اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة ـ
انتبه… أنا هنا
اغتيال الخوف
اعترافات ساحرة:
حيدر حسين سويري
في حجرةٍ مُظلمة، لا يُنيرها إلا مصباحٌ باهتٌ يتأرجحُ بين الخوف والحقيقة، جلسَ المحققُ خلفَ طاولته الخشبية الثقيلة، ينظرُ إلى أصفادٍ تحيطُ بمعصمي رجلٍ ستينيّ، غارتْ عيناه واستقرتْ في قاعيهما ظلمةٌ كأنها بقايا رماد.
ألقى المحققُ ملف القضية جانباً، وتنفسَ بحسرةٍ تعكسُ ضيقَ الصدر، ثم قال بنبرةٍ هادئة تتسربُ منها الحرقة:
— المحقق: “تجلسُ أمامي اليوم ويدَاكُ مكبلتانِ بالحديد، لكنك كبلتَ أرواحاً لا حصر لها بالسلاسل الخفية. أخبرني… كيف يُصبحُ الإنسانُ سكيناً يُذبحُ بها الأبرياء؟”
رفعَ الساحرُ رأسهُ ببطء، وابتسامةٌ باهتة تُشبهُ نعيقَ البوم تطفو على شفتيه، وقال بصوتٍ خشنٍ يُشبهُ احتكاك الحصى:
— الساحر: “لم أكن سكيناً يا سيدي… كنتُ فقط مرآةً أريتهم فيها بشاعةَ نفوسهم. أتعجبُ منّي؟ بل عجبي كلّهُ من أبناء جلدتك! أنا لم أطرق بابَ أحد، هم من زحفوا إلى جحري. يأتونني يحملون الحقد في أكمامهم كما يحملُ الحطابُ فأسه لقطعِ الشجر الأخضر.”
سكتَ المحقق لحظة، ثم أشار إلى ورقةٍ بين يديه وسأل:
— المحقق: “تقولُ الحساباتُ إنك تقاضيتَ الملايين، عشرات الملايين لتدميرِ حيواتٍ لا ذنب لها… ألهذا الحدّ أصبحت الأرواحُ رخيصةً في سوقِ تجارتك؟”
تنهد الساحرُ وسندَ ظهرهُ إلى الكرسي، متلألئةً في عينيه نظرةُ الذهول:
— الساحر: “الثمنُ لم يكن لي وحدَه، فالظلمةُ لها طقوسُها وثمنُها الغالي. لكن ما كان يذهلني حقاً ليس المال… بل السقوط! كنتُ أطلبُ من بعض النساء أفعالاً يأنفُ منها الشرف، وأطلبُ من بعض الرجال ما يستحي منهُ قومُ لوط، أختبرُ به حدودَ خستهم… فما وجدثُ حدوداً! كانوا يُضحّون بأعراضهم وأخلاقهم نكايةً بأخٍ، أو حسداً لجار، أو شفاءً لغلٍّ يأكلُ صدورهم.”
اقترب المحققُ بجسدهِ نحو الطاولة، وسألهُ بنبرةٍ حادة:
— المحقق: “وتلك العائلة؟ أطفالهم، ونساؤهم؟ ذلك الفتى الذي قضى في الحادث… وتلك الشابة التي أكلَ المرضُ جسدَها الغضّ ولم تُجدِ معها الملايينُ نفعاً؟ كيف نمتَ وتلك الدماء في رقبتك؟”
أطرق الساحرُ رأسه إلى الأرض، وصمت كأنما يستحضر أرواحاً صنعتها يداه، ثم زمّ شفتيه وقال:
— الساحر: “جاءتني الأقربُ فالأقرب… أتعلم يا سيدي أن أشدّ السهام سمّاً هي التي تُرمى من داخل الدار؟ أتتني امرأةٌ تحملُ غيرةً سوداء من ابنةِ عمها، طلبت أن أرسل لجسدها ذبولاً لا يُشفى، فصار الكيماويُ يأكل شبابها وما ينفع. وجاءني آخر يُبغضُ نِعمةً في بيتِ أقربائه، فما هدأ حتى رأى ابنهم تحت التراب في حادثٍ مروع… أنا غيمَةٌ مسمومةٌ نعم، لكنهم هم من استسقوا المطر!”
صدم المحقق الكلمات، وضغط على قبضة يده حتى أبيضّت مفاعلها، وقال بأسى:
— المحقق: “أيُ زمانٍ هذا الذي نعيشه؟ يأكلُ الناسُ بعضهم بعضاً باسم القربى، وينسجون خيوطَ الموتِ لمن يشاركونهم الدم والمأكل! هل تحولتم جميعاً إلى وحوشٍ أشدّ ضراوةً من أبالسة الجحيم؟ إن عقابك عند الله وعند القانون كبير، ولكن عقاب من جاءوك وسعَوا في خرائب الديار أكبر وأعظم… إنكم جميعاً قاتلون، قتلتُم الإنسانية قبل أن تقتلوا الأجساد.”
نظر الساحرُ إلى الأصفادِ في يديه، ولأول مرةٍ بدت نبرته خاليةً من التحدي، مملوءةً بذهولٍ غريب:
— الساحر: “كنتُ أظنُ أنني أستدرجهم إلى الهلاك… فاكتشفتُ أنهم كانوا ينتظرون فقط من يدلّهم على الطريق. جنّ جنونُ البشر يا سيدي… والغيرةُ إذا سكنت نفساً خاوية، صنعت ساحراً في كلّ بيت.”
سادَ الصمتُ الحجرة، ولم يُسمع إلا صوتُ سحبِ الساحرِ إلى محبسه، بينما جلس المحققُ وحيداً، يتأملُ الملفات المفتوحة أمامه، متسائلاً في سرّه: “أيُّ سحرٍ هذا الذي يمتلكه الحسدُ ليحيلَ ذوي القربى إلى أعداء، والقلوبَ إلى مقابر؟”
انتبه… أنا هنا
قصة قصيرة جداً:
حيدر حسين سويري
في كل مرة كانت تذهب فيها إلى منزل عائلتها، تحاول أن تفرح بجمعة الأهل وتبادل الأحاديث مع أمها وأخيها، غير أن ثمة شيئاً في أعماقها كان يكسر فرحتها تلك. فبمجرد أن يدخل زوجها البيت، تلاحظ عينيه تبحثان بسرعة عن زوجة أخيها.
كانت زوجة أخيها بشوشة الوجه، لا تنتهي أحاديثها، وتملأ ضحكتها أرجاء المكان؛ حيث ينسجم الجميع مع حديثها حين تتكلم. لكن زوجها كان يستمع إليها بطريقة مختلفة، أو هكذا كانت تشعر هي على الأقل.
في يوم العيد، اجتمعوا جميعاً كما جرت العادة في كل عام. كانت الجلسة مفعمة بالضحك والأحاديث الدافئة، بينما كانت زوجة أخيها تتنقل بنشاط، توزع الشاي وتستقبل الضيوف، وهي في أبهى حلتها ومظهرها الأنيق. وأثناء جلوسها في مكانها، كانت تراقب زوجها عن بُعد.
كلما تحدثت زوجة أخيها، سارع زوجها بالتعليق، وكلما ضحكت، شاركها الضحك، وكلما فتحت موضوعاً، انطلق لسانه بالكلام بعد أن كان صامتاً طوال الطريق!
حاولت أن تقنع نفسها قائلة: “ربما هو مجرد إعجاب بشخصيتها الاجتماعية”، لكن قلبها كان يعتصر ألماً في كل مرة ترى فيها عينيه تلاحقان حرَكاتها وسَكَناتها.
لحظة المكاشفة
وبعد عودتهما إلى المنزل في ذلك اليوم، لزمت الصمت لساعات طويلة. لاحظ زوجها ذلك وسألها:
– شبيج؟ مو على طبيعتج.
تنهدت بعمق وقالت:
– أريد أسألك سؤال، بس جاوبني بصراحة… ليش من نكون ببيت أهلي أشوفك مرتاح بالحچي ويا امرأة أخوي أكثر من أي شخص ثاني؟
استغرب في بداية الأمر، ثم سكت قليلاً وأجاب:
– لأن سوالفها هواية، وتعرف تفتح مواضيع. مو أكثر.
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بنبرة خافتة:
– يمكن قصدك بريء، بس تدري شنو أشوف؟ أشوفك تضحك وياها أكثر مني، وتنتبه إلها أكثر مني. وهذا الشي يوجعني.
ولأول مرة، استوعب حقيقة شعورها؛ لم تكن مجرد غيرة من زوجة أخيها، بل كان خوفاً تسرب إلى قلبها من أن تصبح غير مهمة في عينيه كما كانت من قبل.
دنَا منها وقال:
– إذا خليتج تحسين بهالشعور، فأني غلطان. يمكن ما انتبهت لتصرفاتي، بس ما أريدج تضوجين ولا تشكين بمكانتج عندي.
في تلك الليلة، لم تتلاشَ جميع المشاكل سحراً، لكن الخطوة الأولى قد قُطعت بالفعل: الصراحة.
في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في النظرات ولا في الكلمات… بل في الوجع الذي يظل كتيماً داخل القلب، حتى يجد فرصته ليعبّر عن نفسه.
اغتيال الخوف
قصة قصيرة:
حيدر حسين سويري
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن “النهضة” بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً جثوماً على الجدرانِ الخرسانية الباردة. لم تكن القسوةُ المحيطةُ بالمكان هي مصدر الرعبِ الوحيد لـ “مريم”، بل كان الخوفُ يملأ أركانَ روحها؛ خوفُ إنسانةٍ رمَت بها الظروفُ القاسيةُ في قاعِ الضعف. كلُّ ما كانت تتطلعُ إليه في تلك البقعةِ الموحشة، هو نزرٌ يسيرٌ من الرحمة، وشعاعٌ ضئيلٌ من الأمانِ تعبرُ به جسرَ الفزع حتى لا تنكسرَ روحُها تماماً.
كانت تطوّقُ ركبتيها بيديها الراجفتين، وتسترقُ النظرَ نحو البابِ الحديدي، تترقبُ بوجلٍ خطواتِ “الحراس”؛ أولئك الذين وُضعوا في هذا المكان لتكونَ وظيفتهم إدارة الأمان وحراسة الحقوق.
وفجأةً، صرّ البابُ الحديديُّ بصوتٍ جاف، ودخل ثلاثةٌ من الحراس. لم تكن في وجوههم أيّ ملامحَ للإنسانية، بل شواهدُ استقواءٍ مقيت بالظروف والمنصب. ثلاثةُ رجالٍ تتطلعُ أعينُهم الباردةُ إلى ضعفها الحساس بانتهازيةٍ بائسة، دون أن يرمشَ لأحدهم جفنٌ أو يطرفَ لهم ضمير.
تراجعت مريم إلى الجدار، وابتلعت غصتها وهي ترفعُ يديها الضعيفتين مسترحمة:
— “رجاءً… ارحموا ضعفي، أنا امرأةٌ لا حيلةَ لي هنا ولا قوة…”
تقدم أحدهم بنظرةٍ خاليةٍ من أي حرمة، وقال بصوتٍ جافٍ يتصاعدُ منه الجبروت:
— “الرحمةُ ليست من اختصاصنا هنا.. أنتِ تحت سلطتنا الكاملة.”
لم تكن تلك الفاجعةُ الشنعاءُ التي تناوبَ على ارتكابها أولئك الثلاثة مجردَ اعتداءٍ غاشمٍ على جسدٍ أعزل في لحظةِ انكسار؛ بل كانت جرفاً تاماً لكلّ ما تبقى في كيانها. لقد تجرؤوا، بكلّ صغارٍ وقسوة، على اغتصابِ شعورها بالخوف ذاته، تاركين وراءهم أثراً لا يرممُهُ الزمان.
بعد انقضاءِ تلك الليلةِ المظلمة، سكنَ الخوفُ في جوفها كلياً، وغاضت الدموعُ من عينيها، وحلّ الذهولُ المطبقُ محلّ الفزع.
جلست زميلتها في الحجز تحاولُ مواساتها والهمسَ إليها وهي تمسكُ بيدها الباردة:
— “مريم.. اتكلمي، ابكي، اصرخي.. لا تلتزمي هذا الصمتَ المرعب، الخوفُ يأكلُ قلبكِ!”
نظرت مريمُ إلى الفراغِ بعينينِ مطفأتين، وردت بنبرةٍ جافةٍ خلت من أيِّ نبض:
— “لقد اعتَدوا عليّ، نعم.. لكنهم لم يسلبوني أماني فحسب، بل اغتالوا خوفي أيضاً.. أتعلمين ما معنى أن يعيشَ الإنسانُ بلا خوف؟ إنه كمن يعيشُ بلا نوم، بلا طعام، بلا حركة، وبلا إحساس.. فماذا يتبقى منه بعد ذلك؟ ماذا بعد الخوف غير الدمار الشامل والانكسار الذي لا يُرمّم؟”
صمتت الجدرانُ وغرقَ المكانُ في أسىً صامت. كان أشدُّ ما في الحادثةِ إيلاماً وصدمة، أن من ارتكبوا هذه الجريمةَ بحقِّ امرأةٍ في أوجِ ضعفها، هم ثلاثةُ أفرادٍ وُكِلَت إليهم أمانةُ الحمايةِ ورعايةِ العدالة، لتنقلبَ الفطرةُ والمهمة: كيف يُرتجى الأمانُ إذا كان الحراسُ هم الجناة؟
وظلَّ سؤالُ روحها المنكسرةِ يترددُ في أروقةِ الصمت: أين الحرمة؟ وأين الرحمة؟ لماذا يستصعبُ البعضُ أن يرحموا الإنسانَ في ظروفه القاهرة، بينما يسهلُ عليهم رجمُهُ بالأذى والشقاء مدى الحياة؟




