الشعر وثيقة مثالية في تدوين التاريخ وحفظ المناقب.
د. وليد عويد حسين
تروي المصادر أن زهيراً مدح الحارث بن عوف وهَرِمَ بن سنان في معلقته الشهيرة، وخص بالمدح بعد ذلك هَرِم بن سنان، فحلف هرم أن يكافئ زهيراً بالعطاء بعد كل قصيدة مدح له، بل حلف أن يعطيه لو سأل .. وأكثر من ذلك حلف أن يعطيه كلما ألقى زهير عليه السلام … ويبين قيمة ذلك المدح الذي ناله هرم بن سنان من زهير ما روي عن الخليفة عمر بن الخطاب t أنه قال لبعض ولد هرم بن سنان: ((أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا كنّا نعطيه فنُجزل! فقال: عمر t: ذهب ما أعطيتموه وبقيَ ما أعطاكم)).
لقد كان من دأب الأمم السابقة اللجوء الى آلية تدوين تاريخها وحفظه عبر تعاقب الدهور عليه حفظًا من الضياع والتحريف، ولقد تعددت تلك الوسائل والآليات التي تنتهجها تلك الأمم في هذه العملية على حسب قيمة ومكانة تلك الآلية، ولأن العرب من بين تلك الأمم الخالدة التي ولد التاريخ من رحمها ثم تناقلته الأمم الأخرى منها حيث اليونان وأوروبا احتاج العرب إلى بعض تلك الطرق بغية تحقيق تلك المآرب فكانت ولادة الشعر تلك الوثيقة المثالية التي اتبعها العرب لتدوين تاريخهم وحفظه مع انحسار الكتابة واقتصارها على فئات محددة من المجتمع لذا لجأ العرب الى عملية التدوين الشفاهي بالرواية الشعرية فكان ذلك الإجراء المحدد الأول لقيمة الشعر العربي في عصر قبل الإسلام حيث وجهته القبائل العربية لتسجيل مآثرها وتخليدها من المعارك والمناسبات من خلال القصائد الشعرية الرصينة البناء فكانت القبيلة تتخذ أفضل التدابير لبناء شاعر حقيقي يكون لسانها الناطق ومذياعها الإعلامي ضد القبائل الأخرى لذا كانت القبيلة من تلك تفرح شديد الفرح حين تشهد ولادة شاعر فيها وتبدأ بمفاخرة غيرها من القبائل.
لقد كانت القصيدة الشعرية المتكاملة اللوحات في ذلك الزمن وثيقة مفعمة بالنضج التاريخي متضمنة الأنساب والقصص وحكايات السابقين، ثم أصبحت القصيدة الشعرية ترفع تاريخ أمة معينة ونفسها تضع تاريخ غيرها بالمعاني والصور التي تقدمها تلك القصيدة.
إن الشعر بوصفه فنًا أدبيًا مستقلاً كان الباعث الأكثر حظًا في صناعة ثنائية المعرفة/ الوعي على المستوى الثقافي للمجتمعات كافة، فالقصيدة لم تزل الأداة البارزة في كونها المحفز المثالي للقيم الأخلاقية والمعرفية للمجتمع العربي المسلم وغيره من البيئات الأخرى فضلاً عن كون الشعر المرسخ للثقافة والمبهر للتاريخ.
إن مقولة سعيد عقل المشهورة ((الشعر قبض الحضارة في عبارة)) تبدو في منتهى البلاغة التي اختصرت القيمة الحقيقية للشعر في مسألة حفظ التاريخ والمناقب والذاكرة لكل الأمم وصارت القصيدة الشعرية المتنفس الأول الذي لا يعطي الإنسان دفقة الهواء بغية الحياة بل صار المنقذ للأرواح من ظلام الأوهام.
إن من قيمة الشعر عمومًا أن الشاعر كان يستعين بمخزونه الثقافي والتاريخي الماضي الخاص بأمته من أجل رسم مشهد متكامل لأمر معاصر أيًا كان توجه ذلك الأمر وفي المحصلة النهائية فإن القيمة الحقيقية للشعر في هذا السياق ستفضي الى أن تكون بالغة التأثير، قوية التعبير، ومن ثم بعيدة المرامي ([1]). وبالوقت نفسه يعد هذا النوع من الشعر ذي قيمة وأثر في تخليد التأريخ والمواقف والرجال، فهو وثيقة لا تنطوي، وثيقة ثقافية ذات أهمية كبيرة في بناء النصوص التاريخية سواء على مستوى الدول أو الأفراد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أنظر: الحضور الثقافي في الشعر العربي، أحمد طعمة حلبي، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد40، العدد 6، 2011م.