ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الخميس، 18 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 25
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
18 يونيو 2026
يونادم بنيامين ـ غزل عراقي. وشمس بلادي
الرئيسيةثقافة و فنسامر خالد منصور ـ الشجرة السارية

سامر خالد منصور ـ الشجرة السارية

ثقافة و فن

سامر خالد منصور ـ الشجرة السارية

 

الشجرة السارية

 

سامر خالد منصور

 

من بعدكَ خرساء هي العصافير‏ .. شاسعٌ كرسينا في الحديقة‏ ، لم أعد أجلس عليه إلا نادراً‏ .. تخيفني قضبانه الخشبية‏ ، الممتدة من جهتكَ‏ .. إلى ما لانهاية‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏كسككٍ لقطاراتٍ‏ .. عجلاتها مناشيرٌ مدورة‏ .. كقرص الساعة‏ تمزق روحي‏ .

دعني أشكو إليك‏ .. شجرتنا‏ .. التي كنا نُطيّرُ تحتها‏ فراشات القُبل‏ .. كل غصنٍ فيها‏ ينغزني حتى‏ أنزف ذكرى‏ ، وكلما سألتها‏ وأنا أقرأ‏ ما نقشناه عليها‏ .. بعيني‏ .. بشفتي، بوجنتي‏ .. أجابتني الريح‏ .. بلسان كلبٍ‏ .. لعقت به شَعري‏ .

حجرية ٌ شجرتنا العجوز‏ .. أحياناً‏

وحنونة‏ ، لها بشرة ٌ‏ كبشرة جدتي‏ .. أحياناً أخرى‏

همستْ في أذني ذات مرة‏ أنها ستتبعثر بين يدي‏ كي أعيد ترتيبها‏ .. كقاربٍ يُقلني إليك‏ .. قالت أنها‏ ستوحد أوراقها‏ في شراعٍ أخضر‏ وستحول كل عصافيرها‏ إلى نوارس‏ تريني الطريق‏ .. قالت وقالت كثيراً‏ .. فهربت منها‏ ..

لذت بكرسينا في الحديقة‏ .. لم يعد ثابتاً‏ .. ولم أعد أقوى‏ على النهوض عنه‏ ساعة أشاء‏ .

تدلت من السماء‏ حبال الحنين‏ .. أضحى الكرسي أرجوحة‏ .. ليس يرحمني‏ .. يؤرجحني يزلزلني‏ .. ويقذفني في سديم الذكريات‏ ..

أصرخ وأنا في الهواء‏ .. وليس في رئتي هواء‏ .. ليتني أصطدم‏ بحاجز الزمان‏ ..

فأحطمه..‏ كما يحطمني..

قل لي..‏

لماذا أخذت‏ ظل شجرتنا معك؟!‏ وتركتني أذوب تحتها‏ أين تفرش الظل الآن؟‏

أريد أن اشعر مجدداً‏ بأصابعك تتقد شموعاً‏ على حواف‏ جسدي‏ .. الذي أضحى رخامياً‏ كشاهدة قبر‏ ..

أنفاسك كلماتك‏ .. هيا تعال أوقدها .

باردة هي الذكريات‏ .. واخزٌ كرسي الحديقة‏ .. واخزٌ كوردة‏ .. مِقصلة ٌ كرسي الحقيقة‏ !

هجرتني‏ .. وفيك كُلي‏ ، فسقطت أرضاً‏ انطباقاً على ظلي‏ .. أحفر الأرض‏

كي أقبرني‏ .

لا أصدق أنك‏ .. رحلت، هجرت‏ !!

أذبلت في قلبك‏ المحبة والمودة؟!‏

أتذكر همساتنا‏ .. لمساتنا، رقصنا‏ .. كنت تقول لي:‏

كقطرة ندى تشفُّ‏

عن صورة الشمس‏

ترقصين‏

كقطرة ندى على‏

ساق زهر الياسمين.‏

تتكدس على قلبي‏

أجنحة الفراش‏

حين تغيبين‏

وتوغل السماء مبتعدة‏

في عتم الفضا

أتذكر كيف كنا‏ .. معاً نمزق الحرب‏ والليل..‏ بجناحِ فراشة‏ .

كنت تناديني‏ «يا قمري»‏ وكنت شمسي‏ .. حَملت نورك‏ وابتعدت‏ ..

لم يبقَ من القمر‏ إلا الحَجر‏ .

ليتك تركت لي‏ .. ظل الشجرة‏ .. كفناً بملمس حُلم‏ .. ليتهم لم يخبروني‏ برحيلك‏ .. ليتهم قالوا لي‏ كذبة ما‏ ، تستحق السُقيا‏ وتجيد النمو‏ .. ليتك تركت لي‏ .. ظل الشجرة‏ .. كي ألوذ به من ظلال‏ أحلامي وآلامي‏ .

عيناي اللتان‏ كنت تحبهما‏ .. أضحتا كُرتي عتم‏ لفرط ما تشابكت‏ فيهما الظلال ..‏ آهٍ كم تتشابه الظلال !‏ فلكل الأشياء ..‏ للعالم أجمع‏ .. ظلٌّ من ليل‏ .. ولك ظلٌّ من ضياء‏ .. مالحةٌ هي السماء‏ .. ولا أصابع تمسح طعمها‏ عن شفاه عيوني‏ .. يقولون ذلك الخط الأسود‏ على صورتك‏ ، مائلٌ‏ .. وأقول مستقيمٌ‏

كعامود صليب‏ .. مائلٌ عالمي‏ ، محدودبٌ‏ كي يحمله‏ ..

كلما رأيت أحداً يبكي‏ تدحرجت نحوي دموعه‏ .. أغرقتني.‏

أنا من بعدك‏ .. صنمٌ من ملح الدمع‏ يعبدهُ الأسى..‏ أبكي وأصرخ‏ بين كفيّ الليل..‏ وليس أقسى‏ من أن تبكي أغنياتك‏ التي لم تأتِ بعد‏ .

 

مقالات ذات صلة