مسائل للنقاش: شغلني موضوع دايالكتيك
د. عدنان الظاهر
ديالكتيك 1
لديَّ سؤال كبير وخطير لكنه قد يبدو ساذجاً رغم كبَّ ذلك وهو : ما رايكم فيمن يقول أنْ لا وجودَ حقيقياً كونيّاً للزمان إنما هو وهم إخترعه الإنسان القديم في سومر وبابل ومصر الفرعونية لتنظيم شؤونه الحياتية ومحاولة فهم ما يجري حوله من تبدّلات مناخية وفلكية منها الخسوف والكسوف والليل والنهار والشمس والقمر والمطر وأزمنة هطوله ثم صحته وطعامه ومرضه. المكان ، مادة الكون، موجود لا نقاشَ في ذلك نولد فيه ونعيش فيه ونموت فيه … نراه ، نلمسه … وكذلك الفضاء بهواء ومن غير هواء (أي فراغ) تشغله النجوم والكواكب والشموس والمجرّات التي لا عدَّ لها والثقوب السود وما سيكتشف الإنسان من نجوم ومجرّات وعوالم أخرى لا عهدَ لنا بها اليوم. كل شئ يتحرك وكل شئ في الوجود ما دام يتحرك يتغيّر كما تعلمون. يعترضُ صديق على هذا الكلام قائلاً : وما القول في عمر الإنسان نقول فلاناً عاش مائة عام وفلاناً عاش عشرين عاماً فقط ؟ أحسبُ أنَّ الجواب هو : لا علاقةَ لعمر الإنسان بشئ إسمه زمان ! يعيش الإنسان ويموت من غير زمان ! نحن اخترعنا الدقائقَ والساعات والأيام والشهور والسنين نقيس بها أوقاتنا وننظم بها أمورنا الحياتية وقد ربط الإنسان القديم بعبقرية فذّة بين حركات الأرض والشمس خاصة وتنظيم وضبط الظاهرة التي أسماها { زمن }.. دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس فعرف اليوم والشهر والسنة. أجل … هناك الحركة وهي مبدأ كل شئ في الكون وقد ربط القدامى والمحدثون ( حتى آينشتاين ) بين الحركة والزمان فقالوا إنَّ الزمنَ هو مقياس الحركة ! أي لا زمنَ بدون حركة .. لا ينفصلُ عنها ولا علاقة له بالمكان ! هذا هو منطق أصحاب مقولة الزمان وسرمديته وموضوعيته وارتباطه بالمكان ! المكان ــ الكون ــ يتحرك بمعزل عن شء إسمه زمان [لا يحتاج زماناً يرافقه أو يحركه] إنما تحرِّكهُ قوى التجاذب والتنافر الكونية العظمى فلنتجه ونركّز على الحركة من حركة الكون بمجموعه حتى حركة الألكترون حول نواة الذرّة. تحياتي وتقديري عزيزي بروفسور علي محمد اليوسف… كشفتُ لحضرتك اليوم بعضَ همومي الفكرية لا الفلسفية فإني ضد الفلسفة ولا أمنتُ بها يوماً في حياتي .. أنا مع العلم فلقد فات زمن الفلسفات وحلَّ العلم مكانها
دايالكتك 2
أفرحني ردّك وبيانك وآزر مواقفي من وهم الزمان ثمَّ إني أُكبِرُ فيكم علمكم وتواضعكم وسموّ خلقكم … إني كذلك أتابع ما يكتب أستاذنا الجليل حاتم حميد محسن من أبحاث فلسفية قيّمة وقد سبق وأنْ علّقتُ على واحدة من مقالاته فتفضّل بردٍ وافٍ شافٍ. في رأيي المتواضع أنَّ أطروحة آينشتاين (الزمكان) باطلة وسُيثبت العلماء بطلانها بل وسخفها عاجلاً أو آجلاً. لا علاقة للمكان بوهم الزمان .. المكان قائم وموجود سرمدياً أبدياً فكيف يتصل بوحدة (جدلية) بوهم إسمه الزمان ليكوّنا بعداً رابعاً هو ( الزمكان ) ؟ الحركة هي كل الكون وأصل الكون وجوهره وقانون تطوره حتى بلغ هذا التطور حدَّ انفصال جزء منه، من الكون المادي غير العضوي، وتحوّله إلى جزء عضوي حيٍّ ربما بشكل حجيرة واحدة كالبكتريا مثلاً تكاثرت بقوة وزخم إرادة التطور الكونية بوسيلة بدائية بالإنقسام على نفسها فتكاثرت وتراكمت كميّاً حتى وصل هذا الكمُ إلى مستوى عالٍ حصلت فيه القفزة النوعية أو التحول النوعي مّما أدرى إلى ظهور كائن حي أكثر تطوراً فيه خلايا متخصصة وهكذا وعبر مليارات السنين تكاثرت التراكمات الكمية في الخلايا والأعضاء وحصلت التغيّرات النوعية المتدرّجة وتحت ظروف معينة من رطوبة وماء وحرارة وضوء وتربة مناسبة فظهرت النباتات فالحيوانات الدنيا وهكذا وصل الأمر إلى الإنسان الحالي. لا مفرَّ ولا مُناص من هذا المسلسل الكوني الجبّار : الكون موجود ــ الكون يتحرّك ــ الكون المتحرك يتغيّر فيتطور ــ ينتج عن هذا التطوّر إرادة جديدة متصلة لا منقطعة عن مجمل العمليات السابقة فهذه القوة الموجودة المتحركة والمتطورة أبداً تفرض أو تخلق واقعاً جديداً مغايراً وبمساعدة ظروف معينة فينفضل بعضٌ من هذا الكون المادي غير العضوي لينبثق عالم جديد عضوي يتنفس ويتغذى ويتحرك بقوته الذاتية. ما علاقة وهم الزمان بكل هذه التطورات وهل يستطيع إيقافها أو تسريعها أو تغيير مساراتها وسياقاتها ؟ لا الحركة دالّة زمانية ولا المكان ( المادة ). كيف تكون الساعة عندي في المانيا هي العاشرة ليلاً بينما هي الرابعة عصراً في نيويورك أو اليابان وأيُّ زمنٍ منهما هو الصحيح ؟ ونحن في المانيا نقدّم ساعاتنا ونؤخّرها ساعة واحدة مرتين في العام فأي زمن هو الصحيح ذاك الذي سبق التغيير أو الذي تأخّرَ عنه ؟ إنه الوهم الخادع وإنه صنيعة البشر العبقري الذي عرف كيف ينظم حياته منذ آلاف السنين. أصاب الإنسانُ في خلقه زمناً أخضعه لتمشية أموره الحياتية (أي استعبدهُ ) لكنه أخطأ وأجرم في خلقهِ أصناماً عبدها.
دايالكتيك 3
أغبطكَ أنّك قادرٌ على تحريك حتى الجماد ! وعليه فإني اليوم ومرةً أُخرى أُحرِّكُ نفسي تحت تأثير قدراتك على التحريك..
وددتُ أن أضيف بعض المعلومات توضيحاً لبعض ما ورد في مقالكم القيّم لهذا اليوم مع أملي في أني سأستطيع كتابة مقال وافٍ مبنياً على البعض الآخر الذي ورد في مبحثكم لهذا اليوم.
1ـ قال أنجلز : كل كشف علمي جديد هو إثراء وتعزيز لقوانين الديالكتيك. قوانين الديالكتيك الثلاثة هي في صلب العلم وليست خارجة عنه.
2ـ لهيجل الفضل الأكبر في صوغ قوانين الديالكتيك بالشكل الذي نعرف اليوم. له وحده قصبُ السبق لكنه وضعها مقلوبة على رأسها حسب تعبير ماركس فصحح هذا وضع هذه القوانين بأنْ قلبها وجعلها واقفةً على أقدامها .. حسب تعبيرات ماركس نفسه.
3ـ قرأت كتاباً لأحد الكتّاب كرّس الكثير من صفحاته في محاولات عقيمة مُضحكة لإثبات تهافت وعدم صحة قانون التراكم الكمي والتحول النوعي مُتخِذاً من ظاهرة تحول الماء إلى بخار مثلاً … قائلاً هذا القانون خطأ لأنَّ البخار يعود متحولاً بالتكاثف إلى ماء ! أقول لهذا الأستاذ : حتى هنا في رجوع بخار الماء إلى نوعية فيزيائية مغايرة هو تطبيق حرفي لقانون التراكم والتحول كيف ؟ يتم تحول بخار الماء إلى ماء بتراكم إنخفاض كمية الحرارة في جزيئات البخار التدريجي حتى بلوغ درجة التحول فينقلب البخار سائلاً هو الماء المعروف. التراكم نزولاً هو كالتراكم صعوداً.
4ـ الصوت هو موجات غير مادية لا تحمل شحنات كهربائية ولا أقطاب مغناطيسية وكذلك الضوء [ الفوتونات الضوئية ] إنما هي مادة موجيّة .. دقائق مادية متموّجة الطبيعة وعليه فلا علاقة للصوت بقوانين الديالكتيك أما الضوء فشأنه شأنٌ آخر : إنه يخضع لقانون التراكم والتحول كيف ؟ بتجميع الفوتونات الضوئية في ظرف تكنولوجي خاص إلى حد يجعلها قادرة على القيام بإختراق وحرق الأجسام الأخرى بقوة أشعة الليزر الفائقة. هذا مثال حديث يُدّعم ويعزز صحة قانون التراكم والتحول. وكذلك تأثير اشعة الشمس المباشرة علينا فإذا عرّضنا أجسادنا لأشعة الشمس فستتراكم الأشعة فوق البنفسجية خاصة في حجيرات جلودنا حتى نحس فجأة بلسعة حرق في هذه الجلود. وهذا هو أساس بؤر العدسات الجامعة لأشعة الشمس وكيف تحرق جلودنا إذا وجّهنا الرأس المدبب للعدسة صوب أجسادنا : التركم يؤدي إلى التحول النوعي. كذلك حياة الإنسان نفسه وكيف يتطور ويتحول بالتراكم من مجرد بويضة أنثوية وحيمن ذكري إلى طفل كامل الأعضاء بعد تسعة أشهر ومن ثم ينمو ويتطور بالتراكم الحياتي وليس بكرِّ الأيام والسنين. وكذلك تحول البذرة إلى شجرة مورقة مُزهرة مُثمرة. لديَّ الكثير من الأمثلة لكني أكتفي اليوم بما قدّمتُ من أمثلة
دايالكتيك 4
سلامٌ على العزيز النائي وتحايا
أفلمْ اقلْ أنك ساحر تحرّك الجماد ؟ ها قد حرّكتني وأيقظتني من سباتي المفروض عليَّ . أجيب على فقراتك الخمس باقتضاب كما فعل حضرتكم
:
1ـ لم ولا ولن أؤمن يوماً بدايالكتيك هيجل المثالي المقلوب.
2 ـ الكون كله ومنذ الأزل حتى الأبد عملية دايالكتيكية متصلة مستمرّة.
3 ـ لم أمس موضوع المادية التأريخية فذلكم موضوع آخر معقّد ومتشعب ولعلي أكتب فيه ذات يوم.
4 ـ نعم، كل كشف علمي هو تأكيد وتعضيد وإثراء للدايالكتيك الماركسي ولقد ضربت مثلاً من أشعة الليزر وأُضيف التركيب الذري نفسه قبل الليزر قائم على قانون [ وحدة وصراع الأضداد ] فبقاء الذرة (وحدة الكون) قائم على قوتي التجاذب والتنافر بين نواة الذرة الموجبة بما فيها من بروتونات تحمل شحنات موجبة والألكترونات السالبة الشحنة الدائرة حول هذه النواة. ينجذب الألكترون السالب نحو النواة الموجبة الشحنات حتى يصل إلى مسافة معينة يكتسب فيها شحنة موجبة بتأثير القوة الموجبة الأقوى للنواة ويحصل التنافر بين موجبين فيبتعد الألكترون عن النواة وما أنْ يبتعد حتى يستعيد شحنته السالبة فينجذب مرة أخرى للنواة وتتكرر هذه العملية ما دام الكون موجوداً. أليس هذا دايالكتيك؟ كذلك الأمر بالنسبة لعلاقة الأرض بالشمس وبقائها دائرةً حولها إلى ما لا علم لأحد ولكن حسب أي قانون ؟ التجاذب والتنافر الجدلي { }.ولكن مع تعقيدات وإضافات سببها أنّ تجاذب وتنافر الشمس والأرض عملية مزدوجة فهي كهروــ مغناطيسية أي تحصل بقوتي التجاذب والتنافر الكهربائيتين وقوتي تجاذب وتنافر القطبين المغناطيسيين الشمالي والجنوبي وقانون التجاذب والتنافر هو قانون نيوتن الميكانيكي العلمي كما نعلم.
5 ـ مرةً أخرى .. لم أتكلم عن قوانين المادية التأريخية ولا عن مراحلها الخمس حسب التصنيف الماركسي ولا عن صراع الطبقات ولا عن القوى المحرِّكة والمغيّرة للتأريخ فتلك موضوعات أخُر لها مقامها الخاص ومقالها الخاص يا عزيزي. تحياتي وشكري وسلامي مع سروري بالحديث معكم وبإخراجي من (غيابة الجُبِّ) العميقة التي أنا فيها بفعل ظروف قاهرة.




