ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الأحد، 19 يوليو 2026 SAALIK — Nr. 29
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
19 يوليو 2026
د. غازي هلال ـ لماذا تقول ما لا يفهم ؟
الرئيسيةثقافة و فند. غازي هلال ـ لماذا تقول ما لا…

د. غازي هلال ـ لماذا تقول ما لا يفهم ؟

ثقافة و فن

د. غازي هلال ـ لماذا تقول ما لا يفهم ؟

لماذا تقول ما لا يفهم ؟

من جماهيرية القصيدة الكلاسيكية الى ذاتية قصيدة النثر

الدكتور غازي هلال

ما بين( الإشكاليات والأزمات) نحن نعيش في كون فوضوي عارم ليس على صعيد الأدب فحسب، بل على الصُعد الحياتية كلها،ولا شك في أن ثلاثية المبدع والناقد والمتلقي هي من تشكل مدار تلك الفوضى التي لا يدرى متى خلاصها،فكل واحد من هؤلاء تقع على عاتقه مسؤولية من نوع ما،ولسنا في معرض التطرق الى ماهية تلك المسؤوليات فكل واحد منا مبدعًا كان أم ناقدًا أم متلقيًا يدرك تمامًا ما له وما عليه،فالمبدع عليه أن يكون عارفًا بما يبدع منصفًا في الذين يوجه اليهم خطابه، والناقد يجب أن يكون منصفًا حين يتوجه نحو المبدع وأن يكون جديًا في تواصله مع المتلقي، أما هذا المتلقي فلا بد أن يكون مثقفًا فيما يقرأ منصفًا في تمييز( لمن يقرأ )، ولأن هذه الثلاثية تعمدت إدخال نفسها في اللاجدوى أصبحت على ما هي عليه اليوم من تلك الفوضى المشار اليها أول الحديث.

ليس ثمة من يشك منا في قضية ( جماهيرية ) القصيدة الكلاسيكية الجاهلية والأموية والعباسية،ولا أدل على ذلك من تلك ( الفرية ) أو التهمة( الجميلة) الموجهة اليها من بعض النقاد المتحاملين والمروجين لمشروعهم الجديد من جهة كونها ( قصيدة منبرية )، فلا شك في أن من يجلس تحت هذا المنبر فئات مختلفة من القراءوالمتلقين الأمر الذي يجعل كونهم جماهيرمختلفي الرؤى والأحكام ثم إن ذلك المنبر مما يمكن وصفه بالتجدد فكل خطبة تلقى من عنده ستأتي حتمًا بشيء جديد غير مألوف من قبل،فبهذه الفلسفة المتواضعة يمكن وصف تلك القصيدة الفخمة، فقصائد الشعراء الجاهليين ومن جاء بعدهم لم نسمع يومًا عنها أنها وجهت نحو فئة محدودة من الناس، كذا لم نسمع من يقول ( إني لم أفهم مما قال زهير وامرؤ القيس …شيئًا )، ولا شك في أن المتنبي لم يكن فئويًا في صناعته الشعرية، فقد وجه خطابه الشعري الى المجتمع كله…حاكمه ومحكومه صغيره وكبيره ولم يعهد عن ( صبية زمانه وجواريه ) أنهم لم يعقلوا شيئًا من شعر أبي الطيب أو أنهم لم يفقهوا معانيه البتة، لذا فقدجاء شعره جماهيريًا يغطي كل مطاليب المجتمع العربي حتى في غزله، ومن ثم جاء متقبلًا من ذلك المجتمع حتى على سبيل النقد الآخر.

لقد كانت القصيدة غنائية وجدانية تمتلك روحًا وثابة لا يمكن للزوال بموت وغيره الاقتراب من قلعتها المحصنة، ولم تكن بمسيس حاجة الى اصطناع العلامات الدالة قربها لكي تقول للباحث عنها ( أنا هنا ) كما تفعل الأجناس الأخرى اليوم، فقصيدة الموروث لم تتعب صانعها الشاعر بغية إيصال مراميه الى المجتمع بيسر وسهولة مثلما صنعت الأجناس الحداثية والمعاصرةاليوم ولا سيما عند اتكائها على آلية ( الغموض ).

أما في زماننا هذا… وفي خضم هذه الفوضى العارمة فقد شارف المتلقي على فقدان آلة التذوق عنده مثلما وصل الى فقده حاسة التمييز والتفريق ما بين الغث والسمين، وصرنا نتعثر بمثل تلك الفوضى ( الشعر شعر وإن كان مبتعدًا عن الشكلية )،و( النص دون رموز هو نص فارغ )، و( اللغة هي المحرك الأساس الديناميكي للنص والمعين له على صناعة الشعرية ) ، و( الإشراق والتوهج اللغوي والدلالي والمجانية هي البذور الأولى لظهور الشعر …) وكأن القصيدة الأولى تخلو من هذه الأمور…حتى كثرت عندنا ( الأقاويل الشعرية )، وحين زهد المجتمع بمثل هذه الأجناس وضاق بها ذرعًا في محاولة من هؤلاء لكسب الشرعية الحقيقية ل( قصيدة النثر )، وحين أدركوا حتمية موتها تداركوا ألسنتم وخرجوا الينا ب( القصيدة النخبوية )، ولما قيل لهم: أنتم الآن تدينون جنسكم هذا بصريح عباراتكم، فأنتم تعترفون بأن قصيدة النثر موجهة الى النخبة العليا من المجتمع ولا حق لغيرها تلقيها ولا تذوقها ولا حتى نقدها، عندها هرول مخبرهم ذاك وأزعج مسامعنا ب ( القصيدة التأملية ) في محاولة منه لتفادي الخسائر من جهة ومن ثم إعادة التهمة المتمثلة ب( التسرع والعجلة وعدم التأني الى القصيدة المنبرية )، وعلى الرغم من ذلك فقد بقي المجتمع زاهدًا بهذا الجنس الذي ارتضى لنفسه الانحسار في زاوية ضيقة جدًا خلف قصيدة الموروث، وكان آخر القطر الشحيح إلقاء التهمة على المتلقي المسكين كونه الباعث الرئيس على نجاح مثل هذه الأجناس من عدمه فعاد ذاك المخبر الليلي ليقول: إننا نمر اليوم بأزمة تلقٍ…ويعني وجود أزمة في القراءة وأزمة في التلقي وأزمة في الثقافة والمعرفة الى جانب أزمة في النقد، ثم حاول ملء الرؤوس بمثل هذه التفرعات ( القصيدة الرؤيوية- حيث الرؤى الفلسفية العميقة- والقصيدة التداولية اليومية- الحرة- حيث الموجهة الى كل أطياف المجتمع ….) في  محاولة حثيثة لإعادة ( شرعنة ) القصيدة النخبوية وإعادتها الى الحياة مرة أخرى بعد وقوعها في هاوية العدم.

حين سأل ذاك المتلقي أبا تمام: لماذا تقول ما لا يفهم؟ لم يرد قطعًا إزالة ( مسحة الضباب ) عن معاني أبي تمام ولغته، ولم يرد قطعًا ان يقول لأبي تمام: ضع لنا علامات في طريق المعنى تدلنا على مبتغاك، ولم يرد قطعًا إلصاق تهمة الغموض بالقصيدة، فقد يكون ذاك السائل (عراقيًا ) يروم تهميش الشاعر وخطابه الشعري مثلما حاولوا التشكيك في بلاغة النص القرآني وصدق ثبوته وهم بين يدي خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه، أو أنه كان جاهلًا بمسافة الالتباس التي يتوجب على الشاعر المبدع تركها بينه وبين المتلقي لكي تدوم عرى المودة والتواصل بين القصيدة وقارئها ولكي لا تضطر تلك القصيدة الى توديع ذلك المتلقي من أول لقاء بينهما وإيمانها بحتمية الفراق وعدم الاضطرار الى إقناع النفس باحتمال وقوع العشق والهوى بينهما ولسنا نشك في ذلك ، إذا كان ذاك الاعتراض في زمن القصيدة العباسية حيث الشموخ والعنفوان الشعري ، وهم بين ظهراني أبي تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي وأبي العلاء المعري…. فماذا عسانا أن نقول نحن اليوم ؟ ماذا عسانا ان نخاطب شاعر قصيدة النثر اليوم وسط هذه الفوضى الأجناسية الجديدة فوق أن نخاطبه : لم تقول ما لا يفهم ؟؟؟ وبم عساه أن يقنعنا ؟؟؟

إن وصف قصيدة النثر بأنها ( نص ثوري ) أمر معقول جدًا بيد أن ليس في صالحها أنها نص لا وجهة له إذ لا قوانين له في المحصلة النهائية لأن هذه القصيدة ظهرت في أساسها من اجل الثورة على قوانين القصيدة الكلاسيكية ، وبذا فقد ينطبق عليها وصف قائلهم ( يدخل..يقلب صفحات الكتاب..الأولى..الثانية..وما يلبث ان تباغته الخاتمة…) ، فذلك ينطبق تمامًا على سرعة تلاشي النص النثري وذهاب رونقه وكذب توهجه، ومن ثم فإننا وصلنا حتمًا الى ذاتية قصيدة النثر و وصولها الى دائرة الانغلاق الذاتي بعدما كانت في زمن ما جماهيرية ولا شك في ذلك، ولا ريب في انها ستجد نفسها يومًا ما تحت خيمة ( أزهد الناس بالقصيدة شاعرها…) بل حتى لن ينفعها أن نمسد عليها بنعومة لكي لا تطير من بين أيدينا….

مقالات ذات صلة