” أثر الأشباح” فيلم يصور المعاناة والإذلال الذي عانى منه معارضوا نظام بشار الأسد في سجونه
علي المسعود
“أثر الأشباح ” فيلم من إخراج “جوناثان ميليت” وكتب السيناريو له “جوناثان ميليت” بالإشتراك مع ” فلورنس روشات”. الفيلم مستوحى من شهادات السجناء السوريين السابقين في سجن صيدنايا السئ الصيت، يتضح نهج الفيلم منذ المشهد الافتتاحي حين ينقل البطل حميد (آدم بسا) مع مجموعة من المعتقلين السياسين في الحجز في شاحنة مزدحمة ، ويطلق سراحهم من قبل الجنود السوريين في الصحراء . بالتأكيد سيكون مصيرهم الموت . يبدو حامد مدرس الأدب في حلب رجلا منهكاً ومنهار تحت حرارة شمس الصحراء . بعد عامين ، وفي عام 2016 بالتحديد ، يحمل حميد هوية جديدة ويعيش ويعمل في ستراسبورغ . هدفه هو العثور على رجل يدعي في البداية أنه صديق، لكنه في الواقع الرجل الذي أشرف على تعذيبه خلال فترة قضاها في “مسلخ البشر” الشهير المعروف بسجن صيدنايا . يسعي حميد في العثور على جلاده وينتقم منه. مع تقدم السرد بحذر وتدريجي ، نعلم من خلال السرد التفاصيل عن ماضيه نكتشف ، حميد كان أستاذا للأدب في حلب ، وقتلت زوجته وابنته في انفجار خلال فترة سجنه . يستحضر السيناريو بقوة وبراعة المعاناة والإذلال الذي عانى منه معارضو نظام بشار الأسد .

مع إنفتاح تترات البداية ، تظهر شاشة سوداء، ويبدأ السرد ونسمع الصوت المكتوم لكنه واضح لصوت عدد كبير من البشر الخائفين المحشورين في مساحة صغيرة جدا من شاحنه مظلمة تنقلهم وعيونهم مغطاة ، يدفعون إلى مكان ما رغما عنهم . تتوقف العربة فجأة ويتسرب ضوء حارق بينما يتم اقتياد هذه الشاحنة المليئة بالسجناء المصابين بالصدمات، ومن بينهم المدرس حميد ، تحت تهديد السلاح إلى الصحراء . يتركهم الجنود السوريون في الصحراء ليموتوا . ومن بينهم حميد ( الممثل أدم بيسا)، الذي أصبح ظل رجل نحيف لكنه لم ينكسر. مع هروبه ولجوئه الى أوروبا، أصبح جزء من منظمة سرية مكرسة لتحديد وكشف مجرمي الحرب من ضباط المخابرات والأجهزة الأمنية السوريين المختبئين في أوروبا. تصبح مهمته الأخيرة شخصية للغاية ، وعندما يعتقد أنه تعرف على معذبه من سجن صيدنايا الشهير الذي يعيش بحرية تحت اسم مستعار( سامي حنا)، ويلعب دوره الممثل الفلسطيني “توفيق برهوم” . في فيلمه الروائي الأول إستلهم المخرج “جوناثان ميليت ” أحداثه الحقيقية من الملاحقة التي قادها المعتقلين السوريون بحثا عن معذبيهم وجلاديهم في السجون السورية . نتابع حميد (آدم بسا)، الذي، بعد عامين من إطلاق سراحه من سجن صيدنايا في سوريا، يكافح لإعادة بناء حياته في ستراسبورغ أثناء عمله كعامل بناء، تطارده ذكريات سجنه والرجل الذي عذبه .

عندما عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان السينمائي، حصل فيلم “أثر الأشباح” على إشادة نقدية بسبب سرده المتوتر والمؤثر . المخرج”جوناثان ميليت”، الذي يخوض أول فيلم روائي له، تشكلت رؤيته من سنوات بحثه المكثف حول الشبكات السرية الحقيقية التي تطارد مجرمي الحرب السورية في أوروبا. اهتمامه الدقيق بالتفاصيل يمنح السرد واقعية ملحة، ويرفعه إلى ما هو أبعد من إثارة الانتقام التقليدية.أداء الممثل التونسي – الفرنسي “آدم بيسا ” في دور حميد كان من أبرز الأداء، حيث أكسبه ترشيحا لجائزة سيزار ، كما حصل الفيلم على ترشيح لجائزة سيزار لأفضل فيلم أول . بفضل إخراجه المدروس، وعمل الكاميرا السلس، وتصميم الصوت الجذاب، الذي يزيد من التوتر العاطفي والنفسي . يعد الفيلم استكشافا مشوقا للصدمات والعدالة. كما يغوص بعمق في المعضلات الأخلاقية التي يواجهها الفارون من بلادهم أثناء نضالهم لاستعادة حياتهم . إستند المخرج الفرنسي “جوناثان ميليت” في أول عمل روائي له إلى موقف حقيقي، يقول المخرج : “عندما كنت في العشرينات من عمري، انتقلت إلى حلب، حيث كونت العديد من الأصدقاء. بعد عدة سنوات اندلعت الحرب وأرسل لي بعضهم صورا وفيديوهات للصراع والحي الذي كنت أعيش فيه، والذي دمر بالكامل. كل سنوات لقاءاتي أظهرت لي الجروح الداخلية وذكريات الألم التي يحملها هؤلاء الرجال معهم. فكرت في صنع فيلم وثائقي عن ذلك وقضيت عدة أسابيع في مركز علاج لضحايا الحرب والتعذيب. التقيت بعدد كبير من السوريين واستمعت إلى قصصهم عن الحرب والسجن والتعذيب. وأثناء التحقيق، سمعت المزيد والمزيد عن الشبكات السرية، وصائدي الأدلة، والمجموعات التي تتابع مجرمي الحرب في أوروبا لأشهر ” .
في عام 2016 في ستراسبورغ وهي مدينة على الحدود مع ألمانيا نتابع الضحية حميد، حيث منح حق اللجوء. ينضم إلى شبكة سرية من السوريين الذين يتعقبون جلادوا نظام بشار الأسد في جميع أنحاء أوروبا. نيتهم هي تسليم المدانين للسلطات لمحاكتهم على جرائمهم ، مع مرور الوقت، وبمساعدة لاجئة سورية آخرى تدعى يارا ( الممثلة السورية حلا رجب)، يصل بحثه حميد الى رجل يستخدم (الاسم المستعار) سامي حنا، والذي يعتقد حميد أنه الرجل الذي عذبه هو وآخرين في سجن صيدنايا الرهيب . الانتقام الذي كان مهووسا به لسنوات لا يزال على بعد خطوة واحدة فقط .” أثر الأشباح” هو نظرة ناضجة ومدروسة على صدمة لاجئ سوري، حتى وإن كانت طبيعتها الهادئة تبالغ وتضعف تأثيرها . أكثر مشهد مثير للاهتمام في الفيلم لحظة المواجهة والمحادثة التي طال انتظارها بين حميد وهدفه معذبه وجلاده. بينما يشارك الأخير قصصه وأفكاره حول سوريا الحاضرة بالمضي قدما وتجاوز عنف الماضي . كان “جوناثان ميليت”، طالب فلسفة سابقا، ومخرج أفلام وصانع أفلام وثائقية، أخرج فيلم “سبتة، سجن الدوس” في عام 2012. يستكشف الظروف الكارثية لاستقبال المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا. اليوم، المخرج في سن التاسعة والثلاثين، صنع أول فيلم روائي رائع ، وكان حريصا على دراسة صدمات الحرب، التقى” جوناثان ميليت” لمدة عام بالعديد من اللاجئين السوريين في فرنسا وألمانيا، وهناك سمع لأول مرة عن هؤلاء المعارضين للنظام، الذين كانوا يطاردون مجرمي الحرب السوريين في أوروبا. في مفارقة قاسية من الواقع، تقوم هذه الخلايا الاستقصائية (التي تتواصل بشكل مجهول في منتديات ألعاب الفيديو الحربية) بمطاردة مجرمين لم يروا وجوههم من قبل.
في قلب الصراع الذي أشعل سوريا بالنار والدماء منذ عام 2011، والذي يختبئ في ظلال سجن صيدنايا الرهيب ، صنع الجلاد السوري سمعة شريرة جدا لنفسه قبل أن يختفي فجأة، ربما لجأ إلى أوروبا بهوية مزيفة، مختبئا وسط العديد من رفاقه الذين سلكوا طريق المنفى. لكن الأدلة التي قد تسهل التعرف عليها ضعيفة: صورة ضبابية، شهادات صوتية مؤثرة من ضحايا الجلاد سامي حنا، وذكريات حميد المؤلمة لشهور من التعذيب. فيلم إثارة يختبر الحواس والذاكرة .عناصر السرد في الرواية الجاسوسية حاضرة جدا: هويات مزيفة، لقاءات سرية في الحديقة تترك طردا تحت مقعد، تتبع خفي وألعاب فيديو تستخدم كقناة تواصل. لكن كيف يمكنك أن تتعرف بيقين على المعذب الذي ضربك بلا مبالاة بعد أن غطاك رأسه؟ من خلال مشيه، وحركاته، ورائحته، وصوته… في هذا الفيلم الأول الرائع، العمل على الصوت مذهل. تبادلات الهاتف، شهادات الناجين، الهمسات التي تجمع خلف الباب… يصبح السمع هو المعنى الأساسي، مع مساهمة الموسيقى أيضا في التوتر المحيط .
بينما يذهب إلى ستراسبورغ على خطى معذبه السابق، الذي لا يعرف سوى رائحته وصوته وخطواته، يعلم حميد من لاجئة سورية (الممثلة السورية حلا رجب) أن هذا الرجل يختبئ تحت هوية طالب كيمياء، وكذالك التحق في الدراسة للحصول على درجة الماجستير في الكيمياء بجامعة ستراسبورغ تحت اسم سامي حنا (توفيق برهوم، ذو حضور قوي) . خلال سعيه الصامت المهووس والصبور، سيكون حميد محاوره النادر زميلته الألمانية نينا (جوليا فرانز ريختر) . مع اهتمام دقيق بأدق الإيماءات والتعبيرات لشخصيته الصامتة، التي جسدها “آدم بيسا” ببراعة، يستخدم جوناثان ميليت الصور بحكمة في أماكن مجهولة أو مألوفة، مثل الحديقة، المكتبة، مقهى الإنترنت . فقط تسجيلات شهادات السوريين المعذبين، التي يستمع إليها حميد خلال رحلاته، تكفي لسرد أهوال الحرب الأهلية في سوريا. وكذلك الصمت البليغ واثار التعذيب في المعتقل السوري الموشومة على الجلد .
معظم أحداث الفيلم حقيقية وواقعية ، خاصة المطاردة وكل الأسئلة التي تطرح . الجانب الحسي يأتي أيضا من الواقع: التعرف على الجلاد من خلال الصوت، من الرائحة، الشك، عدم معرفة ما يجب فعله بمجرد التعرف عليه ، يقدم الفيلم بعض الشخصيات المرتبطة بالشخصية الرئيسسة( حميد) من خلال المكالمات الهاتفية الزوم مثل والدته ( الممثلة الفلسطينة – الأردنية شفيقة الطل)، التي تعيش بشكل ماساوي في مخيم للاجئين في بيروت ، يجب على حميد أن يبدو متفائلا خلال مكالمات الفيديو مع والدته المسنة . ذكرياته مجرد شظايا بسبب التعذيب الجسدي والنفسي، وفي النهاية يقترب من جلاده بما يكفي ليشم رائحته كنقطة بيانات أخرى لتأكيد هويته لأنها كانت من أقل حواسه تأثرا خلال جلسات التعذيب. يحول عدم يقينه ورغبته اليائسة في العثور على هدفه المطاردة إلى صراع داخلي وتعذيب حقيقي بينما يواجه قابلية الذاكرة للخطأ وأخلاقيات الانتقام. تتقاطع وجهة نظر الفيلم بين التخفي والتشويق المعاصر وبين استرجاعات متقطعة وغير واضحة ، في النهاية، الفيلم إستكشاف صريح لما يعنيه العيش بعد الصدمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب عراقي




