ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الجمعة، 19 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 25
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
19 يونيو 2026
عصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء بنخبة ماسكة بأضلع السلطة بالقوة!!
الرئيسيةأقلام وأراءعصام الياسري ـ في العراق الديمقراطي.. هل يمكن…

عصام الياسري ـ في العراق الديمقراطي.. هل يمكن الحديث عن حرية الكلمة والصحفيين يقمعون؟.

أقلام وأراء

عصام الياسري ـ في العراق الديمقراطي.. هل يمكن الحديث عن حرية الكلمة والصحفيين يقمعون؟.

في العراق الديمقراطي..

هلْ يمكنُ الحديثُ عنْ حريةِ الكلمةِ والصحفيينَ يقمعون؟ .

عصام الياسري

في الثالث من أيار/ مايو من كل عام حددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتجدد عبره الدعوة إلى التأمل في قيمة الكلمة الحرة ودورها في بناء المجتمعات وصون الديمقراطية. فهذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو محطة سنوية لتذكير العالم بأهمية الصحافة كركيزة أساسية من ركائز الشفافية والمساءلة، وكصوت يعكس نبض الشعوب وتطلعاتها.

تلعب الصحافة دورا محوريا في نقل الحقيقة وكشف الوقائع، فهي الجسر الذي يربط بين المواطن ومصادر القرار، والمرآة التي تعكس الواقع بكل أبعاده. ومن خلال التغطيات الميدانية والتحقيقات الاستقصائية، يسهم الصحفيون في كشف الفساد، وتسليط الضوء على القضايا المهملة، والدفاع عن حقوق الإنسان. إن الإعلام الحر ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو قوة فاعلة في تشكيل الوعي المجتمعي، وتعزيز الحوار، وترسيخ قيم العدالة والمساواة.

غير أن هذا الدور النبيل لا يخلو من التحديات. ففي العديد من دول العالم، يواجه الصحفيون ضغوطا هائلة تتراوح بين الرقابة الصارمة والتضييق على حرية التعبير، وصولا إلى التهديد والاعتقال، بل وحتى فقدان الحياة. وتفرض بعض الأنظمة قيودًا تحدّ من قدرة الإعلام على أداء رسالته، مما يؤدي إلى تغييب الحقيقة أو تشويهها. كما يعاني الصحفيون في مناطق النزاعات من مخاطر جسيمة أثناء تغطية الأحداث، حيث تصبح حياتهم على المحك في سبيل نقل الحقيقة.

إضافة إلى ذلك، يواجه الإعلام تحديات العصر الرقمي، من انتشار الأخبار الزائفة إلى تراجع الثقة في المصادر الإعلامية، وهو ما يتطلب التزاما أكبر بالمهنية والمصداقية. وفي هذا السياق، يصبح دور الصحفي أكثر تعقيدا، إذ لا يقتصر على نقل الخبر، بل يشمل التحقق من صحته، ومواجهة حملات التضليل، وتقديم محتوى يعزز وعي الجمهور.

إن دعم حرية الصحافة وحماية الصحفيين مسؤولية جماعية، تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني على حد سواء. فبدون صحافة حرة ومستقلة، يصعب تحقيق التنمية المستدامة أو ضمان حقوق الإنسان. ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذا اليوم هو دعوة مفتوحة لتعزيز بيئة إعلامية آمنة، تُصان فيها كرامة الصحفي، ويُحترم فيها حق الجمهور في المعرفة.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يمكن الحديث عن حرية الكلمة دون التوقف عند واقع الصحفيين في العراق، حيث تحوّلت مهنة البحث عن الحقيقة في كثير من الأحيان إلى مخاطرة يومية قد تُكلّف صاحبها حياته.

فالصحفي العراقي، الذي يُفترض أن يكون عين المجتمع ولسانه، يجد نفسه في مواجهة تحديات جسيمة، تبدأ من التضييق على حرية التعبير، ولا تنتهي عند التهديد المباشر أو الاغتيال. لقد أصبح نقل الحقيقة وكشف معاناة المواطن العراقي ـ من الفقر، والفساد، وسوء الخدمات ـ سببا كافيا لتعرّض الصحفي للملاحقة أو المحاسبة القانونية، في ظل بيئة لا توفر له الحماية الكافية، بل قد تزيد من حجم المخاطر التي تحيط به.

وفي السنوات الأخيرة، برزت حالات عديدة تعرّض فيها صحفيون للاعتقال أو الاعتداء لمجرد قيامهم بواجبهم المهني، فيما ظلّ كثير من الانتهاكات دون محاسبة حقيقية. هذا الواقع لا يهدد الأفراد فحسب، بل ينعكس بشكل مباشر على المجتمع بأسره، إذ يؤدي إلى تكميم الأفواه، وتراجع مستوى الشفافية، وغياب الصوت الذي ينقل معاناة الناس بصدق.

إن ما يواجهه الصحفيون في العراق اليوم يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية، تتطلب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية، لضمان حماية الإعلاميين، وتوفير بيئة آمنة تمكّنهم من أداء رسالتهم دون خوف أو تهديد. فحرية الصحافة ليست ترفا، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان، وركيزة لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح والتقدم.

ومن الناحية المهنية والأخلاقية، لا يمكن إغفال إشكالية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في انخراط بعض المنتسبين إلى الوسط الإعلامي في دوائر النفوذ، حيث تحوّل دورهم من نقل الحقيقة إلى ترويج خطاب يخدم مصالح قوى سياسية أو جهات متنفذة. وقد أدى هذا السلوك، المدفوع الثمن أحيانا بالمكاسب المادية أو الامتيازات، إلى إضعاف ثقة الجمهور بالإعلام، وإلى التغطية على قضايا فساد وانتهاكات كان من الواجب كشفها. إن هذا الانحراف لا يمثّل جوهر العمل الصحفي، بل يسيء إليه، ويُحمّل المهنة أعباء إضافية في معركة استعادة مصداقيتها.

إن المسؤولية لا تقع على عاتق الصحفي وحده، بل يمتد دورها إلى المجتمع بأسره. فالمجتمع العراقي مدعوّ اليوم إلى أن يكون سندا للصحفيين، وأن يدافع عن حقهم في نقل الحقيقة، وألا يتركهم يواجهون التهديدات والضغوط بمفردهم. إن حماية الصحفي هي في جوهرها حماية لحق المواطن في المعرفة، ودعم الإعلام الحر هو دعم لصوت الناس أنفسهم. فكلما وقف المجتمع إلى جانب الكلمة الصادقة، ازدادت قدرتها على الصمود في وجه محاولات التكميم والتشويه.

وفي هذه المناسبة، يبقى التأكيد أن دعم الصحفيين في العراق هو دعم للحقيقة ذاتها، وأن حماية الكلمة الحرة لا تكتمل إلا بممارستها بمسؤولية ونزاهة، بعيدا عن الضغوط والمصالح الضيقة، وصولا إلى إعلام يعكس صوت المواطن بصدق، ويسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ووعيا. كما يُصان فيه صوت الرأي العام دون تمييز، ولا يُعاقَب فيه من يسعى إلى إظهاره.

وفي الختام، يبقى الصحفي صوتا للحقيقة، وحارسا للضمير الإنساني، مهما اشتدت التحديات. إن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث التغيير، وبناء مجتمع أكثر وعيا وعدلا، وهو ما يجعل من الصحافة رسالة سامية تستحق كل التقدير والدعم.

مقالات ذات صلة