ما هي الحداثة السائلة عند زيجمونت باومان؟
شعوب الجبوري
ت: من الألمانية أكد الجبوري
محتوى الرسالة:
“الحداثة السائلة هي زمن تتدفق فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية دون الحفاظ على شكل ثابت، مما يشكل تحديًا ليقينياتنا وتأميناتنا.” – (زيجمونت باومان)
لقد ترك لنا الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي الأصل زيجمونت بومان (1925 – 2017)()، المعروف بمفهومه للحداثة السائلة، إرثًا من التأملات العميقة حول تحديات القرن الحادي والعشرين. في مقابلة أجراها معه هيكتور بافون، يحذر بومان من الطلاق بين السلطة والسياسة، وكيف تعمل هذه الظاهرة على إعادة تعريف مجتمعاتنا. وبحسب بومان، “أصبحت السلطة عالمية، في حين ظلت السياسة محلية، مما أدى إلى خلق انقسام يؤثر على الجميع()”. إن هذا التحليل لا يصف الواقع الحالي فحسب، بل يدعونا أيضًا إلى التساؤل حول كيفية مواجهتنا للمشاكل العالمية في عالم مجزأ بشكل متزايد.
– ما هي الحداثة السائلة؟
الحداثة السائلة هو مفهوم طوره باومان لوصف عصر لم تعد فيه البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية صلبة، بل سائلة. “في الحداثة السائلة، لا يبقى أي شيء على حاله لفترة طويلة. كل شيء يتغير باستمرار، مما يخلق حالة من عدم اليقين والقلق”()، كما يوضح بومان. وعلى النقيض من الحداثة “الصلبة”، حيث كانت المؤسسات والعلاقات مستقرة، فإن الحداثة السائلة تتميز بالهشاشة وانعدام اليقين. وتؤثر هذه الظاهرة على كل شيء بدءاً من العلاقات الشخصية وحتى الهياكل الاقتصادية العالمية.
– الأنفصال بين السلطة والسياسة؛
أحد المواضيع الرئيسية في المقابلة هو الفصل بين السلطة والسياسة. ويشير بومان إلى أنه في حين أصبحت القوة عالمية وتعمل في “فضاء التدفقات”، فإن السياسة لا تزال راسخة في “فضاء الأماكن”. ويقول إن “القوة لم تعد تكمن في أيدي الدول القومية، بل في أيدي كيانات عالمية مثل الشركات المتعددة الجنسيات”(). وقد أدى هذا إلى نشوء حالة أصبحت فيها المؤسسات السياسية التقليدية أقل قدرة على تنظيم القوى التي لها أهمية حقيقية. يصف أنطونيو غرامشي هذه المرحلة، التي استشهد بها باومان، بـ “فترة انتقالية”، حيث يموت القديم ولم يولد الجديد بعد.
إن هذا الطلاق بين السلطة والسياسة له عواقب وخيمة. ومن ناحية أخرى، يشعر المواطنون بأن حكوماتهم لم تعد قادرة على حمايتهم، وهو ما يولد انعدام الثقة وخيبة الأمل. ومن ناحية أخرى، تعمل الشركات والكيانات العالمية دون إطار تنظيمي فعال، مما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة وانعدام الأمن. ويحذر بومان قائلاً: “لقد أصبحت السياسة محلية، في حين أصبحت السلطة عالمية. وهذه وصفة للفوضى”().
– الأحياء الطوعية وغير الطوعية؛
ويقوم باومان أيضًا بتحليل كيفية ظهور عدم المساواة في المدن الحديثة. وبحسب قوله، تنقسم المساحة الحضرية إلى أحياء فقيرة طوعية (مجتمعات مسوّرة) وأحياء فقيرة غير طوعية (مدن الصفيح). ويوضح قائلاً: “الأغنياء محبوسون في مجتمعات محصنة، في حين أن الفقراء محصورون في مناطق مهمشة”(). ويعكس هذا الانقسام ليس فقط الفجوة الاقتصادية، بل والتشرذم الاجتماعي أيضا. ويضيف بومان: “يحلم كثيرون بدخول الأحياء الفقيرة الطوعية، في حين أن خوفهم يكمن في الوقوع في الأحياء الفقيرة غير الطوعية”.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على أميركا اللاتينية فقط. ويشير بومان إلى أن هذه الظاهرة تتكرر في جميع أنحاء العالم، من أوروبا إلى آسيا. ويقول إن “المدن أصبحت أماكن للإقصاء، حيث أصبح التعايش صعباً بشكل متزايد”(). لا تؤثر هذه الديناميكية على أولئك الذين يعيشون في المتطرفين فحسب، بل تؤثر أيضًا على أولئك الذين يعيشون في الوسط، والذين يكافحون من أجل الحفاظ على مكانتهم في مجتمع يزداد استقطابًا على نحو متزايد.
– انعدام الأمن والخوف في الحداثة السائلة؛
ويعد انعدام الأمن موضوعا رئيسيا آخر في المقابلة. ويرى بومان أن عدم اليقين هو أمر ثابت في الحداثة السائلة. ويوضح قائلاً: “كل ما حققناه يمكن أن يُنتزع منا في أي لحظة، وهذا يخلق قلقاً مستمراً”(). وعلى النقيض من الأجيال السابقة التي ناضلت من أجل الحرية، أصبحت مجتمعات اليوم أكثر اهتماما بالأمن. ويقول بومان “نحن على استعداد للتخلي عن بعض حريتنا في مقابل الحصول على شعور أكبر بالأمن”.
ويتجلى هذا الشعور بعدم الأمان في أشكال متعددة، بدءاً من الخوف من فقدان الوظيفة إلى القلق بشأن عدم تلبية التوقعات الاجتماعية. “نحن نعيش في مجتمع يخبرنا بأننا قادرون على الحصول على كل شيء، لكنه في الوقت نفسه يذكرنا بأن كل شيء مؤقت”، كما يقول بومان. ويشكل هذا التناقض إحدى السمات المميزة للحداثة السائلة.
– هل هناك مستقبل للحداثة السائلة؟؛
يبدو باومان متفائلا بحذر بشأن المستقبل. ورغم اعترافه بأننا في مرحلة انتقالية، حيث لم تعد البنى القديمة تعمل ولم تظهر بنى جديدة بعد، فإنه يعتقد أن الوقت لا يزال متاحا لتغيير المسار. وأضاف “لم نصل بعد إلى نقطة اللاعودة، ولا يزال بوسعنا أن نفكر ونعمل”(). ولكنه يحذر من أن هذا يتطلب جهدا جماعيا واستعدادا لمعالجة المشاكل العالمية بطريقة منسقة.
ويرى بومان أن أحد أكبر التحديات هو الافتقار إلى المؤسسات السياسية القادرة على تنظيم القوة العالمية. ويقول “إننا بحاجة إلى أشكال جديدة من التنظيم السياسي القادرة على معالجة مشاكل القرن الحادي والعشرين”(). وهذا لا يتطلب إعادة النظر في الهياكل القائمة فحسب، بل يتطلب أيضا تعزيز ثقافة التعاون والتضامن.
تقدم لنا الحداثة السائلة التي ينتهجها زيجمونت باومان إطارًا لفهم تحديات عصرنا. ومن التفتت الاجتماعي إلى انعدام الأمن الاقتصادي، تدعونا تأملاته إلى التساؤل حول كيفية مواجهتنا للمشاكل العالمية في عالم متزايد التغير. هل نحن مستعدون لبناء مستقبل أقوى في ظل حالة عدم اليقين؟
نوصي بكتاب؛
– بومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. صندوق الثقافة الاقتصادية، 2000.