ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الجمعة، 19 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 25
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
19 يونيو 2026
عصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء بنخبة ماسكة بأضلع السلطة بالقوة!!
الرئيسيةأقلام وأراءعصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء…

عصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء بنخبة ماسكة بأضلع السلطة بالقوة!!

أقلام وأراء

عصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء بنخبة ماسكة بأضلع السلطة بالقوة!!

العراق الحديث: بين الأخلاق والابْتلاء بِنخبة ماسكة بِأضلع السلطة بِالْقوة!

عصام الياسري

منذ عقدين ونيف  ـ وتحديدا ـ منذ سقوط نظام البعث الديكتاتوري في 9 نيسان 2003، والعراقيون يراوحون مكانهم لمعالجة مسألة في غاية الخطورة، ألا وهي، “طبيعة الحكم وكيفية الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية التوافقي” الذي ابتلوا به على المستويين المؤسساتي والمجتمعي حيث غادرت المجموعة السياسية الماسكة بأضلع السلطة بقوة المال والسلاح خارج المنظومة الأخلاقية.

شكلت العلاقة بين الأخلاق والسلطة موضوعا فلسفيا معقدا. فهناك من حاولوا التمسك بالقيم، لكنهم واجهوا عقبات سياسية معقدة. وفيما نجد من يسعون للسلطة بدافع غريزي للبقاء والسيطرة، يراها آخرون ضرورة لإدارة المجتمعات وإنمائها، مما يجعل السياسة ساحة صراع دائم بين المبادئ والمصالح… لكن يجب التمييز بين “الأخلاق المطلقة” التي تعتمد على المبادئ، و “أخلاق المسؤولية” التي تأخذ في الاعتبار العواقب، أي أن السياسي يجب أن يكون واقعيا في قراراته حتى لو تعارضت مع القيم الأخلاقية التقليدية. في المقابل، أن مفهوم السلطة، أنها ليست مجرد منصب سياسي، بل شبكة من العلاقات والتحكم في المعرفة والخطاب، مما يجعلها مرتبطة مباشرة بالأخلاق، وفق السياقات الاجتماعية.

مع ظهور الديمقراطيات، أصبح الخطاب السياسي يعتمد على تبرير السلطة من خلال القيم الأخلاقية مثل حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والتظاهر، لكن ـ في كثير من الأحيان ـ تُوظف هذه القيم لخدمة المصالح السياسية كما في التدخلات العسكرية باسم “نشر الديمقراطية”. بيد أن الأنظمة الشمولية، يتم التلاعب بالأخلاق الجماعية، حيث تزعم – كما هو الحال – في العراق أنها تعمل من أجل الخير العام، لكنها تقمع المعارضين لها. وتوجه الإعلام “مدفوع الثمن” بالترويج السياسي لإضفاء الشرعية الأخلاقية على مساعيها للسلطة، حتى لو كان الواقع مختلفا تماما.

يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن تحقيق سلطة قائمة على الأخلاق؟ أم أن الوصول إلى السلطة بطبيعته يتطلب التخلي عن المبادئ؟. فيما يتعلق الأمر في الشأن العراقي على ما يبدو، هو أن ما اقترحه أرسطو في مفهوم “الوسط الذهبي”، أي تحقيق توازن بين المبادئ الأخلاقية والواقعية السياسية مفقود. حيث تسود المصالح الفئوية والنفوذ، ويبقى هذا التوازن صعب التحقيق بسبب تتداخل الأخلاق والسلطة من الناحية الموضوعية والمجتمعية.

فإذا أردنا فهم العلاقة بين السلطة والأخلاق من منظور موضوعي، فلا بد من فهم كيف تتشكل السلطة؟ وكيف تُبرر السلوكيات غير الأخلاقية للوصول إليها؟ وما العوامل الاجتماعية التي تلعب دورا في هذه العملية؟… من الناحية الموضوعية: السلطة بطبيعتها تعتمد على تحقيق النفوذ والتأثير، مما يجعل القادة في موقف يحتاجون فيه إلى تقديم صورة أخلاقية أمام المجتمع، ولكن في نفس الوقت استخدام أساليب براغماتية للوصول إليها. من الناحية الموضوعية، يمكن تلخيص العلاقة بين الأخلاق والسلطة في أربعة أنماط.

أولا، الشرعية المستمدة من الأخلاق: حيث تُقدم السلطة على أنها امتداد للمبادئ الأخلاقية (مثل الحكام الدينيين أو الشعبويين الذين يزعمون أنهم يسعون للعدالة). ثانيا، الأخلاق كأداة خطابية: حيث تُستغل الأخلاق لكسب تأييد الجماهير، ولكن بمجرد الوصول إلى السلطة يتم تجاهلها لمصلحة المصالح الشخصية والفئوية. ثالثا، تجاهل الأخلاق والتركيز على القوة: كما في الأنظمة الديكتاتورية التي تعتمد على القوة والقمع دون اعتبار للأخلاق. رابعا، المواءمة بين الأخلاق والسياسة: حيث يُستخدم الحد الأدنى من الأخلاق لضمان الشرعية مع الاحتفاظ بالواقعية السياسية.

ومن حيث الناحية المجتمعية وكيف يتفاعل المجتمع مع هذه الظاهرة، فالسياق الاجتماعي يؤثر عادة في كيفية استخدام الأخلاق للوصول إلى السلطة، وذلك عبر العوامل التالية: القيم الثقافية السائدة، في المجتمعات التقليدية، يكون للخطاب الأخلاقي تأثير أقوى، لذا يسعى القادة إلى إظهار أنفسهم كحماة للقيم الدينية والاجتماعية. أما في المجتمعات العلمانية أو الحداثية، يكون التركيز على القيم الإنسانية مثل العدالة والمساواة، مما يجعل السياسيين يستخدمون خطاب الحقوق والحريات. وفي هذا السياق يشكل الإعلام والدعاية السياسية، بقدر كبير وعي الجماهير، ويساعد في تعزيز صورة القائد “الأخلاقي” أو فضح التناقضات المجتمعية بين الخطاب والممارسة.

إن استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لصناعة صورة زائفة عن النزاهة والأخلاق داخل المجتمع العراقي. يعكس طبيعة النظام السياسي، وإشكالية تبرير السلطة عبر الانتخابات والبرامج السياسية، لكن حتى هنا تُستخدم الشعارات “الشعبوية” كوسيلة لجذب الناخبين. فيما يُروج لأيديولوجيات أخلاقية زائفة، مثل “التضحية العقائدية”، لتبرير الاستبداد. السياسيون العراقيون لديهم القدرة على تبرير التناقضات، وعادة ما يستخدمون حججا مثل “الضرورات السياسية” لتبرير التصرفات غير الأخلاقية لجعل المجتمع مستعدا لتقبل هذه التناقضات، إما بدافع الخوف أو المصلحة أو التعود على الفساد.

الخاتمة: هل هناك مخرج من هذه الجدلية؟ إذا كان التاريخ والمجتمع يعيدان إنتاج العلاقة بين الأخلاق والسلطة وفق أنماط مختلفة، فإن السؤال الأساسي هو: هل يمكن تحقيق سلطة مبادئ أخلاقية بالفعل؟ ذلك ممكن عبر إصلاحات مؤسسية وقانونية تمنع استخدام الدين لتبرير للهيمنة على الحكم واستغلال الأخلاق الشعبوية العقائدية كأداة خطابية وان لا يظل التناقض بين السلطة والأخلاق قائما بسبب الطبيعة البشرية والسعي وراء القوة. في النهاية، يبقى الوعي الشعبي، ودور المؤسسات المستقلة العامل الحاسم في الحد من تلاعب السياسيين بالأخلاق لتحقيق السلطة.

مقالات ذات صلة