بين الشرعية الدستورية واختلال التوازنِ: العراق أمام أزمة مؤجلة من عدم الإستقرار
عصام الياسري
منذ تكليف رئيس وزراء جديد في العراق، عاد الجدل حول طبيعة النظام السياسي وحدود شرعيته الفعلية. فبينما جرى التكليف ضمن الإطار الدستوري، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل تعكس هذه العملية إرادة الناخبين فعلًا، أم أنها نتيجة توازنات سياسية داخلية وخارجية لا علاقة مباشرة لها بنتائج الانتخابات؟ هنا نحاول تقديم قراءة تحليلية شاملة، تربط بين الإطار الدستوري، ميزان القوى، المزاج الشعبي، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة
أولًا: الشرعية الدستورية مقابل الشرعية السياسية، من الناحية الشكلية، عملية تكليف رئيس الوزراء تتماشى مع الدستور العراقي، الذي يمنح الكتلة النيابية الأكبر حق ترشيح رئيس الحكومة. لكن الإشكالية تكمن في تفسير “الكتلة الأكبر”، التي غالبًا ما تُشكّل بعد الانتخابات عبر تحالفات برلمانية، وليس بالضرورة من خلال نتائج التصويت المباشرة. هذا الواقع يخلق فجوة بين: الشرعية القانونية (المستندة إلى الدستور – والشرعية التمثيلية (المستندة إلى إرادة الناخبين) وبالتالي، قد يصل إلى السلطة مرشح لا يمثل الفائز الأول انتخابيًا، بل يعكس توازنات ما بعد الانتخابات
ثانيًا: طبيعة النظام السياسي ـ توافق ـ لا أغلبية النظام السياسي العراقي ـ وليس نظام “حكم أغلبية” بالمعنى التقليدي، بل هو نظام توافقي قائم على تقاسم السلطة بين مكونات وأفراد وأحزاب وقوى متعددة. هذا النموذج يؤدي إلى: – إنتاج حكومات “تسوية” بدل حكومات حاسمة – تقييد قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ قرارات جذرية- تغليب منطق التوازن على منطق الكفاءة وبالتالي، تصبح قوة رئيس الحكومة مرتبطة بقدرته على إدارة التوازنات، لا بامتلاكه مشروعًا إصلاحيًا واضحًا.
ثالثًا: هل يوجد توازن قوى حقيقي؟ رغم شيوع مصطلح “توازن القوى”، فإن الواقع يشير إلى اختلال واضح: أولا ـ تفوق أحزاب السلطة، السيطرة على الموارد المالية للدولة، النفوذ داخل المؤسسات،-تنظيم كارتيل سياسي وإعلامي قوي يخدم مصالح أصحاب السلطة، امتلاك أدوات قوة مادية. ثانيا ـ ضعف المجتمع كقوة منظمة، غياب القيادة الموحدة، تشتت الحراك الشعبي، محدودية الاستمرارية في الاحتجاج لكن هذا لا يعني غياب التأثير الشعبي، بل يعني أن تأثيره: متقطع وغير مستدام، لكنه قد يكون حاسمًا في لحظات معينة.
رابعًا: الرأي العام ـ بين التشكيك والتعب ـ يمكن تلخيص المزاج الشعبي في ثلاث اتجاهات:: أولا ـ تفاؤل حذر: يرى في التغيير فرصة محتملة. ثانيا ـ تشكيك واسع: يعتبر العملية استمرارًا لنفس المنظومة. ثالثا ـ تعب سياسي: تراجع الاهتمام نتيجة تراكم الأزمات هذا المزيج يخلق حالة: “انتظار مشروط”ـ حيث لا يمنح الشارع ثقة، لكنه لا يتحرك فورًا.
خامسا: متى ينقلب ميزان القوة؟ التجارب السابقة تشير إلى أن التحولات الكبرى لا تحدث تدريجيا، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل:- أزمة معيشية حادة تمس الجميع ـ وحدة نسبية في الشارع ـ انقسام داخل السلطة ـ حدث مفجر (اقتصادي أو أمني) – كسر حاجز الخوف غياب هذه العناصر مجتمعة يفسر لماذا يبقى الوضع مستقرا ظاهريا رغم وجود استياء واسع.
سادسا: مؤشرات مبكرة على التصعيد، يمكن رصد اقتراب الأزمة من خلال:- توسع الاحتجاجات جغرافيا خلال مدة قصيرة ـ ظهور انقسام علني داخل القوى الحاكمة ـ مشاركة جماهيرية واسعة تتجاوز الفئات التقليدية ـ شللا جزئيا في مؤسسات الدولة ـ تغير خطاب الإعلام المرتبط بالسلطة، اجتماع هذه المؤشرات يعني أن الوضع يتجاوز توترا عاديا نحو تحول فعلي.
سابعا: الأخطاء التي قد تفجر الوضع ليست كل الحكومات تسقط بسبب ضعفها، بل بسبب أخطاء حاسمة، أبرزها: أولا ـ قرارات اقتصادية صادمة (رواتب، أسعار، ضرائب.) ثانيا ـ قمع مفرط للاحتجاجات في بدايتها. ثالثا ـ تشكيل حكومة تعكس نفس الوجوه المثيرة للجدل. رابعا ـ صراع داخلي علني داخل السلطة. خامسا ـ فشل مبكر في إدارة أزمة واضحة، وغالبا، لا يكون الانفجار نتيجة خطأ واحد، بل تراكم أخطاء صغيرة.
ثامنا: سيناريوهات المستقبل: أولا ـ الاستمرار الحذر (الأرجح)، إدارة توازنات تجنب قرارات صادمة، إنجازات محدودة. ثانيا ـ التآكل البطيء، فقدان تدريجي للثقة، تصاعد الانتقادات، بقاء ضعيف للحكومة. ثالثا ـ الأزمة السريعة نتيجة خطأ كبير أو صدام سياسي قد تؤدي إلى احتجاجات واسعة أو تغيير حكومي.
وبالعودة إلى السيناريوهات المستقبلية المحتملة، يمكن القول إن النظام السياسي العراقي يتحرك ضمن ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثل الأول في استمرار حالة الاستقرار الحذر، حيث تُدار التوازنات السياسية دون تغييرات هيكلية عميقة. أما الثاني فيتمثل في التآكل التدريجي للفعالية السياسية نتيجة تراكم الأزمات. في حين يتمثل الثالث في احتمال انتقال النظام إلى حالة أزمة مفتوحة، في حال تزامن أزمة اقتصادية أو سياسية مع حراك اجتماعي واسع أو انقسام داخل النخبة الحاكمة.
خاتمة: استقرار مؤقت أم أزمة مؤجلة؟ الوضع في العراق اليوم لا يمكن وصفه بالاستقرار الحقيقي، بل باستقرار هش قائم على توازنات قابلة للانهيار فالحكومة قد تنجح في الاستمرار، لكن دون معالجة جذور الأزمة، ودون استعادة الثقة الشعبية… يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع السلطة تجنب الأخطاء القاتلة، أم أن تراكم الأزمات سيقود إلى موجة جديدة من التحول؟ الإجابة لن تأتي من النصوص الدستورية وحدها، بل من تفاعل الشارع، وتماسك السلطة، وقدرة الدولة على الاستجابة لمطالب مواطنيها.




