ثورة 14 تموز المفترى عليها
د. محمد الموسوي
تمر هذه الأيام ذكرى عزيزة على قلوب العراقيين الشرفاء وهي الذكرى الثامنة والستون لثورة 14 تموز 1958 وبالرغم من مرور اكثر من نصف قرن تبقى تلك الذكرى حية ولم تنجح الحملات المسعور من القوى المعادية الامبريالية والرجعية من مسح اثار ما حققتها تلك الثورة المجيدة ولذلك نجد بين فترة وأخرى تجديد تلك الحملات المسعورة واخر ما قامت به تلك القوى هو الغاء العطلة الرسمية لذلك اليوم المجيد والذي هو يوم تأسيس النظام الجمهوري المستقل عن الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي جثمت على قلوب العراقيين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حيث حكم العراق بنظام الحديد والنار في ظل الاقطاع وقمع الحريات وفتح وغلق برلمان “الموافج” والاحكام العرفية في الكثير من الأحيان إضافة الى قمع الانتفاضات الشعبية وهناك من يحاول إضفاء صورة وردية على ذلك النظام رغم معاناة الغالبية المطلقة آنذاك وهم الفلاحين الفقراء المعدمين من ظلم وبطش الاقطاع والامية وفقدان الخدمات والمدارس الطينية كما لا ينبغي نسيان الاف السجناء السياسيين القابعين في السجون من المناضلين الشجعان وتعرضهم لمجازر وهم داخل المعتقلات كنقرة السلمان وسجن الكوت .
ان محاولات تبييض صفحة النظام الملكي الذي تميز بقمع الحريات وزج المعارضين في السجون وارتكاب المجازر بحقهم وقمع المظاهرات الاحتجاجية بالرصاص وملاحقة واعتقال المشاركين فيه ، انما يأتي بهدف الإساءة لثورة الرابع عشر من تموز 58 وطمس ذكراها وهي محاولات ينبغي التصدي لها من قبل الوطنين العراقيين بالرغم من ان ثورة تموز هي خالدة بإنجازاتها الكبيرة رغم قصر فترة حكمها التي استمرت لفترة اربع سنوات وسبعة اشهر فقط ليتم اغتيالها في الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963 هذا الانقلاب الذي دبر بدعم المخابرات الامريكية ونفذ من قبل شرذمة رجعية متخلفة ومتعطشة لدماء العراقيين وان جرائم ذلك النظام موثقة ومكشوفة وشهد عليها حتى العديد من المجرمين المساهمين فيها وهو الانقلاب الذي مهد لمجيء سلطة البعث الفاشي وصدام المجرم اللاحقة التي أوصلت العراق لما هو عليه اليوم من مآسي وويلات بعد تدميره بحروب عبثية واحتلال امريكي نصب لنا حكم المحاصصة والفساد والفشل.
ان الذي غير طبيعة انقلاب 14 تموز التي قام بها الضباط الاحرار بقيادة عبد الكريم قاسم وتحويلها الى ثورة هو الدعم الجماهيري الواسع من كافة الطبقات الاجتماعية كما ان الثورة كانت حتمية تاريخية بسبب أزمات الحكم الملكي وعزلته التامة عن الشعب وفشله في تحقيق اماله وتطلعاته في التطور وان ما نلاحظه اليوم من محاولات مشبوهة متواصلة في تشويه صورة تلك الثورة هو كونها صورة معاكسة تماما للحكم الطائفي المحاصصاتي الفاسد ففي الوقت الذي تمكنت الثورة خلال وقت قصيرة من تحقيق إنجازات كبيرة في مقدمتها استرجاع ثروات العراق من شركات النفط الأجنبية وتأميم النط بصدور قانون رقم 80 واعتماد مبدأ الكفاءة وعدم التمييز بين أبناء الشعب على أسس عرقية او طائفية وتوزيع الأراضي مجانا على العوائل وبناء المساكن البسيطة للفئات الفقيرة وكذلك الخروج من حلف بغداد والاعتراف بحقوق الشعب الكردي وإصدار قانون الأحوال الشخصية الذي نجح الحكم الحالي استبداله بالقانون الجديد المهلل الذي يحرم المرأة والطفل من حقوقهم ويعتدي على ابسط الحقوق المنصوص عليها في لوائح حقوق الانسان وأصدرت الثورة قانون الإصلاح الزراعي الذي وضع حدا للإقطاع لذلك فان إبقاء تلك الذكرى طرية من شأنه ان يعري نظامهم الفاشل على كافة المستويات وتميزت ثورة 14 تموز بأجواء من الحرية والديمقراطية وانتعشت الحركة الأدبية والثقافية وكان لدى الثورة برامج طموحة تهدف الى وضع العراق على طريق التقدم والنمو والازدهار فأقدمت على حملات شعبية ناجحة في مكافحة الامية وتوفير التعليم المجاني وتوفير الرعاية الصحية المجانية وتوسيع التعليم العالي وسعت لتوفير الكوادر العلمية عبر ارسال المئات من البعثات للدول المتقدمة للدراسة في مجالات الهندسة والطب والعلوم.
لاشك كانت هناك أخطاء ونواقص في مسيرة الثورة القصيرة ومنها عملية القتل الشنيع الذي تعرضت لها العائلة المالكة واثبت الوقائع ان ذلك لم يكن ضمن مخطط الانقلاب بل وقع بسبب تهور فردي من ضابط لم يكن من الضباط الاحرار من معسكر الوشاش القريب من قصر الرحاب ومن المؤسف استغلال هذا الخطأ لتشويه صورة الثورة من قبل اعدائها وتصويرها وكأنها ثورة دموية وكانت هناك نواقص ولبيات منها طابع الحكم الفردي الذي تكرس بعد حوالي سنتين وكذلك تجاهل الاخطار المحدقة بالثورة والاستخفاف فيها مما سهل ومهد الطريق للتآمر ضدها كما ان نظافة يد رجالات الثورة وقائدها وابتعادهم عن الفساد والمنفعة الشخصية هي من السمات البارزة الذي لازال الجيل المعاصر لها يتحدث عنه كمأثرة هامة من مآثرها عكس ما نراه اليوم من الفساد والمحسوبية الذي يميز ازلام حكم الصدفة فهل من الغريب اذن ان تحاول الطغمة الحاكمة اليوم وكذلك انصار الحكم الملكي البائد من طمس ذكرى ثورة 14 تموز.




