من ثورة العشرين إلى ثورة تشرين، حين يتجدد السؤال العراقي
قاسم كزار
بعد أكثر من قرن، تبدو بعض الأسئلة العراقية حاضرة، وإن اختلفت الظروف والفاعلون:
كيف تدار الدولة؟ وكيف تصان سيادتها؟ وإلى أي مدى يستطيع العراقيون التأثير في مستقبل بلدهم بعيدا عن الضغوط الخارجية والتجاذبات الداخلية؟
في عام 1920، اندلعت انتفاضة شعبية واسعة ضد الإدارة البريطانية التي فرضت نفسها على العراق بعد الحرب العالمية الأولى. ولم تكن الحركة محصورة في فئة واحدة، فقد شارك فيها رجال دين وزعماء عشائر وناشطين وطنيين من المدن والريف، كان أهم مطالبها الاستقلال (نريد وطنا وفق شعار شباب تشرين لاحقا)
وقد أسهمت الثورة في ترسيخ فكرة حق العراقيين في المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم.
وبعد نحو قرن، خرج جيل آخر إلى الشوارع في تشرين الأول 2019. وجاءت الاحتجاجات في ظل أزمات متراكمة، من بينها البطالة وضعف الخدمات والفساد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، فضلا عن الاعتراض على نظام المحاصصة والتدخلات الخارجية. ولم تكن مطالب المحتجين واحدة تماما، لكنها التقت حول الدعوة إلى دولة أكثر كفاءة واستقلالا بعيدا عن التدخلات الخارجية والمصالح الفئوية.

فهل كانت تشرين امتدادا روحيا لثورة العشرين؟
إن المقارنة بينهما تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فثورة العشرين واجهت إدارة استعمارية مباشرة، بينما جاءت احتجاجات تشرين في مواجهة مشكلات داخلية وبنية سياسية تشكلت بعد عام 2003، إلى جانب تأثيرات إقليمية ودولية متشابكة.
كما اختلفت مواقف القوى السياسية من تشرين. فقد أبدت بعض الجهات تعاطفا أو دعما جزئيا لمطالب المحتجين، في حين اتخذت جهات أخرى موقفا متحفظا، أو رأت أن الاحتجاجات قد تؤدي إلى اضطراب سياسي وأمني. أما الخيبة الكبرى، فهي ممن أعلن في مرحلة مبكرة دعمه للاحتجاجات، قبل أن ينسحب أنصاره من ساحات الاعتصام في كانون الثاني 2020، في خطوة اعتبرت إضعافا للثورة، بل وأد لها!
وفي المقابل، أفرزت تشرين نتائج سياسية واجتماعية متعددة. فقد ساعدت في إعادة قضايا مثل مكافحة الفساد، وإصلاح النظام الانتخابي، واستقلال القرار الوطني، إلى صدارة النقاش العام. كما أسهم الضغط الشعبي في إجراء تعديلات على قانون الانتخابات وتغيير مفوضية الانتخابات، وأدى إلى انتخابات مبكرة عام 2021. ومع ذلك، لم تتمكن القوى المنبثقة عن الاحتجاجات من تحويل حضورها الشعبي إلى نفوذ سياسي واسع، بسبب الانقسامات الداخلية، وصعوبة العمل ضمن نظام انتخابي وحزبي معقد، أو ببساطة لم تكن تلك القوى وطنية بما يكفي للصمود أمام المناصب!
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية للاحتجاجات. فقد قتل وأصيب الآلاف الشباب العزل، وتعرض الناشطون للتهديد والاعتقال والاختطاف والملاحقة والاغتيال.
ومع ذلك، يصعب اختزال تشرين في نتيجة سياسية مباشرة، سواء بالنجاح الكامل أو الإخفاق الكامل. فقد تراجعت الاحتجاجات الواسعة، لكن آثارها بقيت في الوعي العام، وفي الخطاب السياسي، ويكفي أن معارضيها من الطبقة السياسية يعترفون أمام الرأي العام بأنها كادت أن تطيح بهم لولا (سلاح الميليشيات).
فثورة العشرين، رغم هزيمتها العسكرية، بقيت حاضرة في الذاكرة العراقية بوصفها محطة مهمة في تاريخ المطالبة بالاستقلال والمشاركة السياسية.
أما تشرين، فقد تركت بدورها أسئلة حول علاقة الدولة بالمجتمع، وحدود الإصلاح الممكن، ودور القوى السياسية في حماية الاحتجاج أو احتوائه.
لعل من أهمها: كيف يمكن بناء دولة تكون فيها السيادة والمؤسسات والمساءلة أكثر حضورا في حياة العراقيين.
قد تتغير الحكومات والتحالفات والشعارات، لكن استمرار هذا السؤال يعكس حاجة إلى إصلاحات سياسية ومؤسسية طويلة الأمد، وإلى قنوات تتيح للمواطنين المشاركة والتعبير من دون اللجوء إلى الشارع بوصفه الوسيلة الوحيدة للتأثير.




