ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الخميس، 5 نوفمبر 2026 SAALIK — Nr. 45
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
5 نوفمبر 2026
أ.د.شعوب الجبوري ـ ومضة فلسفية: عندما كانط يلزمنا إعادة التفكير
الرئيسية›ثقافة و فن›اياد خضير ـ قراءتي النقدية مقال شوقي كريم…

اياد خضير ـ قراءتي النقدية مقال شوقي كريم حسن (دونية المثقف)المنشور في مجلة التلغراف..

ثقافة و فن

اياد خضير ـ قراءتي النقدية مقال شوقي كريم حسن (دونية المثقف)المنشور في مجلة التلغراف..

قراءتي النقدية مقال شوقي كريم حسن(دونية المثقف) المنشور في مجلة التلغراف..

اياد خضير

هذا المقال لا يسأل ان كان المثقف العراقي دونيا بطبيعته لان هذا حكم كسول كما يقول، بل يسأل السؤال الاكثر ازعاجا والاكثر وجعا كيف يتحول مثقف يمتلك ادوات النقد ويجيد تفكيك السلطات في كتبه الى كائن مرتبك كثير الاعجاب غزير التصفيق حريص على ان يُرى الى جانب هذا الاسم او ذاك في المهرجان، كيف يرفع صوته بوجه الاستبداد حين يكون بعيدا عن مراكز النفوذ ثم يخفضه الى حد الهمس حين يجلس قرب ممثليها، وكيف يكتب صفحات عن حرية العقل ثم يعجز عن ممارسة ابسط حقوق ذلك العقل ان يختلف مع شخص مهم دون ان يشعر انه ارتكب خطيئة اجتماعية، وهنا تكمن عبقرية شوقي كريم انه لم يتهم الاشخاص بل اتهم البنية، لم يشتم المثقف بل فضح اللعبة. فالمثقف في المهرجان كما يصوره لا يظهر بوصفه حامل معرفة بل بوصفه شخصا يخوض امتحانا خفيا في حسن التقرب، يوزع اعجابه على الاسماء اللامعة ويبالغ في الاحتفاء بالمكانة ويستعرض علاقاته كما لو كانت جزءا من سيرته العلمية، يعلن بطرائق مباشرة او ملتوية انه يعرف فلانا وجالس علانا وتبادل الحديث مع فلتنان، وقد لا يكون قرأ للاول كتابا كاملا ولا اتفق مع الثاني في فكرة واحدة ولا يعرف عن الثالث اكثر من قدرته على جذب الكاميرات لكن المهم ان يُسجل حضوره في الصورة وان يعرف الاخرون انه كان هناك قريبا من الاسم الذي يستحق ان يكون قريبا منه وفقا لقائمة الاعتبارات السائدة. وهنا يصل شوقي الى جملته المركزية التي يجب ان تُكتب بماء الذهب: تصبح الثقافة نظاما غير معلن لتبادل الاعترافات انت تمنحني من اعجابك وانا امنحك من مكانتي انت تذكر اسمي في منشورك وانا اصف كتابك بانه استثنائي انت تضع صورتك الى جانبي وانا اضعك مجاملة في مرتبة لا يمنحك اياها النص الذي كتبت، وهكذا تتكاثر الالقاب وتتضخم السير الذاتية وتتوالد عبارات قامة ثقافية كبيرة واسم استثنائي وتجربة لا تتكرر حتى يخيل الينا ان البلاد لم تعد تنتج كتبا وافكارا بقدر ما تنتج قامات وان اهم ما انجزه بعض الكتاب هو ان يظلوا واقفين في الصور. ويؤكد شوقي انه ليس في الاعجاب بالاخر عيب ولا في الاحتفاء بالمنجز نقص ولا في احترام الكبار ما يستدعي الاعتراض، المشكلة تبدأ حين يصبح الاعجاب واجبا اجتماعيا وحين تتحول المجاملة الى ضريبة يدفعها المثقف طلبا للقبول وحين يغدو الصمت عن الرداءة شرطا للبقاء داخل الدائرة، عندئذ لا يعود السؤال ماذا كتب هذا الرجل بل من يعرف ومن يستطيع ان يرفعني ومن ينبغي ان احرص على رضاه ومن الذي قد يغلق في وجهي بابا اذا قلت رأيي فيه، اننا امام انتقال خطير من الاعتراف بالمنجز الى الاستسلام للمكانة من احترام الفكرة الى احترام صاحبها بصرف النظر عن الفكرة ومن استقلال الحكم الى استيراد الاحكام الجاهزة من افواه الذين يملكون النفوذ او الشهرة او القدرة على توزيع الدعوات. والمفارقة الكبرى التي يكشفها المقال ان بعض هؤلاء المثقفين لا يجهلون آليات هذه اللعبة انهم يعرفونها جيدا ويستطيعون شرحها نظريا وربما كتبوا ضدها مقالات رصينة لكن المعرفة بالمرض لا تعني النجاة منه فقد يكون المرء ابرع الناس في تشخيص الاستلاب واسرعهم الى الاستسلام له حين تلوح امامه فرصة دعوة الى مهرجان او مقعد في ندوة او صورة مع مسؤول ثقافي او اشارة اعجاب من ناقد ذي اسم متداول، كأن الثقافة في هذه الحالة تمنح صاحبها لغة متقدمة لتبرير خضوعه لا قوة كافية لمقاومته، ولذلك لا يبالغ شوقي اذا قال ان بعض المظاهر الثقافية العراقية تشهد نوعا من التملق المتعلم تملق لا يصدر عن الجهل بل عن معرفة دقيقة بما ينبغي قوله ولمن ينبغي قوله ومتى يجب ان تقال العبارة وكيف تصاغ بحيث تبدو رأيا نقديا وهي في حقيقتها رسالة استرضاء انه تملق يرتدي بدلة المفاهيم ويستشهد بالفلسفة ويستعين بمصطلحات الحداثة لكنه يحتفظ في اعماقه بالغرض القديم نفسه الاقتراب من صاحب المكانة وتجنب اغضابه والحصول على نصيب من ضوئه، ويا لها من مفارقة تستحق التأمل ان يتحدث المرء عن تفكيك الاصنام ثم يقضي امسيته في تلميعها ان ينتقد صناعة النجوم ثم يتصرف كأن صورة مع نجم ثقافي قد تضيف الى عقله ما عجزت كتبه عن اضافته وان يدعو الى تحرير الوعي بينما يراقب وجوه الحاضرين ليتأكد من ان رأيه لم يزعج احدا مهما. ويصل المقال الى خلاصته الفلسفية الخطيرة حين يقول بعض المثقفين لا يريدون ان يكونوا احرارا بقدر ما يريدون ان يعترف بهم بوصفهم احرارا وهذه مسافة واسعة بين الاستقلال بوصفه ممارسة يومية والاستقلال بوصفه زينة في السيرة الذاتية. ثم يسأل شوقي من اين تأتي هذه الدونية اهي سمة عراقية خالصة ام نتيجة تداخل عوامل سياسية واجتماعية ومؤسسية واقتصادية جعلت الاعتراف الثقافي موردا نادرا وربطت الوصول الى المنابر احيانا بشبكات العلاقات والولاءات، ويؤكد ان السؤال عن دونية المثقف العراقي ليس حكما على هوية وطنية بل مساءلة لثقافة سلوكية قابلة للتغيير وهو ليس دعوة الى احتقار المثقفين بل الى التوقف عن تقديسهم لان التقديس حتى حين يأتي في صورة اعجاب يلغي المسافة النقدية التي تمنح الثقافة معناها. وينتهي المقال بمعياره الذهبي البسيط والصعب في آن واحد ان يكون الكتاب اهم من صاحبه والفكرة اهم من قائلها والحقيقة اهم من العلاقة والجدارة اهم من الدعوة الى المهرجان، وعندما يحدث ذلك لن نحتاج الى ان نسأل من جلس الى جوار من ولا من صافح من ولا من نشر صورة مع فلان او علان او فلتنان سنسأل سؤالا واحدا فقط ماذا قال ماذا كتب وما الذي اضافه الى وعينا وذلك في تقديري هو الامتحان الذي ينبغي ان يبدأ منه المثقف لا الامتحان الذي ينتظر نهايته ليعرف ان كان قد حظي برضا اللجنة، لان الثقافة التي لا تنتج الا مزيدا من الاعجاب المتبادل ستنتهي الى مجتمع من المعجبين لا من المفكرين اما الثقافة التي تحترم نفسها فلا تخشى ان تقول لاكثر اسمائها شهرة لقد اخطأت حتى لو لم يصفق احد.

مقالات ذات صلة