ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الإثنين، 22 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 26
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
22 يونيو 2026
حيدر حسين سويري ـ جسر الأئمة.. عندما تتحول التعليمات إلى عبء على الزائر
الرئيسيةثقافة و فند. وليد عويد حسين ـ بينَ جماليّةِ اللغةِ…

د. وليد عويد حسين ـ بينَ جماليّةِ اللغةِ وعمقِ الشعور: قراءةٌ في رواية ((مرال… أكثر من وداع)) للروائي جمال سليمان.

ثقافة و فن

د. وليد عويد حسين ـ بينَ جماليّةِ اللغةِ وعمقِ الشعور: قراءةٌ في رواية ((مرال… أكثر من وداع)) للروائي جمال سليمان.

بينَ جماليّةِ اللغةِ وعمقِ الشعور: قراءةٌ في رواية

((مرال… أكثر من وداع)) للروائي جمال سليمان.

د. وليد عويد حسين/ العراق

ثمّة روايات تُقرأ، وأخرى تُعاش بوصفها تجربة شعورية كاملة. وثمّة نصوص تمرّ عبر العين لتستقرّ في أعماق الروح طويلًا، كندبةٍ مضيئة، أو كأغنيةٍ بعيدة لا يخفت صداها. ومن هذا الطراز الإبداعي تأتي رواية ((مرال… أكثر من وداع)) للكاتب الحصيف جمال سليمان؛ عمل مشغول بعناية لغوية رفيعة، ومكتوب بحساسية إنسانية مرهفة، حتى يبدو القارئ إزاء نصٍّ يُنصت إلى ارتجافات الروح بقدر ما يروي الحكاية.

منذ الصفحات الأولى يكتشف المتلقي لغةً تمتلك قدرة عالية على ملامسة الجرح الإنساني بهدوءٍ عميق، وعلى تشييد المعنى من التفاصيل الصغيرة التي تتكاثف داخل النسيج السردي لتغدو إشاراتٍ نابضة بالدلالة. ويمنح الكاتب لغته موقعًا محوريًّا داخل الرواية، فتتحول العبارة إلى كيان حيّ يشارك الشخصيات انفعالاتها وهواجسها. لذلك جاءت اللغة شفافة، شاعرية، متأنية، قادرة على تحويل الألم إلى جمال سردي مشبع بالإحساس.

وقد كتب جمال سليمان نصّه بروح الشاعر ووعي الروائي في آنٍ واحد. فالجمل تنساب بإيقاعٍ هادئ نافذ، تتخللها تأملات وجودية عميقة في الغياب والمنفى والهشاشة الإنسانية والخوف من الفقد. ويشعر القارئ أنّ الرواية كُتبت بالحبر نفسه الذي تُدوَّن به الرسائل الأخيرة؛ لذلك امتلأت بذلك الحزن النبيل الذي يترك أثره العميق في القلب من غير ضجيج.

ويظهر النضج الفني للرواية في قدرتها على ضبط العاطفة ضمن إطارٍ جمالي متزن، إذ تتجسد الأحاسيس بوصفها خبرةً إنسانية عميقة تتجاوز الانفعال العابر. ولهذا جاءت العاطفة صادقة، نقيّة، متحررة من التكلف، مما منح النص حرارةً داخلية تنبع من صدق التجربة نفسها.

كما تتجلّى براعة الكاتب في بناء المشهد السردي عبر التفاصيل اليومية الدقيقة: ورقة على طاولة، معطف لا يُغلق جيدًا، فنجان قهوة، رسالة مؤجلة، صمتٌ يتمدد بين شخصين… جميعها عناصر تتحول إلى أدوات دلالية تكشف هشاشة الشخصيات ووحدتها الداخلية. وتغدو التفاصيل جزءًا من البنية النفسية العميقة للرواية، ومكوّنًا أساسيًّا في تشكيل رؤيتها الشعورية.

وتنشغل رواية ((مرال))بما تتركه الأحداث داخل النفس البشرية من تصدعاتٍ خفية وآثارٍ ممتدة، لذلك تتجلى قوتها الحقيقية في قدرتها على الغوص داخل الإنسان وكشف طبقاته الداخلية بحسٍّ تأملي رفيع. فالشخصيات تنبض بالحياة، تتألم وتتردد وتقاوم، وكأن الكاتب منحها شيئًا من روحه وتجربته الإنسانية.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا العمل تلك اللغة التي تجمع بين الرهافة والاتزان، حيث تتدفق الصور البلاغية والانزياحات المكثفة بانسياب طبيعي ينسجم مع روح الحكاية. ويبدو الأسلوب مولودًا من رحم التجربة الشعورية ذاتها، الأمر الذي منح النص صدقه الفني وجماله الهادئ.

وقد نجح جمال سليمان في تحويل الرواية إلى مساحة للتأمل في الحب والخسارة والمنفى والذاكرة، مع حفاظ النص على توهجه السردي وانسيابه الفني. لذلك تبدو ((مرال… أكثر من وداع)) عملًا قابلًا للبقاء في ذاكرة القارئ، لما تتركه من أثر وجداني طويل وعميق.

وتؤكد هذه الرواية أنّ جمال سليمان يمتلك مشروعًا سرديًّا واعدًا، قائمًا على لغةٍ ناضجة، وحساسية إنسانية عالية، وقدرة واضحة على تطويع العبارة لتصبح مرآةً للوجع الإنساني. فالأدب في تجليات هذه الرواية يتحول إلى مساحةٍ جمالية قادرة على إعادة تشكيل الحزن في صورةٍ فنية آسرة.

وفي المحصلة، تبدو ((مرال… أكثر من وداع)) نصًّا يحتاج إلى قارئ يُصغي إليه ببطء، لأنّ جماله يتسرّب من بين السطور بهدوءٍ عميق، عبر لغةٍ تعرف كيف تمنح الألم ملامحه الإنسانية الأكثر صفاءً وتأثيرًا.

مقالات ذات صلة