الشاعرة والقصصية والاديبة والإعلامية(((سناء وتوت))) تصدر كتابها الذي يُعد واحدًا من أغنى وثائق الفن
ياس الركابي *
تصدر كتابها الذي يُعد واحدًا من أوثق
وأغنى وثائق الفن العراقي الأصيل
متناولة
سيرة حياة احد عظماء العراق
وأساطيره الفنية
لتثبت كيف يكون وفاء الزوجة حارسًا
لذاكرة فنان كبير وأسطورة موسيقية
إسمه
((محمد جواد اموري))
وهي تستهل كتابها بصورة زوجها الموسيقار محمد جواد أموري بانه الأب والزوج والفنان الذي ترك أثرا عميقا في حياتها منذ بدء ارتباطها به وهي في السادسة عشرة من عمرها بينما كان هو قد تجاوز الثلاثين وقد جذبها إليه نضجه وشخصيته وفنه فكان إعجابها به متصلا بألحانه الشهيرة التي أسهمت في تشكيل الذائقة الغنائية العراقية وترسيخ أسماء مطربين مهمين إذ رأت أن أموري لم يكن مجرد ملحن.. بل شخصية ثقافية جمعت بين الموسيقى والعزف والتربية والعمل الفني لتتطور إثر ذلك صلاته العائلية بأسرتها والتي جعلت حضوره قريبا منها قبل أن يتحول هذا القرب إلى علاقة زوجية..وهكذا وعبر منجزها هذا تقدم لنا ماكانت عليه حياتها معه داخل البيت على انها تجربة إنسانية مركبة لا يمكن اختزالها في وصف واحد..فكان لها الراحل بمثابة المعلم الذي تتعلم منه وهي زوجته مما جعل العلاقة بينهما قائمة على الحب والتأثر والتكوين

وهي تؤكد بأن أموري أسهم في بناء شخصيتها وتعزيز ثقتها بنفسها ودفعها إلى تطوير قدراتها وخدمة الآخرين
كاشفة بأن الكتاب جمع بين سيرته الاجتماعية وحياته الخاصة وإبداعه الموسيقي وما أحاط بتجربته من أسرار وتفاصيل ولتؤكد على أن ما سترويه من حوادث هو حقيقي وأن غايتها توثيق تجربة أموري الإنسانية والفنية لتكون مادة للدارسين ومحبي تجربته لتروي الكاتبة بدايات حياتها الزوجية مع محمد جواد أموري كتجربة حب وفرح عميقة لم تنته حتى بعد وفاته حيث انتقلت من بيت أهلها في النجف وهي في سن مبكرة إلى بيت أموري في بغداد لتعيش مع أبنائه الخمسة وتنشأ بينهم علاقة محبة وصداقة وتصف أجواء البيت بأنها كانت تجمع السمر والحوار في الفكر والفن والموسيقى والدين وتكشف عن بيئة ثقافية أسهم أموري في تشكيلها
ثم تتحدث عن أموري الزوج والمربي والفنان الذي كان حاضرا في المدرسة والإذاعة والتلفزيون والفرقة السمفونية ثم يعود ليشاركها ألحانه الجديدة
ويمنحها ثقته رغم صغر سنها ويسند إليها اختيار القصائد الغنائية التي تصلح للتلحين مستندا إلى ذائقتها الشعرية
وكيف كان دورها المباشر في اختيار قصيدة ((يا حريمة ))التي لحنها أموري للفنان حسين نعمة وحققت انتشارا واسعا بعد بثها ولتكشف أن أموري كان يمتلك رؤية موسيقية متقدمة مكنته من توسيع المساحات الصوتية للمطربين والانتقال بين المقامات بمرونة
لتظهر لنا بعض صور أموري الزوج الواثق بزوجته والمعتز بجمالها وشخصيتها مع حرصه في الوقت نفسه على حمايتها من الوسط الاجتماعي
علاوة على ان توضح التناقضات التي لاحظتها في بعض الشخصيات الفنية بين جمال إبداعها الشعري ومواقفها السياسية المتناقضة وهي المرأة النجفية الصغيرة التي وجدت نفسها داخل عالم بغداد الفني والثقافي وقد أصبحت شريكة في حياة فنان كبير وصاحبة رأي في تجربته الإبداعية..ولتمضي سناء وتوت لتقف على اهم محطات حياتية كانت عندها سيرة الراحل محمد جواد الذي ولد حسب قولها في طويريج وكان وحيد والديه بعد وفاة سبعة أطفال قبله أثناء المخاض لينشأ في عائلة متوسطة الحال عرفت بالذكاء والفطنة وورث عن أمه ذكاءها وعن بيئته الريفية حساسية عالية تجاه الطبيعة والموسيقى متأثرًا منذ طفولته بمشهد البساتين والأرياف وما فيها من أصوات وألوان لتتحول الطبيعة في وجدانه إلى ألحان ومعزوفات وهو المتأثر بابن عمته( لطيف المعملجي) الذي شجعه على دراسة الموسيقى أكاديمياً فدرسها بإشراف أكرم رؤوف وتفوق في تكوينه الموسيقي ليدرس العود خمس سنوات والكمان خمس سنوات حيث عزف الكمان في الأوركسترا السمفونية الوطنية ست عشرة سنة وجمع في تجربته بين الموسيقى الشرقية والأصول الأكاديمية الغربية والألوان العراقية الأصيلة فامتلك أسلوباً خاصاً في التلحين ليعمل في النشاط المدرسي والإذاعة والتلفزيون ويواصل حضوره في الفرقة الوطنية السمفونية إلى جانب نشاطه في التلحين
ليلحن عشرات الأغنيات ويسهم بصورة أساسية في صناعة نجومية عدد كبير من المطربين العراقيين حتى بلغ عدد من ساعدهم على النجومية اثنين وثلاثين مطرباً..ليرتبط اسمه بأغانٍ خالدة مثل (إشموع الخضر) و(مرينا بيكم حمد) و(أريد)و(يا حريمة) وغيرها من الأعمال التي رسخت في الذاكرة الغنائية العراقية فكان شديد العناية باكتشاف الأصوات الجديدة مستفيداً من عضويته في لجنة فحص الأصوات ليمنح المواهب الجيدة فرصة للرعاية والتطور وهو يرى بأن الفن العراقي لا يحظى بما يستحقه من اهتمام رسمي ..وكان يشعر بالإهمال والاضطهاد بسبب مواقفه وحساسيته العالية تجاه الوسط الفني والمؤسسات الرسمية…كان التلحين عنده حسب قولها حالة إلهام دائم تأتيه في أي مكان فيسجل الجملة الموسيقية ويحفظها ثم يحولها إلى تدوين موسيقي..وهكذا كان ارتباطهم بالفتاة النجفية الشابة التي رأى فيها زوجة وحبيبة ورفيقة ذائقة فنية وليمنحها ثقته في اختيار النصوص الغنائية التي يقدمها للتلحين…وهي تصفه بأنه رجل شديد الاعتداد بنفسه شجاع في مواقفه كريم مع الضعفاء عاطفي ومحب **لكنه متناقض المزاج وصعب التأثر بالآخرين فكانت سيرته التي جاءت عليها في منجزها هذا سيرة فنان عراقي كبير جمع الموهبة الأكاديمية والروح الشعبية والقدرة على صناعة المطربين *ولكن مع شخصية متمردة دفعت ثمن حساسيتها في الوسط الفني وتستطرد سناء وتوت في تناولها لمحطات الرحل الفنية والاجتماعية وكيف انتقل محمد جواد أموري مع زوجته وأسرته من نادي المنصور إلى نادي الصيد بعد إصرار زوجته ورغبة أبنائه في ارتياده..كان يرى نادي الصيد قريباً من أجواء السلطة لذلك تحفظ في البداية عن الانتماء إليه حتى استطاعت إقناعه بأن يكون النادي فضاءً عائلياً للرياضة والراحة بعيداً عن حفلات المسؤولين حيث تكشف سيرته السياسية عن موقف مستقل إذ لم يمدح صدام حسين ولم يسايره رغم محاولات استمالته…كان يحمل أفكاراً اشتراكية ويميل إلى الفكر الماركسي ويرفض الاستبداد والهيمنة والحروب التي أرهقت العراق..كان ينتقد البعث وسياسات السلطة لكنه حرص على ألا يحول موقفه السياسي إلى استفزاز مباشر للنظام
ليشكل مع طالب القره غولي ثنائياً موسيقياً مهماً أسهم في نهضة الأغنية العراقية في السبعينيات..كانت المنافسة بينهما شريفة وخلاقة وأسهمت في دفع الملحنين والمطربين إلى تقديم أعمال أكثر أصالة وتميزاً..رفض أموري ما اعتبره تسفيهاً للأغنية العراقية عبر تلفزيون الشباب الذي ارتبط باسم عدي صدام حسين ليتعرض لمحاولة استدراج على الهواء من إحدى العاملات في تلفزيون الشباب لكنه أفلت منها بذكاء وحنكة وليظل أموري بعيداً عن مدح السلطة ورفض أن يستخدم فنه وسيلة للتملق السياسي رغم خطورة المرحلة
حتى عندما طلب منه صحفي في الأردن مهاجمة صدام رفض ذلك مؤكداً أنه لا يريد نشر غسيل وطنه خارج العراق
حيث كان يلتقي سراً ببعض المعارضين العراقيين مثل مظفر النواب وفؤاد سالم وحسن العلوي بعيداً عن أعين السلطة
..وهكذا فلقد حافظ على مبدئه حتى أمام قصي صدام حسين عندما رفض أن يلبي طلباً شخصياً بالغناء له من دون أن يخاطبه بنفسه..وتستمر سناء في سياقها وهي تبحث في سيرة الراحل الفنان الكبير الذي ترى بانه جمع الموهبة والاعتداد بالنفس والاستقلال السياسي والشجاعة مع الحرص على النجاة من بطش السلطة…وهكذا نكون كقارئين مع حيث تدنو بنا سناء وتوت من حياته الخاصة إلى دفتره الذي حفظ جانباً واسعاً من شعره وألحانه وذكرياته
تلك التي تقول بانها تكشف عن فنان لم يكن ملحناً فقط بل كان شاعراً يكتب للحب والفراق والأسرة والوطن والناس
…كان يحوُل تجاربه العاطفية مع زوجته إلى قصائد وأغانٍ تنبض بالحميمية وتوثق تفاصيل حياتهما المشتركة
..كتب لزوجته قصائد غزلية مثل (بابلية) و(صدك تنسين وترجعين) محولاً الحب الزوجي إلى مادة شعرية وموسيقية
..كان شديد التأثر بالأفلام ولا سيما الأفلام المصرية وكان يستخرج من مشاهدها وأحداثها أفكاراً لقصائد جديدة
حيث امتزجت في تجربته الموسيقية والثقافية المؤثرات العراقية والعربية والكردية إذ ترجم روح أغنية كردية إلى عمل عربي في (خالي خالي)…ترك أعمالاً غنائية مهمة ارتبطت بأصوات كبار المطربين مثل رياض أحمد وحسين نعمة وياس خضر وأنوار عبد الوهاب
حيث يكشف ديوان (خلينا نشوفك )عن جانب مهم من تجربته شاعراً وملحناً ومغنياً يحتفظ بتفاصيل ولادة أعماله وقصصها…حملت أغانيه هموم الحرب العراقية الإيرانية فكتب عن الشهداء والفقد وعن العرائس اللواتي تركتهن الحرب خلفها…وكان استشهاد ابنه نصير محطة قاسية في حياته فجاء شعره عنه محملاً بلوعة الأب المكلوم ووجع الأم والأسرة…انتقلت تجربته الشعرية من الحب إلى السياسة فكتب( هتلر في زمن الحرب).. مرمزاً إلى السلطة القمعية من دون أن يلحنها..وفي سنوات الحصار ظهر وجع العراق في شعره كما ظهر حزن الأسرة حين غادر ابنه نؤاس إلى عمان بحثاً عن العمل والحرية..ظل الأردن فضاءً ملهماً له فكتب فيه عدداً من قصائده وأغانيه متأثراً بجمال المكان وبالابتعاد المؤقت عن أجواء العراق الخانقة..وتمضي سناء في سيرة الراحل وكيف أنه كان يعيش الشعر والموسيقى على انهما امتدادا مباشرا لحياته اليومية ولحبه وأحزانه ومواقفه..وتتبلور صورته فناناً يحول الخاص إلى عام ويحول الحب والفقد والحرب والمنفى إلى ذاكرة فنية عراقية باقية كشاعر وموسيقي يعيش الشعر في تفاصيل حياته اليومية
وتظهر أوراقه القديمة دليلا حيا على تنوع تجربته بين (الحسجة والأبوذية والعكيلي والدارمي والقصيدة الغنائية)
وتقدم قصيدة أولادنا جانبا شديد الإنسانية من شخصيته وهو يتألم لفقد نصير واغتراب سمير ونؤاس وتمسكه بما تبقى من أبنائه..ولتؤكد سناء بأن شعره كان نابعا من إحساس موسيقي يجعله يكتب الكلمات وكأنه يسمع لحنها في اللحظة نفسها وتشي قصائده العاطفية عن قدرة على تحويل التجربة الخاصة والوجدانية إلى نصوص قابلة للغناء وممتدة الأثر…وتبرز في أوراقه علاقة وثيقة بين الشعر والحب والذاكرة وبين المرأة بانها مصدر للجمال والإلهام
وتشير سناء الى ان تجربة الراحل قد اتسعت بعد التهجير لتصبح الغربة والحصار والعنف الطائفي موضوعات حاضرة في شعره وموسيقاه..وتظهر قصائد دمشق ودبي والإمارات حجم الألم الذي حمله أموري وهو يرى وطنه وأسرته يتشظيان تحت وطأة الظروف
وتكشف أغنية (ما صدك )عن حوار فني وعاطفي بين الأب وابنه نؤاس في زمن الغربة والانكسار..وتبرز أغنية (يا عراق) قدرته على تحويل الانتصار الرياضي إلى لحظة وطنية تستعيد وحدة العراقيين وأملهم..وهكذا تنتقل شهادة سناء وتوت من الذاكرة الشخصية إلى توثيق مكانة أموري الفنية في الكويت وعلاقته بالمشهد الغنائي الخليجي..وتؤكد الوثائق الرسمية هناك أنه كان من ملحني الدرجة الأولى وأن ألحانه تجاوزت حدود العراق إلى أصوات عربية متعددة وتبين تجربته الكويتية عن قدرته على نقل الروح العراقية إلى الذائقة الخليجية من دون أن يفقد خصوصيته الفنية..وتصل الصورة إلى أموري صاحب مشروع موسيقي واسع امتد إلى الموسيقى التصويرية وإلى دراسة أصوات المطربين وبناء الألحان وفق إمكاناتهم وتخلص سناء الزوجة إلى أن إرثه لم يكن مجرد عدد كبير من الأغاني بل سيرة فنان جعل من الحب والوطن والغربة والإنسان مادة دائمة للجمال كأب وضع خبرته الموسيقية كاملة في خدمة ابنه نؤاس
…دلل نؤاس وحرص على أن ينشأ موسيقياً أكاديمياً متسلحاً بالمعرفة لا بالموهبة وحدها…درّبه منذ طفولته على الأورغ ثم أدخله مدرسة الموسيقى والباليه وأشرف على تكوينه أساتذة متخصصون…كان الراحل محمد جواد أموري يريد لابنه أن يكون فناناً مبدعاً من دون أن يجعل الفن مصدر معاشه حتى يحتفظ باستقلاله وكبريائه
…ورث نؤاس عن أبيه أسرار الأداء الصوتي والانتقال بين المقامات وإتقان الموال فبرز عازفاً ومغنياً متمكناً
…ورأى أموري أن الموال معيار أساسي لاكتمال أدوات المطرب وكان شديد التقدير للغناء العراقي الأصيل
…وفي حياته الزوجية تبدو سناء شديدة الالتصاق به وتصف علاقة حب طويلة امتدت من الصبا حتى وفاته وتكشف عن غيرته الشديدة عليها وعن شخصية أموري التي كانت تحب أن تبقى محط اهتمام المجالس…وهي ترى أن حضور النساء يثير طاقته الفنية بينما حضورها يمنحه شعوراً بالانتماء والخصوصية
وفي سنوات مرضه الأخيرة بقيت سناء إلى جانبه حين تخلى عنه الآخرون ثم واجهت بعد موته فراغاً نفسياً قاسياً
وتروي رحلاتها إلى أمريكا كتجربة غيرت بعض تصوراتها عن المجتمع الأمريكي وبساطته وتنوعه ونظامه الاجتماعي
….أما علاقات أموري بالفنانين فقد اتسمت بالثقة والندية حسب قول سناء في كتابها …وبرزت صداقته مع قحطان العطار وكوكب حمزة رغم أجواء الخوف والغربة…وتقدم لنا سناء صورة عن التنافس الفني الشريف كما تقول هذا الذي جمع بين اختلاف المنابع اللحنية وثراء التجربة العراقية..وتؤكد أن أموري ظل وفياً للغناء العراقي ولم يلحن للسلطة بل انحاز في ألحانه إلى الحياة والحب والشجن الإنساني كموسيقي متعدد المواهب جمع التلحين والغناء والعزف والرسم والرياضة والتأليف ووضع الموسيقى التصويرية برؤية درامية واعية للعلاقة بين الكلمة والنغم والصورة……محمد جواد اموري الذي ولد في الهندية عام 1935 وبرز منذ طفولته متفوقا في الدراسة والرياضة والرسم والموسيقى…كان من الأوائل في المدرسة وحصل على المرتبة الأولى في امتحان البكالوريا الوزاري عام 1950…بدأ تعلم العود في معهد المعلمين وأتقنه خلال ثلاثة أشهر ووضع أول ألحانه ثم تخرج الأول في التربية الرياضية..برز في الرسم والموسيقى وكتب عنه الجواهري مشيدا بلوحته السجين..رافق كبار المطربين وعزف مع فرق دار المعلمين وأظهر مبكرا موهبته الاستثنائية في العزف والتلحين
حال الاتهام السياسي دون تعيينه بعد تخرجه فعاش تجربة التعليم في أرياف بابل قبل أن يؤسس فرقة الأمل في الحلة..وبعد ثورة 1958 انتقل إلى بغداد والتحق بمعهد الفنون الجميلة وتخرج عازفا للكمان الغربي..عزف ستة عشر عاما في الأوركسترا السمفونية العراقية وقاد فرقة الرشيد الموسيقية إلى جانب عمله في التربية..كانت ستينيات القرن الماضي مرحلة التحول الكبرى حين وجد في الاستوديو فضاء لانفجار خياله ووضع ألحانه الخالدة..ارتبط اسمه بأغان أصبحت علامات في الذاكرة العراقية مثل على شط الفرات ومرينا بيكم حمد وإسمعنه دك إكهوه..أسهم في تطوير العمل الموسيقي الأكاديمي وقاد فرقا إذاعية وتلفزيونية وشارك في اكتشاف أصوات غنائية مهمة..تعاون مع ياس خضر وحسين نعمة وسعدون جابر وفاضل عواد وقحطان العطار وفؤاد سالم وغيرهم من أبرز المطربين
…وامتد عطاؤه إلى الموسيقى التصويرية للسينما والتلفزيون ومنها (فائق يتزوج) و(صور عربية) فضلا عن أعمال مسرحية وأوبرالية كان يرى أن الحداثة الحقيقية لا تنفصل عن الأصالة وأن مهمة الفنان أن يضيف إلى التراث ولا يكرر وأن يكون صادقا مع نفسه
عاش التلحين لديه بأنه حالة إلهام دائمة حتى كان يدون الجمل الموسيقية أينما باغتته الفكرة لتتحول لاحقا إلى أغان خالدة..وهكذا تحيلنا سناء في كتابها الى سيرة فنان جمع بين العازف والملحن والمربي والمكتشف وظل وفيا للجمال والأصالة حتى غدا فنه سيرة حياة تتجاوز موته…سيرة فنان صنع النجوم واكتشف المواهب وصاحب أثر عميق في الأغنية العراقية..حيث كان عضواً في لجان فحص الأصوات وأسهم في اكتشاف (فؤاد سالم) الذي لحن له مثل (روجات المشرح) و(حلم أخضر) و(أنا يا طير) حيث ربطته بفؤاد سالم صداقة امتدت من العراق إلى الكويت وسوريا وتبادلا الوفاء في ظروف الاغتراب القاسية..وواصل أموري دوره في صناعة النجوم حين اكتشف (ياس خضر) وأسهم في اعتماده مطرباً للإذاعة والتلفزيون بعد أن كان رادودًا وقارئ تعاز ومغنيًا في الحفلات الشعبية..وكان له الدور نفسه مع (سعدي الحلي) الذي نقله من حياة سائق الشاحنة إلى فضاء الغناء المؤسسي والتأهيل الموسيقي (أما سعدون جابر) فقد ارتبط بأموري منذ البدايات وتلقى منه ألحاناً صنعت جانباً من حضوره الغنائي ومن بينها (جنك سمار) و(تلولحي) وتكشف قصة تلولحي عن التداخل بين الأغنية والسياسة حين تحولت كلماتها إلى هتاف احتجاجي في معسكرات العمل الشعبي فحُظرت الأغنية
…كما أصر أموري على قبول (حميد منصور) رغم رفض اللجنة لصوته وراهن على قدرته على تهذيب خامته فكانت (توصيني )و(شضحيلك) بداية نجوميته
ووقف إلى جانب (صباح السهل) وصقل صوته ولحن له (بلايه وداع) و(نوبة شمالي الهوى )و(شيصبرني على فراكه)
وتحضر في هذه المرحلة مأساة صباح السهل الذي انتهى إلى الإعدام لتبقى قصته من أكثر الفصول إيلاماً في ذاكرة أموري وزوجته…وتزداد صورة أموري مأساوية حين تنتقل السيرة من مجده الفني إلى سنوات المرض والإهمال بعد تعرضه لحادث أودى بقدرته على الحركة والعزف…كانت زوجته سناء تعيش في الخارج مع ابنتها بتول تحت تهديد الإرهاب بينما بقي أموري في العراق رافضاً تأمين تكاليف دراسة ابنته الأمر الذي عمق الخلاف بينهما…ثم جاءت حادثة دهسه لتقلب حياته رأساً على عقب وتحوله من موسيقي يمسك العود بيديه إلى رجل عاجز عن المشي والأكل والكلام والحركة…استغرق علاجه عاماً من دون نتيجة حاسمة وأكدت التقارير حاجته إلى علاج معقد في الخارج لم تستطع المؤسسات العراقية توفيره له
…حيث ناشد أموري رئيس الوزراء ووزير الصحة طلباً للعلاج ولم يجد الاستجابة التي كان ينتظرها بعد عمر طويل قضاه في خدمة الفن العراقي..هذا الرجل الذي صنع أجيالاً من المطربين ثم وجد نفسه وحيداً على حافة الموت وقد تكلست يده التي طالما حملت العود وبقيت زوجته إلى جواره حتى النهاية…وهكذا تسيح بنا سناء وتوت مع فضاء شديد الخصوصية من حياة محمد جواد أموري لتضع القارئ أمام ذاكرة زوجة عاشت معه الحب والفن والوجع في نغزات عاطفية يعود الماضي محملاً بقصائد الحب وألحان الغزل التي كان أموري يجعل منها امتداداً لعلاقته بزوجته..وتظهر أغنية نعمة وجنة بانهما واحدة من إشارات العشق التي حفظها الزمن بينهما..لكن الذاكرة لا تستدعي الفرح وحده بل تستحضر مأساة أختها التي عاشت اضطراباً قاسياً وانتهت حياتها بالانتحار..ومن قلب ذلك الألم ولد لحن (عرفتك) الذي حمل حزناً عميقاً تجاوز حدود الأغنية إلى تجربة إنسانية موجعة..ولتتوالى حكايات الأغاني مثل (ما تدرين) و(لا أول ولا تالي) التي تفتح بهما سناء تنوع تجربة أموري وقدرته على تحويل الكلمات إلى وجدان موسيقي وكيفية بروزز شغفه بالتراث الجنوبي في (طور يمه يا يمه) الذي حمل شجن الأهوار والعمارة والناصرية إلى فضاء الغناء العراقي كما تكشف الأوراق دوره في احتضان أصوات غنائية مهمة ومنها (أنوار عبد الوهاب) التي عمل على تقديمها للجمهور العراقي عبر ألحان بقيت حاضرة ثم تنتقل الذاكرة الثرة لسناء وتوت إلى عالم أكثر اضطراباً من خلال حكاية الطبيب إبراهيم البصري بما فيها من حب وشجن ومكائد وتراجيديا سياسية
وإنسانية..ويظهر أموري في هذه الحكاية صديقاً ومستشاراً اجتماعياً لرجل عصفت به التحولات وبقي إلى جانبه حين تخلى عنه كثيرون..ومن جلسات أموري مع طه سالم وإبراهيم جلال وإبراهيم البصري وعادل الهاشمي وسعاد الهرمزي ولدت حكاية فيلم حمد وحمود..وكيف ان محمد جواد أموري غنى بدلاً من حسين نعمة ثلاث أغنيات مؤثرة أصبحت صدى لوجع الأمهات والزوجات والأطفال في زمن الحرب…وتزداد السيرة مأساوية مع حكاية أنعام الحكيم التي ماتت حسرة على رؤية زوجها وهو في السجن
ثم تأتي قصة اختطاف يزن واختفاء إبراهيم البصري واختفاء راكان لتفتح أمام القارئ باباً واسعاً على عراق مثقل بالخوف والفقد والتحولات..وهكذا نلحظ بأن الكتاب لا يقدم سيرة فنان كبير فحسب بل يقدم ذاكرة امرأة عاشت إلى جوار أموري وشهدت كيف كان الفن عنده حباً وصدمة ووفاءً وذاكرة وطن كاملة
ومع اقتراب سيرة محمد جواد أموري من نهايتها وهي تفتح دفاتر جديدة وأسراراً من تجربته الفنية والإنسانية ..تحط بنا سناء وتوت عند محطة اكتشاف ياس خضر عندما ظهرت براعة أموري في التقاط الموهبة منذ بدايتها ورعايتها حتى تحول ياس خضر من صوت يحتاج إلى الرعاية إلى واحد من أبرز الأصوات العراقية..وقد أسهم أموري في تأسيس تجربته وتقديمه للإذاعة ثم نقله من الغناء الريفي إلى فضاء الحداثة قبل أن يساعد في نشره عربياً..وفي دفتر الأشواق تتجمع عشرات الأغاني التي تكشف غزارة أموري وتنوع ألحانه وعلاقته بالشعراء والمطربين وقدرته على صناعة الأغنية العراقية العاطفية..كما يغري الدفتر قارئ سناء ببيان جانب آخر أكثر حميمية حين تتحول الرسائل بين أموري وزوجته سناء إلى وثائق حب واشتياق وقلق على الحياة التي جمعتهما..ثم تأتي حكاية (خلينة نشوفك) لتثبت أن أموري كان يحول خلافه العاطفي مع زوجته إلى أغنية تحمل اعتذاره وشوقه ورغبته في استعادتها إلى بيت الحب..وتكشف الأوراق أن كثيراً من أغنياته لم تكن منفصلة عن حياته الخاصة بل كانت يوميات عاطفية يكتبها ويلحنها ويترك للآخرين مهمة غنائها …وفي خيانات مقدسة نرى ان الكتاب يدعونا الى الوقوف على كيفية تجاوز أموري الغزل المباشر إلى تأمل فكرة الخيانة في التاريخ والأساطير مستدعياً قصص آدم وحواء وقابيل وهابيل ويهوذا وعيسى
أما قصيدة (صدك تنسين) فتكشف جرأة لغته العاطفية حين كان يستخدم إشارات شعبية ذات دلالات حسية ليمنح الحب الزوجي مساحة صريحة من التعبير وتظهر في (ترجعين) صورة أخرى لعلاقته بسناء…الزوجة والانسانة والحبيبة… حيث يمتزج الحب بالغيرة والانفعال حينما يبلغ التوتر حداً يهدد الحياة الزوجية قبل أن يعيدهما وجود الأبناء إلى المودة والرحمة وفي (من دلالك) يبلغ الغزل عند أموري درجة عالية من الاحتفاء بجمال زوجته وأنوثتها وقدرتها على إشعال القصيدة بالحيرة والشوق…فحتى حين يخاطبها في قصيدة (إلى من يهمها الأمر) فإن المزاح والعتب يتحولان إلى مرآة لمزاجه المتقلب الذي كان جزءاً من شخصيته الفنية والإنسانية..وهكذا تمضي بنا سناء مع أموري الذي لم يكن ملحناً يصنع الأغاني للآخرين فقط بل كان يعيش حياته داخل الأغنية ويحول الحب والغيرة والعتب والفرح إلى مادة فنية…إنها سيرة تقترب من خاتمتها لكنها تزداد اقتراباً من قلب الفنان لتكشف الإنسان الذي ظل خلف الألحان والذي جعل من الحب مادة دائمة للإبداع والذاكرة …وهكذا نكون مع ختام الابداع السِيَري لسناء وتوت عند الفصل الأخير من سيرة محمد جواد أموري وهي تتناول الفويزات العاطفية لتجمع بها شظايا من الذاكرة ظلت معلقة بين الحب والفن والحرب والموت..وتبدأ الحكاية بأغنية دادة مو راحت علينا التي ولدت من مأساة استشهاد طيار كان خطيباً لأخت سناء قبل أن يتمكنا من الزواج
ومن هذا الفقد استمد أموري أغنية رثائية تنبأت بما ستفعله الحروب بالعراقيات من عنوسة وترمل وانكسار اجتماعي..ثم تتضاعف المأساة باستشهاد نصير نجل أموري في الحرب فيكتب يمه يا يمه مستحضراً شجن الجنوب وموجعاً من خلاله جرح العائلة وجرح العراق
وتنتقل الذاكرة إلى الفنان صباح السهل وقصة إعدامه في زمن النظام السابق لتفتح نافذة أخرى على الخوف والقمع والمصائر التي صنعتها السياسة كما تكشف الأوراق عن شبكة واسعة من صداقات أموري مع فنانين وأدباء ومثقفين كان يتحرك بينهم كشخصية فنية واجتماعية ذات حضور استثنائي
وتتوقف سناء عند ليلى العطار لتقدم صورة عن الوسط الثقافي والفني في بغداد وعلاقاته المتشابكة في زمن السلطة والحرب والشكوك..ثم تستعيد قصة خضير عباس غضبان وعلاقته بعائلة سناء وأموري لتضيف إلى السيرة طبقة سياسية تكشف تشابك الفن بالحياة العامة..وتعود الأوراق إلى محطة مهمة من مسيرة أموري مع ياس خضر لتؤكد أنه لم يكتشف الأصوات فقط بل كان يصنع لها بداياتها ويمنحها طريقها إلى الشهرة..ولهذا أطلقت عليه سناء صانع النجوم لأنه احتضن أصواتاً كثيرة وقدم لها أولى الأغنيات التي فتحت أمامها أبواب الجمهور…لكنها تشير في الوقت نفسه إلى مرارة جحود كثير من أولئك الذين ساعدهم بعد أن أصبحوا نجوماً
وتتوقف السيرة عند أنوار عبد الوهاب التي حاول أموري أن ينقل صوتها من التأثر بفيروز إلى هوية الغناء العراقي
كما تتذكر عفيفة إسكندر التي لم يجمعه بها عمل فني رغم إعجابها بأغنية على شط الفرات..وفي حديثها عن أم نصير ترسم سناء صورة الزوجة الأولى التي عاشت معه بهدوء وصبر قبل أن تدخل هي إلى حياته..ثم تؤكد أن أموري لم يكن ملحناً موهوباً فقط بل موسيقياً أكاديمياً درس العود والكمان وامتلك معرفة جعلته قادراً على الدفاع عن خصوصية الأغنية العراقية وقد أسهم في إعادة اهتمام النقاد بالأغنية العراقية بعدما وجدوا أنفسهم أسرى الانبهار بالأغنية المصرية…وفي مغنية الحي تطرب تبلغ سناء خلاصة رؤيتها لدور زوجها في جعل الأغنية العراقية تقف في موقعها الطبيعي أمام الأغنية العربية..أما نخل السماوة فتأتي بها سناء في النهاية لتدعونا الى الوقوف على تعدد مواهب الراحل اموري في الشعر والرسم والغناء والرياضة مع بقاء التلحين هو الموهبة التي اختار أن يمنحها عمره كله
وهكذا تنتهي السيرة لا باعتبار أموري ملحناً كبيراً وحسب بل كونه ذاكرة فنية عراقية كاملة عاش الحب والحرب والفقد واكتشاف النجوم وترك وراءه ألحاناً تشبه الوطن الذي أحبّه..وسأكون انا ياس الركابي مع قراءة هذا المنجز من جانبه الثاني المتعلق بالذات الانسانية التي كانت وراء اسطورة اسمها محمد جواد اموري تلك هي المبدعة والمتالقة الانسانة الاديبة الراقية والشاعرة المرهفة سناااااااء وتوت.
* ياس الركابي ـ عضوة الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق / بغداد




