السلطة نفسها مهما تغيرت الوجوه والعناوين.. إلا أن السؤال الأكثر أهمية ليس ما حدث، بل لماذا حدث الآن؟.
هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية يمكن أن تساعد في فهم المشهد.
التفسير الأول يتعلق بمحاولة الحكومة تعزيز شرعيتها الداخلية. فمكافحة الفساد ظلت لسنوات المطلب الأكثر حضوراً في الخطاب الشعبي العراقي، كما كانت القضية التي التقت حولها احتجاجات الشارع والقوى المدنية وقطاعات واسعة من الرأي العام. وبالتالي فإن أي حكومة تسعى إلى ترسيخ موقعها تدرك أن الدخول إلى ملف الفساد يمنحها زخماً سياسياً يصعب تحقيقه عبر ملفات أخرى.
أما التفسير الثاني فيرتبط بطبيعة التحقيقات نفسها. فمن المعروف أن العديد من قضايا الفساد الكبرى لا تُفتح دفعة واحدة، بل تتكشف تدريجياً عبر اعترافات ومعلومات تقود إلى شبكات أوسع. وفي مثل هذه الحالات تصبح الدولة أمام خيارين: إما إغلاق الملف حفاظاً على التوازنات السياسية، أو الذهاب إلى نهايته مهما كانت الكلفة.
لكن التفسير الثالث، وربما الأكثر حساسية، يتمثل في احتمال أن تكون البلاد أمام عملية إعادة ترتيب لمراكز النفوذ داخل النظام السياسي نفسه. ففي الأنظمة المعقدة لا تنفصل مكافحة الفساد دائماً عن الصراع على السلطة، بل قد تصبح إحدى أدواته الرئيسية.
من هنا تنبع أهمية متابعة الجهات التي ستطالها التحقيقات خلال المرحلة المقبلة. فإذا توسعت الإجراءات لتشمل شخصيات من مختلف الاتجاهات والانتماءات مهما كان حجمها وموقعها السياسي، فإن ذلك سيعزز الرواية القائلة إن الدولة تخوض مواجهة حقيقية مع منظومة الفساد. أما إذا انحصر الاستهداف في دوائر سياسية محددة لتكون كبش فداء لتبرئة ساحة أصحاب الكروش، فإن النقاش سيتحول سريعاً من مكافحة الفساد إلى إعادة توزيع النفوذ.
ويزداد هذا البعد تعقيداً عندما نأخذ في الاعتبار أن بعض المؤشرات الأولية تربط التحقيقات بملفات مالية ذات صلة بقطاع النفط. ففي العراق لا يمثل النفط مجرد مورد اقتصادي، بل هو مركز الثقل الحقيقي للدولة ومصدر القوة المالية التي تدور حولها معظم شبكات النفوذ. ولذلك فإن أي تحقيق جدي داخل هذا القطاع يحمل بطبيعته تداعيات سياسية تتجاوز حدود الملف المالي نفسه.
إقليمياً، تراقب العواصم المؤثرة المشهد بحذر. فالولايات المتحدة تنظر إلى قدرة بغداد على تعزيز مؤسسات الدولة وتقليص الاقتصاد الموازي، فيما تتابع إيران أي تطورات قد تمس شبكات النفوذ القريبة من حلفائها داخل العراق. أما الدول العربية الخليجية فترى في استقرار الدولة العراقية وتقوية مؤسساتها مصلحة استراتيجية تتجاوز الحدود العراقية.
لكن التأثير الخارجي، على أهميته، يبقى عاملاً ثانوياً مقارنة بالتحدي الداخلي الحقيقي.
فالاختبار الفعلي للحملة لن يكون في عدد الموقوفين، بل في قدرة المؤسسات العراقية على حماية مسار التحقيقات من الضغوط السياسية، وتحويل الاتهامات إلى أحكام قضائية راسخة، واستعادة الأموال العامة، وإثبات أن القانون قادر على الوصول إلى الجميع دون استثناء.
إن ما يجري اليوم، قد يمثل بداية مسار مختلف، وقد يكون مجرد جولة جديدة في صراع النفوذ التقليدي. لهذا فإن القيمة الحقيقية للحدث لا تكمن في الاعتقالات التي حدثت بالفعل، بل في تلك التي قد تحدث لاحقاً، وفي الأسماء التي لم تُذكر بعد، وفي قدرة الدولة على الاستمرار عندما تصل التحقيقات إلى أكثر المناطق حساسية داخل منظومة السلطة.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من تم اعتقاله اليوم؟
بل: هل أصبحت الدولة العراقية مستعدة أخيراً لمحاسبة من كانوا يعتقدون أنهم فوق المحاسبة؟




