مقطوعة بثلاثة أبيات تأخذ الألباب
شاكر السلمان
لا أقول ليتها كانت طويلة لأنها تختصر قصيدة معلقة من الطوال
رؤية الشاكر للمقطوعة
«مُجْهَدُ الخُطى» للقس جوزيف إيليا
توحي بتجربة إنسانية وروحية مكثفة، تتخذ من التعب الجسدي صورةً للتعب الوجودي، ومن السير في الفضاء الفسيح رمزًا لرحلة الإنسان في الحياة، ثم تنتهي إلى التطلع نحو المسيح بوصفه أفقًا للخلاص والقوة والشفاء.
ومن هنا لا يبدو العنوان وصفًا لحالة عابرة، بل عتبةً دلالية تختصر مسار النص كله: خطى تمضي، لكنها مثقلة؛ وإرادة تتطلع إلى الانطلاق، لكن الجسد والوجع يشدانها إلى الأرض.
يفتتح الشاعر بقوله:
إنّني مُجهَدُ الخُطى كم أعاني
في انطلاقي نحو الفضاءِ الفسيحِ
وفي هذا المطلع اعتراف مباشر لا يتخفى وراء الرمز؛ فـ«إنني» تمنح العبارة قوة التوكيد، وكأن المتكلم يريد تثبيت حقيقة معاناته قبل أن يصفها.
أما «مُجهَدُ الخطى» فليست مجرد دلالة على إرهاق المشي، إذ تنفتح «الخطى» على معنى أوسع، فتصبح كناية عن مسيرة الحياة نفسها.
وهنا تتولد مفارقة جميلة بين «مجهد الخطى» و«انطلاقي»؛ فالأولى تنتمي إلى الثقل والبطء، والثانية تنتمي إلى الحركة والتحرر، وكأن الذات واقفة بين قوتين: قوة الوهن التي تشدها إلى الخلف، وقوة الرجاء التي تدفعها إلى الأمام.
ويزداد هذا التضاد وضوحًا في عبارة «الفضاءِ الفسيحِ»؛ فالفضاء بما يحمله من اتساع وانفتاح يقابل ضيق الذات المتعبة.
وفي ذلك ملمح بلاغي تتشكل فيه الصورة من مقابلة معنوية بين ضيق المعاناة وسعة الأفق.
فالشاعر لا يريد مجرد السير، بل يريد الانطلاق؛ ولا يطلب مكانًا محدودًا، بل «الفضاء الفسيح». ومن ثم يصبح الاتساع الخارجي تعبيرًا عن توق داخلي إلى التحرر من قيود الألم.
ثم تتكاثف المعاناة في قوله:
متعَبًا لاهثًا أسيرُ وآهي
آهةُ المشتكي العليلِ الكسيحِ
وهنا ينتقل النص من الإخبار عن التعب إلى تمثيله حسيًا وصوتيًا.
فتوالي الحالين «متعبًا، لاهثًا» يجعل القارئ يرى هيئة المتكلم أثناء سيره، بينما يضيف الفعل «أسير» عنصر الاستمرار؛ فهو، على الرغم من التعب واللهاث، لا يتوقف.
وهذه من أجمل الدلالات المضمرة في المقطوعة: أن المعاناة لم تُلغِ الحركة، وأن الوهن لم يهزم الإرادة تمامًا.
أما «وآهي / آهة» فتقوم على تكرار اشتقاقي وصوتي يجعل الألم مسموعًا، فلا نقرأ الآهة فحسب، بل نكاد نسمعها.
وفي اقتران «المشتكي، العليل، الكسيح» تراكم دلالي يصعّد درجة الوجع؛ إذ تبدأ الصورة بالشكوى، ثم تنتقل إلى العلة، ثم تبلغ أقصى العجز في «الكسيح». وهذه الألفاظ لا تعمل منفردة، وإنما تتضافر لتشكيل حقل دلالي للضعف والوهن والانكسار.
غير أن القصيدة لا تستسلم لهذا الحقل؛ إذ تنعطف في البيت الأخير من وصف الألم إلى طلب الخلاص:
أبتغي قوّةً تُزيلُ سَقاميْ
ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ
فالفعل «أبتغي» يحمل معنى الإرادة والطلب والقصد، وهو نقطة التحول النفسية في النص. لقد كان الشاعر في البيتين السابقين يصف ما هو فيه، أما هنا فإنه يتطلع إلى ما يريد أن يكون عليه.
وتقابل «قوة» لفظة «مجهد»، كما تقابل «تزيل سقامي» مجموعة الألفاظ السابقة: «أعاني، متعبًا، لاهثًا، المشتكي، العليل، الكسيح».
وبذلك تتحرك البنية الدلالية:
• من الضعف إلى القوة،
• ومن السقم إلى الشفاء،
• ومن الشكوى إلى الرجاء.
وتبلغ التجربة الروحية ذروتها في: «ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ»
إذ يخرج التمني هنا من معناه البلاغي المجرد إلى مناجاة روحية.
فـ«ليت» تكشف شدة التوق إلى حضور يبدد العلة ويمنح الذات قوة جديدة. كما أن اختيار كلمة «أمام» له دلالة مكانية وروحية في آن واحد؛ فالمتكلم لا يطلب فكرة مجردة عن الخلاص، وإنما يتمنى الحضور والمواجهة والقرب.
وهكذا تصبح صورة المسيح في خاتمة النص مركز الرجاء الذي تتجه إليه الخطى المجهدة منذ بداية القصيدة.
جماليات الصورة والبلاغة
تعتمد المقطوعة على بلاغة غير متكلفة، نابعة من صدق الحالة. وأبرز صورها استعارة الرحلة للحياة في «مجهد الخطى» و«انطلاقي» و«أسير»، إذ تتحول التجربة الوجودية إلى مسير محسوس. كما تنشأ صورة مقابلة بين الخطى المجهدة والفضاء الفسيح، فتتكثف ثنائية القيد والانطلاق.
وتظهر الكناية في «مجهد الخطى» بما تتجاوز به التعب الحركي إلى التعب النفسي والروحي، بينما يتجسد الألم عبر «آهي / آهة» في صورة سمعية تجعل الأنين جزءًا من تشكيل المشهد.
أما «قوة تزيل سقامي» فتؤسس لصورة الشفاء التي تواجه صور الوهن السابقة، وبذلك يقوم البناء البلاغي العام على انتقال واضح:
الإجهاد ← المعاناة ← اللهاث ← الأنين ← السقم ← طلب القوة ← الرجاء بالخلاص.
وهذا التدرج هو الذي يمنح النص وحدته الشعورية؛ فالقصيدة لا تعرض صورًا متفرقة، وإنما تبني قوسًا نفسيًا وروحيًا يبدأ من الأرض المثقلة بالخطى وينتهي إلى أفق الخلاص.
موسيقى الحروف
تكتسب موسيقى النص أهميتها من توافق الأصوات مع الحالة النفسية. ففي المطلع:
«إنّني مُجهَدُ الخُطى كم أعاني»
يبرز تردد الميم والنون، وهما من الأصوات التي تمنح العبارة امتدادًا أنينيًا، ولا سيما النون بما فيها من غنة. وتساعد المدود في «إنني» و«أعاني» على إطالة النَّفَس، فكأن الصوت نفسه يحمل شيئًا من امتداد الشكوى.
وفي: «في انطلاقي نحو الفضاء الفسيح»
تتسع الأصوات والمدود مع اتساع الدلالة، ولا سيما الألف في «انطلاقي» و«الفضاء» والياء في «الفسيح»؛ فتمنح العبارة انفتاحًا صوتيًا ملائمًا لصورة الفضاء. كما أن الفاء المتكررة في «في، الفضاء، الفسيح» بصوتها الرخو المهموس تضيف خفة هوائية تتناسب مع معنى الاتساع والانطلاق.
أما: «متعَبًا لاهثًا أسيرُ وآهي»
فتبرز فيه الهاء في «لاهثًا» و«آهي»، وهي من الأصوات المهموسة التي يخرج معها النفس بوضوح، ولذلك ينسجم حضورها بصورة لافتة مع اللهاث والآهة.
فالموسيقى هنا ليست زخرفًا، بل تحاكي الحالة التنفسية للمتكلم؛ حتى يبدو خروج الهاء قريبًا من زفير المتعب.
ويتأكد ذلك في: «آهةُ المشتكي العليلِ الكسيحِ»
فالمد في «آهة» يطيل زمن الأنين، ثم تتتابع الياءات في «المشتكي، العليل، الكسيح» فتمنح الشطر امتدادًا صوتيًا حزينًا. كما أن تكرار اللام في «العليل» يحدث ليونة صوتية تناسب الانكسار أكثر مما تناسب القوة.
وفي البيت الأخير يحدث تحول موسيقي موازٍ للتحول النفسي: «أبتغي قوّةً تُزيلُ سقامي»
فتظهر القاف والتاء في «قوة» بما فيهما من شدة وصلابة، وكأن الصوت نفسه ينهض من رخاوة الشكوى إلى طلب القوة. ثم تلين النغمة مرة أخرى في: «ليتني حاضرٌ أمامَ المسيحِ»
حيث تمتد الياءات والألفات، ويعود صوت الحاء في القافية «الفسيحِ / الكسيحِ / المسيحِ» ليمنح خواتيم الأبيات نَفَسًا هامسًا موحدًا.
وللقافية أثر بالغ في تشكيل المقطوعة؛ فالتتابع: الفسيحِ – الكسيحِ – المسيحِ
ليس مجرد اتفاق صوتي، بل يحمل تطورًا دلاليًا لافتًا: يبدأ بـالفسيح، وهو أفق الانطلاق؛ ثم يهبط إلى الكسيح، وهو أقصى صورة للعجز؛ ثم يرتفع إلى المسيح، وهو في الرؤية التي يبنيها النص غاية الرجاء والشفاء. وهكذا تتحول القافية نفسها إلى مسار دلالي:
فضاءٌ يُشتهى → عجزٌ يُعانى → خلاصٌ يُرتجى.
الرؤية الكلية
«مُجهَدُ الخُطى» مقطوعة قصيرة في مبناها، لكنها واضحة التدرج في تجربتها. إنها تصور إنسانًا أنهكه الطريق من غير أن يفقد رغبته في مواصلة السير؛ ولذلك فإن جوهرها ليس اليأس، على الرغم من كثافة مفردات الألم، وإنما الرجاء الذي يولد من قلب المعاناة.
وأجمل ما فيها أن عنوانها «مُجهَدُ الخُطى» لا يعني «متوقف الخطى»؛ فالشاعر يقول: «أسير».
وهذه اللفظة الصغيرة تمثل بؤرة نفسية مهمة في النص: إنه متعب، لاهث، متألم، لكنه ما يزال سائرًا. ومن هذا السير تنفتح القصيدة على خاتمتها الروحية، فيغدو المسيح الوجهة التي تتجه إليها الخطى حين تعجز القوة البشرية عن حمل صاحبها.
وهكذا تتآزر الصورة البلاغية وموسيقى الحروف والقافية في بناء تجربة تنتقل من أنين الجسد إلى رجاء الروح، ومن ثقل الطريق إلى أمل الوصول؛ حتى تصبح المقطوعة أشبه بـصلاة شعرية قصيرة، تبدأ بآهة وتنتهي برجاء.




