بيان الصور الجمالية وموسيقى الحروف في مقطع من قصيدة «خذلان» ـ نسرين حسون
شاكر السلمان
ما كنتُ أحسبهُ ماءً مَضى زبَدا
فلستُ أملكُ ريًّا يُنجدُ الكبِـدا
ضيعتُ زهرةَ آمالي وسؤددَها
حتى كأني حرثتُ الاربعينَ سُدى
سَرى بيَ القلبُ أعوامًا بغربتِـها
شرقًا وغربًا وما مَلَّكـتُهُ أحدا
في كلِّ مفترقٍ للحزنِ يَسلكُ بي
لو كانَ للحُبِّ دربٌ خِلتهُ قِـددا
أنّى سألتُ شتاتَ الروحِ عن رَشدٍ
تصدّعتْ أسَفَاً و أستيأستْ رَشَدا
أصغي لها تشتكي الخذلانَ قائلةً:
أواخِـرُ الصبـرِ جمـرٌ ظـلَّ مُتَّقِـدا
كـأنَّنـا نرتَـدي ظلمـاءَ وحشتِنـا
نخشى ضياءً من الهجرانِ قد فَسدا
جادتْ يَدُ البينِ واشتَدتْ حَبائّلُها
حَتى تَمنيتُ لَـو مَدتْ ليَ العضُدا
عَلّـي أفُكُّ أسَارى الأمنياتِ فَقدْ
قيَّـدتُها ظِنَّـةً أنْ تبقَى لِـي أبَـدا
ما أكثرُ الناسِ لكنْ لا بَقاءَ سِوى
لِطـارقٍ مَـرَّ لا أفضى ولا وَعـدا
تقوم هذه الأبيات على مرثية داخلية للحلم المخذول؛ فالشاعرة لا ترثي شخصًا بقدر ما ترثي عمرًا عاطفيًا ظنت أنه ماء فإذا به زبد، وزرعًا حسبته سيؤتي ثماره فإذا بأربعين عامًا من الحرث تنتهي إلى الخواء.
ومن هنا تتحرك القصيدة بين ثلاثة أقطاب:
1- العطش،
2- وضياع الزمن،
3- ووحشة الفقد، ثم تنتهي إلى حكمة موجعة عن عابرٍ ترك أثره من غير أن يمنح وعدًا بالبقاء.
• يفتح المطلع باب التجربة كلها:
ما كنتُ أحسبهُ ماءً مَضى زبَدًا
فلستُ أملكُ ريًّا يُنجدُ الكبِدا
تقوم الصورة على مفارقة شديدة بين الماء والزبد؛ فالماء حياة وريٌّ وبقاء، أما الزبد فسطح عابر سريع التلاشي.
وما حسبته الذات حقيقةً قادرة على إروائها لم يكن إلا مظهرًا خادعًا. ثم يأتي «ريًّا ينجد الكبدا» لينقل العطش من الجسد إلى الداخل؛ فكأن الكبد، بما تحمله في الذاكرة الشعرية العربية من صلة بالوجد والحرقة، أصبحت أرضًا عطشى تنتظر ماءً لا يأتي.
وتنتقل الشاعرة من الماء إلى النبات:
ضيعتُ زهرةَ آمالي وسؤددَها
حتى كأني حرثتُ الأربعينَ سُدى
إنها لا تقول: ضيعت أربعين عامًا، بل تصوغ العمر في صورة أرض حُرثت ولم تثمر. وتزداد الصورة تأثيرًا باجتماع «زهرة آمالي» و«حرثت الأربعين»؛ فالحقل الدلالي الزراعي يربط :
• الأمل بالزهرة،
• والعمر بالحرث،
• والخيبة بعدم الحصاد.
ومن هنا يصبح الرقم «الأربعون» أكثر من تحديد زمني؛ إنه ثقل مرحلة كاملة تشعر الذات أنها أنفقتها في انتظار محصول لم يأتِ.
ثم ينتقل النص من رحلة الزمن إلى رحلة القلب:
سَرى بيَ القلبُ أعوامًا بغربتِها
شرقًا وغربًا وما ملَّكتُهُ أحدا
في «سرى بي القلب» انقلاب جميل في العلاقة؛ فالمعتاد أن يحمل الإنسان قلبه، لكن القلب هنا هو الذي يحمل صاحبته ويسري بها.
لقد تحول إلى قائد للرحلة، غير أنها رحلة غربة لا رحلة وصول.
• وتتكثف هذه الغربة في:
في كلِّ مفترقٍ للحزنِ يَسلكُ بي
لو كانَ للحُبِّ دربٌ خِلتُهُ قِددا
فـ«مفترق الحزن» يحول الحزن إلى مكان له طرق ومفارق، كما يتحول الحب إلى درب متشعب. وتصبح التجربة كلها أشبه بخريطة وجدانية لا تقود طرقها إلى لقاء، بل إلى مزيد من التشتت.
• من شتات الروح إلى جمر الصبر
من أعمق صور النص قولها:
أنّى سألتُ شتاتَ الروحِ عن رَشدٍ
تصدّعتْ أسفًا واستيأستْ رَشَدا
إن «شتات الروح» تركيب يختصر حالة الانقسام الداخلي؛ فالروح التي يفترض فيها الوحدة أصبحت شظايا، ثم تُسأل هذه الشظايا عن طريق الرشاد. والمفارقة أن من يبحث عن الدليل هو نفسه الممزق الذي يحتاج إلى من يدله.
• ثم تمنح الشاعرة روحها صوتًا مستقلاً:
أصغي لها تشتكي الخذلانَ قائلةً:
أواخرُ الصبرِ جمرٌ ظلَّ متّقدا
وهنا تبلغ القصيدة واحدة من أجمل صورها.
فالصبر الذي يُتصور عادةً قوةً على الاحتمال ينتهي إلى جمر متقد.
إنها استعارة تحول الزمن النفسي إلى نار: كلما طال الصبر لم يبرد، وإنما تراكم الاحتراق في أعماقه.
• وتواصل الشاعرة صناعة صورها المركبة:
كأنَّنا نرتدي ظلماءَ وحشتِنا
نخشى ضياءً من الهجرانِ قد فسدا
في «نرتدي ظلماء وحشتنا» تتحول الظلمة إلى ثوب يحيط بالإنسان، فيصبح الشعور النفسي شيئًا محسوسًا يُلبس.
والأشد غرابة أن الذات تخشى الضياء؛ فالضوء الذي يفترض أن يكون خلاصًا أصبح مرتبطًا بالهجران.
وهنا تنقلب الدلالات المألوفة: الظلام مألوف، والضياء مخيف، لأن الخذلان أفسد حتى علاقة النفس بالنور.
• تشخيص البين وأسر الأمنيات
تقول:
جادتْ يدُ البينِ واشتدّتْ حبائلُها
حتى تمنيتُ لو مدّتْ ليَ العضُدا
لقد أصبح البين كائنًا له يد وحبائل؛ فهو قادر على الإمساك والمحاصرة.
والمفارقة الساخرة المؤلمة في «جادت يد البين» أن الجود، وهو عطاء محمود في الأصل، أُسند إلى الفراق؛ فكأن الشيء الوحيد الذي أجزل عطاياه لهذه الذات هو الفقد نفسه.
• ثم تأتي صورة شديدة الجمال:
علّي أفكُّ أسارى الأمنياتِ فقدْ
قيَّدتُها ظنّةً أن تبقى لي أبدا
فالأمنيات تتحول إلى أسرى مقيدين، والغريب أن الذات هي التي قيدتها رغبةً في الاحتفاظ بها.
وهنا تنطوي الصورة على مفارقة نفسية دقيقة: إن شدة التعلق بالأمنية قد تتحول إلى قيد لها ولصاحبها معًا.
ولهذا لم يعد المطلوب تحقيق الأمنيات فحسب، وإنما تحريرها من الأسر.
• جماليات الصور
تمتاز القصيدة بوجود سلسلة من الصور المتنامية لا صور منفردة متباعدة.
فالماء الذي صار زبدًا يقود إلى العطش،
والزهرة تقود إلى الحرث،
والحرث إلى العمر الضائع،
ثم يتحول العمر إلى رحلة،
والرحلة إلى مفترقات،
والمفترقات إلى شتات،
والشتات إلى جمر،
والجمر إلى ظلمة،
ثم تنتهي التجربة بالأسر والرحيل.
وتبرز خصوصًا صور:
• «زهرة آمالي» بما فيها من استعارة للأمل نباتًا قابلًا للنمو والذبول،
• و«حرثت الأربعين» بما فيها من تحويل العمر إلى أرض،
• و«مفترق الحزن» بتحويل الوجع إلى مكان،
• و«شتات الروح» بتجسيد الانكسار الداخلي،
• و«أواخر الصبر جمر» بتحويل الاحتمال إلى احتراق،
• و«نرتدي ظلماء وحشتنا» بجعل الوحشة لباسًا،
• ثم «أسارى الأمنيات» التي تجعل الحلم سجينًا ينتظر التحرير.
موسيقى الحروف
تستند الموسيقى الخارجية إلى قافية تنتهي غالبًا بـالدال المفتوحة المتبوعة بألف الإطلاق: زبدا، الكبدا، سدى، أحدا، قددا، رشدا، متقدا، فسدا، العضدا، أبدا، وعدا.
والدال صوت شديد مجهور، فتمنح شدته نهاية البيت وقفة حاسمة،
بينما تأتي الألف بعدها لتمد الصوت وتطلقه. وهذا التعاقب بين الحبس في الدال والانطلاق في الألف يتلاءم مع نفسٍ تعاني القيد ثم تبحث عن متنفس.
ولحرف الراء حضور ملحوظ في ألفاظ التجربة المركزية: زهرة، حرثت، الأربعين، غربتها، شرقًا، غربًا، مفترق، الحزن، الروح، رشد، جمر. وما في الراء من تكرير يمنح النص حركة داخلية تناسب اضطراب النفس وترددها بين الذكرى ومحاولة الخلاص.
أما الأصوات الصفيرية والرخوة، ولا سيما السين والشين، فتتجلى في: سدى، سرى، يسلك، سألت، شتات، أسفًا، استيأست، أصغي، تشتكي، الصبر، أسارى؛ فتخلق همسًا ممتدًا يناسب طبيعة البوح والحزن الداخلي. ويبدو هذا واضحًا بصفة خاصة في:
أنّى سألتُ شتاتَ الروحِ عن رَشدٍ
تصدّعتْ أسفًا واستيأستْ رَشَدا
إذ تتجاور السين والشين والتاء والدال، فتتولد موسيقى متقطعة تكاد تحاكي تصدع الروح نفسها.
كما يحقق التكرار المعجمي موسيقى نفسية مؤثرة: رشد/رشدا، وامتداد النفي في «ما كنت – فلست – لا بقاء – لا أفضى – لا وعدا»، يجعل النفي إيقاعًا موازيًا لمعنى الحرمان. فالموسيقى هنا ليست زينة خارجية، وإنما جزء من تشكيل تجربة الخذلان.
لذلك أرى أن هذا المقطع من «خذلان» ينجح في نقل الخيبة من مستوى الشكوى المباشرة إلى مستوى التجربة المصوَّرة؛ فالشاعرة نسرين لا تقول إن عمرها ضاع فحسب، وإنما تقول:
• «حرثت الأربعين سدى»،
• ولا تقول إن أحلامها لم تتحقق،
• بل تجعلها «أسارى الأمنيات»،
• ولا تقول إن الصبر أتعبها،
• وإنما ترى نهايته «جمرًا متقدًا».
وهنا تكمن القيمة الشعرية: تحويل المجرد النفسي إلى محسوس بصري وحركي.
ويستوقفني بصفة خاصة المطلع والخاتمة؛ فالمطلع يبدأ بخديعة الماء:
ما كنتُ أحسبه ماءً مضى زبدا
بينما تنتهي الأبيات بعابر:
ما أكثرُ الناسِ لكنْ لا بقاءَ سوى
لطارقٍ مرَّ لا أفضى ولا وعدا
وبين الزبد والعابر علاقة خفية: كلاهما لا يستقر.
فالذي بدا ماءً لم يبقَ،
والذي طرق الحياة مرَّ ولم يعد بوعد.
ومن ثم فإن جوهر الخذلان في القصيدة ليس مجرد الفراق، بل اكتشاف أن ما ظنته الذات ثابتًا كان عابرًا منذ البداية.
ومع ذلك، فالقصيدة لا تخلو من لحظة وعي ناضجة؛ إذ تصل الذات إلى ضرورة «فك أسارى الأمنيات».
وهذه العبارة في تقديري تمثل نقطة التحول الأعمق في النص: فالخلاص لا يبدأ باستعادة من رحل، وإنما بتحرير النفس من أحلام قيّدتها ظنًّا منها أن الأشياء الجميلة يمكن أن تبقى إلى الأبد.
وهكذا تغدو «خذلان» قصيدةً عن الفقد، لكنها في عمقها أيضًا قصيدة عن انكشاف الوهم بعد طول انتظار، وعن اللحظة المؤلمة التي يبدأ فيها الإنسان إعادة امتلاك نفسه.
مقطوعة بثلاثة أبيات تأخذ الألباب
نشر عدد 134 / والموقع
شاكر السلمان
لا أقول ليتها كانت طويلة لأنها تختصر قصيدة معلقة من الطوال
رؤية الشاكر للمقطوعة
«مُجْهَدُ الخُطى» للقس جوزيف إيليا
توحي بتجربة إنسانية وروحية مكثفة، تتخذ من التعب الجسدي صورةً للتعب الوجودي، ومن السير في الفضاء الفسيح رمزًا لرحلة الإنسان في الحياة، ثم تنتهي إلى التطلع نحو المسيح بوصفه أفقًا للخلاص والقوة والشفاء.
ومن هنا لا يبدو العنوان وصفًا لحالة عابرة، بل عتبةً دلالية تختصر مسار النص كله: خطى تمضي، لكنها مثقلة؛ وإرادة تتطلع إلى الانطلاق، لكن الجسد والوجع يشدانها إلى الأرض.
يفتتح الشاعر بقوله:
إنّني مُجهَدُ الخُطى كم أعاني
في انطلاقي نحو الفضاءِ الفسيحِ
وفي هذا المطلع اعتراف مباشر لا يتخفى وراء الرمز؛ فـ«إنني» تمنح العبارة قوة التوكيد، وكأن المتكلم يريد تثبيت حقيقة معاناته قبل أن يصفها.
أما «مُجهَدُ الخطى» فليست مجرد دلالة على إرهاق المشي، إذ تنفتح «الخطى» على معنى أوسع، فتصبح كناية عن مسيرة الحياة نفسها.
وهنا تتولد مفارقة جميلة بين «مجهد الخطى» و«انطلاقي»؛ فالأولى تنتمي إلى الثقل والبطء، والثانية تنتمي إلى الحركة والتحرر، وكأن الذات واقفة بين قوتين: قوة الوهن التي تشدها إلى الخلف، وقوة الرجاء التي تدفعها إلى الأمام.
ويزداد هذا التضاد وضوحًا في عبارة «الفضاءِ الفسيحِ»؛ فالفضاء بما يحمله من اتساع وانفتاح يقابل ضيق الذات المتعبة.
وفي ذلك ملمح بلاغي تتشكل فيه الصورة من مقابلة معنوية بين ضيق المعاناة وسعة الأفق.
فالشاعر لا يريد مجرد السير، بل يريد الانطلاق؛ ولا يطلب مكانًا محدودًا، بل «الفضاء الفسيح». ومن ثم يصبح الاتساع الخارجي تعبيرًا عن توق داخلي إلى التحرر من قيود الألم.
ثم تتكاثف المعاناة في قوله:
متعَبًا لاهثًا أسيرُ وآهي
آهةُ المشتكي العليلِ الكسيحِ
وهنا ينتقل النص من الإخبار عن التعب إلى تمثيله حسيًا وصوتيًا.
فتوالي الحالين «متعبًا، لاهثًا» يجعل القارئ يرى هيئة المتكلم أثناء سيره، بينما يضيف الفعل «أسير» عنصر الاستمرار؛ فهو، على الرغم من التعب واللهاث، لا يتوقف.
وهذه من أجمل الدلالات المضمرة في المقطوعة: أن المعاناة لم تُلغِ الحركة، وأن الوهن لم يهزم الإرادة تمامًا.
أما «وآهي / آهة» فتقوم على تكرار اشتقاقي وصوتي يجعل الألم مسموعًا، فلا نقرأ الآهة فحسب، بل نكاد نسمعها.
وفي اقتران «المشتكي، العليل، الكسيح» تراكم دلالي يصعّد درجة الوجع؛ إذ تبدأ الصورة بالشكوى، ثم تنتقل إلى العلة، ثم تبلغ أقصى العجز في «الكسيح». وهذه الألفاظ لا تعمل منفردة، وإنما تتضافر لتشكيل حقل دلالي للضعف والوهن والانكسار.
غير أن القصيدة لا تستسلم لهذا الحقل؛ إذ تنعطف في البيت الأخير من وصف الألم إلى طلب الخلاص:
أبتغي قوّةً تُزيلُ سَقاميْ
ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ
فالفعل «أبتغي» يحمل معنى الإرادة والطلب والقصد، وهو نقطة التحول النفسية في النص. لقد كان الشاعر في البيتين السابقين يصف ما هو فيه، أما هنا فإنه يتطلع إلى ما يريد أن يكون عليه.
وتقابل «قوة» لفظة «مجهد»، كما تقابل «تزيل سقامي» مجموعة الألفاظ السابقة: «أعاني، متعبًا، لاهثًا، المشتكي، العليل، الكسيح».
وبذلك تتحرك البنية الدلالية:
• من الضعف إلى القوة،
• ومن السقم إلى الشفاء،
• ومن الشكوى إلى الرجاء.
وتبلغ التجربة الروحية ذروتها في: «ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ»
إذ يخرج التمني هنا من معناه البلاغي المجرد إلى مناجاة روحية.
فـ«ليت» تكشف شدة التوق إلى حضور يبدد العلة ويمنح الذات قوة جديدة. كما أن اختيار كلمة «أمام» له دلالة مكانية وروحية في آن واحد؛ فالمتكلم لا يطلب فكرة مجردة عن الخلاص، وإنما يتمنى الحضور والمواجهة والقرب.
وهكذا تصبح صورة المسيح في خاتمة النص مركز الرجاء الذي تتجه إليه الخطى المجهدة منذ بداية القصيدة.
جماليات الصورة والبلاغة
تعتمد المقطوعة على بلاغة غير متكلفة، نابعة من صدق الحالة. وأبرز صورها استعارة الرحلة للحياة في «مجهد الخطى» و«انطلاقي» و«أسير»، إذ تتحول التجربة الوجودية إلى مسير محسوس. كما تنشأ صورة مقابلة بين الخطى المجهدة والفضاء الفسيح، فتتكثف ثنائية القيد والانطلاق.
وتظهر الكناية في «مجهد الخطى» بما تتجاوز به التعب الحركي إلى التعب النفسي والروحي، بينما يتجسد الألم عبر «آهي / آهة» في صورة سمعية تجعل الأنين جزءًا من تشكيل المشهد.
أما «قوة تزيل سقامي» فتؤسس لصورة الشفاء التي تواجه صور الوهن السابقة، وبذلك يقوم البناء البلاغي العام على انتقال واضح:
الإجهاد ← المعاناة ← اللهاث ← الأنين ← السقم ← طلب القوة ← الرجاء بالخلاص.
وهذا التدرج هو الذي يمنح النص وحدته الشعورية؛ فالقصيدة لا تعرض صورًا متفرقة، وإنما تبني قوسًا نفسيًا وروحيًا يبدأ من الأرض المثقلة بالخطى وينتهي إلى أفق الخلاص.
موسيقى الحروف
تكتسب موسيقى النص أهميتها من توافق الأصوات مع الحالة النفسية. ففي المطلع:
«إنّني مُجهَدُ الخُطى كم أعاني»
يبرز تردد الميم والنون، وهما من الأصوات التي تمنح العبارة امتدادًا أنينيًا، ولا سيما النون بما فيها من غنة. وتساعد المدود في «إنني» و«أعاني» على إطالة النَّفَس، فكأن الصوت نفسه يحمل شيئًا من امتداد الشكوى.
وفي: «في انطلاقي نحو الفضاء الفسيح»
تتسع الأصوات والمدود مع اتساع الدلالة، ولا سيما الألف في «انطلاقي» و«الفضاء» والياء في «الفسيح»؛ فتمنح العبارة انفتاحًا صوتيًا ملائمًا لصورة الفضاء. كما أن الفاء المتكررة في «في، الفضاء، الفسيح» بصوتها الرخو المهموس تضيف خفة هوائية تتناسب مع معنى الاتساع والانطلاق.
أما: «متعَبًا لاهثًا أسيرُ وآهي»
فتبرز فيه الهاء في «لاهثًا» و«آهي»، وهي من الأصوات المهموسة التي يخرج معها النفس بوضوح، ولذلك ينسجم حضورها بصورة لافتة مع اللهاث والآهة.
فالموسيقى هنا ليست زخرفًا، بل تحاكي الحالة التنفسية للمتكلم؛ حتى يبدو خروج الهاء قريبًا من زفير المتعب.
ويتأكد ذلك في: «آهةُ المشتكي العليلِ الكسيحِ»
فالمد في «آهة» يطيل زمن الأنين، ثم تتتابع الياءات في «المشتكي، العليل، الكسيح» فتمنح الشطر امتدادًا صوتيًا حزينًا. كما أن تكرار اللام في «العليل» يحدث ليونة صوتية تناسب الانكسار أكثر مما تناسب القوة.
وفي البيت الأخير يحدث تحول موسيقي موازٍ للتحول النفسي: «أبتغي قوّةً تُزيلُ سقامي»
فتظهر القاف والتاء في «قوة» بما فيهما من شدة وصلابة، وكأن الصوت نفسه ينهض من رخاوة الشكوى إلى طلب القوة. ثم تلين النغمة مرة أخرى في: «ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ»
حيث تمتد الياءات والألفات، ويعود صوت الحاء في القافية «الفسيحِ / الكسيحِ / المسيحِ» ليمنح خواتيم الأبيات نَفَسًا هامسًا موحدًا.
وللقافية أثر بالغ في تشكيل المقطوعة؛ فالتتابع: الفسيحِ – الكسيحِ – المسيحِ
ليس مجرد اتفاق صوتي، بل يحمل تطورًا دلاليًا لافتًا: يبدأ بـالفسيح، وهو أفق الانطلاق؛ ثم يهبط إلى الكسيح، وهو أقصى صورة للعجز؛ ثم يرتفع إلى المسيح، وهو في الرؤية التي يبنيها النص غاية الرجاء والشفاء. وهكذا تتحول القافية نفسها إلى مسار دلالي:
فضاءٌ يُشتهى → عجزٌ يُعانى → خلاصٌ يُرتجى.
الرؤية الكلية
«مُجهَدُ الخُطى» مقطوعة قصيرة في مبناها، لكنها واضحة التدرج في تجربتها. إنها تصور إنسانًا أنهكه الطريق من غير أن يفقد رغبته في مواصلة السير؛ ولذلك فإن جوهرها ليس اليأس، على الرغم من كثافة مفردات الألم، وإنما الرجاء الذي يولد من قلب المعاناة.
وأجمل ما فيها أن عنوانها «مُجهَدُ الخُطى» لا يعني «متوقف الخطى»؛ فالشاعر يقول: «أسير».
وهذه اللفظة الصغيرة تمثل بؤرة نفسية مهمة في النص: إنه متعب، لاهث، متألم، لكنه ما يزال سائرًا. ومن هذا السير تنفتح القصيدة على خاتمتها الروحية، فيغدو المسيح الوجهة التي تتجه إليها الخطى حين تعجز القوة البشرية عن حمل صاحبها.
وهكذا تتآزر الصورة البلاغية وموسيقى الحروف والقافية في بناء تجربة تنتقل من أنين الجسد إلى رجاء الروح، ومن ثقل الطريق إلى أمل الوصول؛ حتى تصبح المقطوعة أشبه بـصلاة شعرية قصيرة، تبدأ بآهة وتنتهي برجاء.




