بغدادُ .. يا وجع السؤال
د. أحمد النقيب
إلى من يسألني: لماذا لا تعود إلى العراق وتستقر فيه؟
إلى كل من يسألني بمحبة، أو باستغراب، أو ربما بشيء من العتب:
لماذا لا تعود إلى العراق؟ ولماذا لا تشتري بيتًا في بغداد وتستقر هناك؟
أعرف أن السؤال يبدو بسيطًا، وأن الإجابة عنه قد لا تحتاج، في نظر البعض، إلى أكثر من قرار وتذكرة سفر. لكن هذا السؤال يأخذ من قلبي شيئًا في كل مرة أسمعه، لأن جوابه ليس سهلًا، ولا يمكن أن يقال بلا حزن، ولا أن يُكتب من دون أن ترتجف الكلمات بين يدي.
أنا لم أبتعد عن العراق جفاءً، ولم أنس بغداد، ولم أتخلَّ عن وطني. لكن هناك أوطانًا نغادرها بأجسادنا، ثم تظل أرواحنا معلّقة في شوارعها وبيوتها وأصوات أهلها إلى الأبد.
تركت بغداد منذ أكثر من أربعين عامًا، لكنها لم تتركني يومًا واحدًا.
تركتها عروسًا يزيّنها دجلة، وتحتضنها المآذن والقباب، وتفوح من أزقتها رائحة الياسمين، ممتزجة بصوت حسين نعمة وعفيفة إسكندر. تركتها حين كانت البيوت مفتوحة، والقلوب أكثر اتساعًا من الأبواب، وحين كان الجار قريبًا إلى درجة أنه لا يطرق الباب، بل يدخل من باب المطبخ كما يدخل فرد من أفراد العائلة.
تركتها حين كان الأطفال يركضون في ساحات المدارس والحدائق، لا يقفون بين السيارات عند إشارات المرور يستعطفون العابرين.
تركتها وبيت جدي عامر بالضحكات والوجوه التي أحببتها. كانت المرجوحة في الحديقة عرشي الصغير، وكانت الحديقة مملكتي. كنت أتمدد عليها ليلًا، أستمع إلى إذاعة مونت كارلو وبرنامج حكمت وهبي، ثم أصعد إلى سطح البيت لأنام مع بقية أفراد العائلة تحت سماء بغداد المزدحمة بالنجوم.
كنت صغيرًا، لكنني كنت أشعر بالأمان. كنت أشعر أن لي وطنًا يحميني، وبيتًا ينتظرني، وجيرانًا يعرفون اسمي واسم أبي وجدي، ومدينة تحتويني مهما ابتعدت عنها.
كان لدينا دولة مؤسسات، وكان للعلم احترام، وللقانون مكان، وللكرامة معنى. وكانت جامعة بغداد وغيرها من جامعات العراق منارات للعلم، يفتخر الناس بالانتساب إليها، ويحمل خريجوها شهاداتهم باعتزاز أينما ذهبوا. وكان في العراق أساتذة وعلماء وأطباء ومهندسون ينافسون كبار العقول في العالم.
أما اليوم، فإنني أخشى أن أعود فلا أجد بغداد التي أعرفها. اليوم، أصبحت الشهادة الجامعية تُشترى، وأكل الصدأ ميزان العدالة حتى اختلّ، وضاعت بين كفّتيه حقوق الناس وكرامتهم.
بيت جدي لم يعد قائمًا. هُدم البيت، واختفت الحديقة، ورحلت المرجوحة، وغابت الوجوه التي كانت تملأ المكان بالحب. الأصوات التي كانت تناديني أصبحت صدى بعيدًا، والذكريات التي كانت يومًا حياة كاملة صارت صورًا أحتفظ بها في قلبي خوفًا عليها من الضياع.
من بقي من الجيران؟
ومن بقي من الأحبة؟
ومن يتذكر اسم عائلتنا بعد أن تبدلت البيوت والشوارع والأجيال؟
أخشى أن أمشي في أزقة طفولتي فلا تعرفني، وألا أعرفها. أخشى أن أبحث عن بغداد في بغداد فلا أجدها.
اليوم لا يعيش العراق في زمن «علي بابا والأربعين حرامي»، اليوم فكأننا نعيش في زمن الملايين من الحرامية. تحولت الحكاية إلى مأساة، والخرافة إلى واقع، وأصبحت بغداد التي أحبها محاطة بخناجر الفساد والطمع والإهمال.
أنا لا أخاف من السفر إلى بغداد، بل أخاف من اللقاء.
أخاف أن أراها جريحة ولا أستطيع مداواة جراحها. أخاف أن أراها تنزف أمامي، وأن أقف عاجزًا أمام ما أصابها. أخاف أن أرى الأطفال يستجدون، والوجوه منهكة، والقلوب مثقلة بالخوف والحرمان. أخاف أن تنكسر في لحظة واحدة الصورة الجميلة التي حافظت عليها في داخلي أكثر من أربعين عامًا.
بغداد التي تسكن قلبي ما زالت جميلة، نقية وحنونة. ما زال نهر دجلة العظيم، وبيت جدي، والمرجوحة، وسطح المنزل، وأصوات العائلة، وضحكات الجيران، ورائحة الخبز والشاي والياسمين. ما زالت المدينة التي ودعتها ذات مساء، وأنا أظن أن الغياب لن يطول.
لكن الغياب طال، وتغيرت المدينة، وتغير العالم، وبقيت أنا واقفًا بين بغدادين: بغداد أعيش على ذكراها، وبغداد أخشى أن أراها فلا أتعرف عليها.
لهذا، عندما يسألني أحدكم: لماذا لا تعود وتستقر في العراق؟
أقول له: لأن العودة ليست دائمًا رجوعًا إلى الوطن. أحيانًا يعود الإنسان إلى المكان، فيكتشف أن الوطن الذي كان ينتظره لم يعد هناك. قد يجد الشوارع نفسها، لكنه لا يجد الوجوه. قد يرى النهر، لكنه لا يسمع الأصوات القديمة. قد يقف أمام البيت، لكنه لا يجد الطفولة التي كانت تسكنه.
أنا لم أترك بغداد، بل بغداد التي عرفتها اقتُلعت من الواقع واستقرت في قلبي. احتفظت بها كما كانت يوم ودعتها: شامخة، دافئة، كريمة، تحتضن أبناءها ولا تفرق بينهم.
لم أنس العراق، ولن أنساه ما حييت. العراق ليس مكانًا بعيدًا أزوره، بل هو جزء من اسمي وذاكرتي وصوتي وملامحي. هو حزن أحمله، وفخر لا يفارقني، وجرح لا يراه الناس.
نعم، أعيش في الغربة، لكن أقسى أنواع الغربة ليست أن يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، بل أن يعود إليه فيشعر أنه غريب فيه.
أحب العراق حبًا لا تستطيع الكلمات وصفه، لكن قلبي لا يقوى على مواجهة نسخة موجعة من الماضي الذي أقدّسه. لذلك أختار أن تبقى بغداد في داخلي كما كانت، لا كما أصبحت؛ مدينة جميلة لا تهرم، وبيتًا لا يُهدم، ووجوهًا لا ترحل، وسماءً تظل ممتلئة بالنجوم.
فلا تلوموني إن لم أعد.
أنا لم أبتعد عن العراق …
أنا أحمله معي أينما ذهبت.




