حتى يخفت الضجيج
مراد سليمان علو
(1)
في زمنٍ أصبح فيه الجميع كتّابًا وشعراء، وكذلك باحثين في الشأن الإيزيدي، وتزاحمت فيه المنشورات حتى غدا الجيد منها تائهًا وسط ركام من الكلام المكرّر والكتابة الفقيرة والسطحية، لم يعد من السهل التمييز بين نصٍّ يستحق القراءة وآخر لا يستحق عناء التوقف عنده.
الكتابة الجيدة ليست كلمات منمّقة، ولا عبارات تُستدرّ بها الإعجابات، بل فكرة تستحق أن تُقال، ولغة تحترم عقل القارئ، وصدق يترك أثرًا يتجاوز لحظة النشر.
لذلك، ينبغي لبعضنا أن يستمر في الكتابة بطريقته التي يؤمن بها، وألا يسمح لضجيج المنصات بأن ينتزع منه ثقته بما يكتب؛ فليس كل ما يلمع إبداعًا، وليس كل ما يلقى رواجًا جديرًا بالبقاء. قد تمرّ كلماتنا اليوم من دون أن يلتفت إليها أحد، لكنها قد تجد قارئها غدًا، أو بعد أعوام، حين يخفت الضجيج وتبقى للنصوص الجيدة قدرتها على الاستمرار والحياة.
(2)
حان الوقت لوضع ما يُكتب عن الفرمان في مواجهة أمّنا الشمس، ليتبيّن ما يستحق البقاء وما لا يصمد أمام النقد وحرارة شمس (الثالث من آب). فليس كل ما يُكتب عن المأساة أدبًا جيدًا، ولا تكفي فداحة التجربة حتى يكون النص الذي يتناولها عميقًا ومؤثرًا.
معظم ما يُنشر من قصائد النثر يفتقر إلى الهدف والرؤية الفنية، وإلى الشخصية المستقلة التي تمنح القصيدة ملامحها الخاصة، فضلًا عن الخيال الخلّاق والصور المدهشة التي قد تفتح أمامنا آفاقًا سريالية غير مألوفة تدفعنا إلى مواصلة القراءة. فكثير من هذه النصوص تكتفي باستعادة الألم وتكرار الصور والعبارات المستهلكة، وكأن فداحة المأساة وحدها كافية لتعويض فقر اللغة وغياب الابتكار.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحاكم النصوص جميعها بمعيار واحد، أو أن نجعل السريالية شرطًا للإبداع؛ فلكل قصيدة طريقتها في بناء عالمها والتعبير عن رؤيتها.
أما احترام الضحايا فلا يعني إعفاء ما يُكتب عن مأساتهم ـ مأساتنا ـ من النقد، بل لعل النقد الصريح هو ما يحمي ذاكرتهم من أن تتحول إلى موضوع للاستهلاك الأدبي العابر. وفي تقديري، ثمة قلة من الشعراء، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يمكن للمرء أن يعود إلى نصوصهم بين حين وآخر، لا لمجرد أنهم كتبوا عن الفرمان، بل لأنهم يمتلكون ما يجعل كتابتهم جديرة بالقراءة والعودة إليها.
(3)
في لجّة هذا الضجيج، عليّ أن أدلف إلى صالة الرواية أيضًا، وأن أضع ما كُتب فيها تحت الضوء، بدلًا من رميه في سلة المهملات. ومن الروايات التي تناولت الإبادة الأخيرة، على سبيل المثال:
1ـ أربعة وسبعون. رونيا عثمان.
2ـ عذراء سنجار. وارد بدر السالم.
3ـ رقصة الجديلة والنهر. وفاء عبد الرزاق.
4ـ شمدين. راسم قاسم.
5ـ شظايا فيروز. نوزت شمدين.
6ـ شنكالنامه. إبراهيم اليوسف.
لم أقرأ أيًّا من هذه الروايات، وبالتأكيد هناك روايات أخرى عديدة. لكن ثمة أسئلة ملحّة أرى ضرورة طرحها على هؤلاء الكتّاب والروائيين، وكذلك على من ينوون كتابة روايات يجعلون فيها من الأيزيدية عكّازًا لسردياتهم. ومن بينهم كتّاب وشعراء (الولات شيخ). كما أدعو المصفّقين لهم إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، إن كانت لديهم معرفة بها؛ لعلّنا نتبيّن مدى جديتهم في الكتابة عن مأساتنا، وحتى لا نستحضر، كلما قرأنا لهم نصًّا، أولئك الباحثين سيئي الصيت الذين وصموا الأيزيدية بأبشع الأوصاف في القرن الماضي.
ـ هل قرأ أحد من هؤلاء روايةً شنكالية، أي روايةً لكاتب شنكالي، وكتب عنها شيئًا؟ وهل تناولها قراءةً نقدية، وهذه نقطة مهمة؟
ـ هل يستمع أحد من هؤلاء الكتّاب إلى الموسيقى الشنكالية؟ وماذا تعني له هذه الموسيقى؟
ـ هل زار أحدهم مركز قضاء سنجار أو إحدى المجمّعات؟ (ولا أحتسب زيارة قصر التعايش السلمي).
ـ هل كوّن أحدهم انطباعًا عن الحياة الشنكالية، وتحدّث عنها يومًا؟
ـ هل عاش أحدهم بين الأيزيديين، وتحدّث إلى ناجين وناجيات عن ظروف أسرهم وتجاربهم؟
ـ هل اطّلعوا على أعمال الرسامين الشنكاليين، وتأمّلوا لوحاتهم؟
ـ كيف تحقّقتم من التفاصيل المتعلقة بالحياة الاجتماعية والدينية والثقافية للأيزيديين قبل الفرمان؟
ـ ما الإضافة الإنسانية أو الفنية التي أردتم تقديمها للقارئ، إلى جانب ما هو معروف عن الإبادة؟
ـ هل منحتم الشخصيات الأيزيدية أصواتًا وملامح إنسانية مستقلة، أم غلبت صورة الضحية على سائر جوانب حياتها؟
ـ كيف تجنّبتم استثمار الألم الإنساني في مشاهد صادمة غايتها استدرار التعاطف؟
ـ ما الذي تأملون أن يبقى في ذاكرة القارئ بعد إغلاق كتبكم؟
أخيرًا، يحق لك أن تضيف سؤالًا، أو تذكر رواية أخرى تناولت الإبادة.
مسك الختام
لسنا نطالب أحدًا بأن يستأذننا قبل أن يكتب عن مأساتنا، ولا نزعم أن الانتماء إلى شنكال وحده يمنح صاحبه حق كتابة أدب عظيم. لكننا نطالب بالمعرفة، وبالصدق الفني، وباحترام الإنسان الذي تقف مأساته وراء النص. فالفرمان ليس مادةً جاهزة لمن يبحث عن حكاية مؤثرة، ولا معاناة الأيزيديين سلّمًا يصعد عليه أحد إلى الشهرة. إنها ذاكرة بشر، وجرح لم يندمل، وتجربة تستحق أدبًا يكشف عمقها، لا كتابةً تكتفي باستدرار الدموع.
فليس السؤال كم رواية أو قصيدة كُتبت عن شنكال، بل أيٌّ منها استطاع أن يحوّل مأساتها إلى أدب يستحق البقاء.




