العراق تحت مجهر “مجلة التايم الأمريكية”: قراءة في شخصية “الباشا” نوري السعيد
اعداد وترجمة : وميض القيسي
حول
نوري باشا السعيد، أبرز السياسيين العراقيين أثناء العهد الملكي. ولد نوري بن سعيد صالح بن الملاّ طه في محلة (تبة الكرد) بالقرب من ساحة الميدان وذلك بحدود سنة 1887 وقتل في سنة 1958 وأما بخصوص نسبه فقد وصف المطّلعين: (بأنه كردي المولد وتركي النشأة والثقافة وعراقي المهنة والعمل). تولى منصب رئاسة الوزراء في العراق 14 مرة بدآ من وزارة 23 مارس 1930 إلى وزارة 1 مايو 1958. كان نوري السعيد ولم يزل شخصية سياسية كثر الجدل والأراء المتضاربة عنه. اضطر إلى الهروب مرتين من العراق بسبب انقلابات حيكت ضده. ولد في بغداد وتخرج من الأكاديمية العسكرية التركية في إسطنبول، خدم في الجيش العثماني وساهم في الثورة العربية وانضم إلى الأمير فيصل في سوريا، وبعد فشل تأسيس مملكة الأمير فيصل في سوريا على يد الجيش الفرنسي، عاد إلى العراق وساهم في تأسيس المملكة العراقية والجيش العراقي.
نوري السعيد في مرآة التاريخ: شهادات المعاصرين والمؤرخين
اقوال والشهادات التاريخية الموثقة حول شخصية نوري السعيد، والتي تعكس مكانته كمهندس للسياسة العراقية:
أولاً: الشخصيات والمسؤولين البريطانيين
المس بيل (Gertrude Bell): وصفت نوري في رسائلها بأنه “قوة لا يستهان بها”، وقالت: “نوري هو الشخص الذي يمتلك القدرة على التنفيذ والتحرك بفاعلية عندما يتردد الآخرون”.
بيرسي كوكس (Sir Percy Cox): كان يراه “الرجل الضروري” لاستقرار العراق، والسياسي الذي يفهم لغة المصالح الدولية بدقة.
اللورد بيرد وود (Lord Birdwood): قال في دراسته عنه: “لقد كان نوري يجسد روح العراق الجديد، رجل امتلك رؤية العسكري ودهاء السياسي”.
ونستون تشرشل: وصفه بـ**”الثعلب”** لقدرته العالية على إدارة الأزمات واللعب على التوازنات الدولية المعقدة.
أنطوني إيدن: وصفه في مذكراته بأنه “صديق صلب وحليف لا يتزعزع”، وأشاد ببصيرته النافذة في شؤون المنطقة.
السير ريجنالد وينغيت: وصفه بأنه “أذكى رجل دولة في المشرق”.
اللورد كيرتيس: وصفه بأنه “السياسي الوحيد في الشرق الأوسط الذي يعرف ماذا يريد، وكيف يحصل عليه بأقل الخسائر”.
ثانياً: العائلة المالكة والسياسيين العراقيين
الملك فيصل الأول: كان يصفه بـ**”صمام أمان”** الدولة، والمنفذ الموثوق للمهمات الصعبة التي تتطلب حنكاً وتفاوضاً.
عبد الرحمن البزاز: وصفه بأنه “رجل دولة من الطراز الأول”، يمتلك قدرة فائقة على استشراف الأحداث الدولية وربط مصالح العراق بها.
فاضل الجمالي: رأى أن نوري يمتلك “عقلاً استراتيجياً” يتجاوز حدود العراق نحو مشروع استقرار إقليمي واقعي.
طه الهاشمي: رغم الخلاف، أشاد بـ**”برود أعصابه”** المذهل في أحلك الظروف وقدرته العالية على المناورة.
كامل الجادرجي (معارض): أقرّ له بـ**”الجدية والدقة”** في العمل الإداري، معتبراً إياه خصماً يُحترم لالتزامه بقواعد اللعبة السياسية.
جلال طالباني: أشار في قراءات تاريخية إلى أن رؤيته في مجلس الإعمار كانت سابقة لعصرها ولو استمرت لتغير حال العراق.
ثالثاً: المؤرخون والرحالة والسياسيون العرب
حنا بطاطو (مؤرخ): وصفه بـ**”العمود الفقري للعهد الملكي”** وأنه كان يتمتع بـ**”مرونة تكتيكية”** مذهلة في مواجهة العواصف.
ستيفن هيمسلي لونغريغ (مؤرخ): اعتبره “المحور الذي تدور حوله السياسة العراقية لثلاثة عقود”.
خالد العظم (رئيس وزراء سوريا): وصفه بـ**”محرك السياسة العربية”** لسنوات طويلة، مؤكداً أن غيابه ترك فراغاً كبيراً.
فريا ستارك (رحالة): وصفته بأنه “رجل التوازنات الصعبة”، مشيرة إلى الهيبة والوقار اللذين كان يتمتع بهما.
وهناك الكثير من الشهادات الأخرى التي ضاعت بين طيات المذكرات الشخصية والوثائق السرية، لكنها جميعاً تلتقي عند حقيقة واحدة؛ وهي أن نوري السعيد كان شخصية اتسمت بـالرصانة والقدرة الفائقة على بناء الدولة وسط عالم يموج بالمتغيرات.
في السابع عشر من حزيران عام 1957 وبينما كان العالم يراقب تداعيات أزمة السويس وصراع الأقطاب في الشرق الأوسط، اختارت مجلة “TIME” الأمريكية عنواناً لافتاً لغلافها: (العراق: الباشا). لم يكن المقال هذا مجرد استعراض منجزات السياسية لنوري السعيد ، بل كان محاولة لفهم الكاريزما المعقدة لرجل أدار دفة الحكم في العراق لثلاثة عقود ببراعة الجراح وهدوء العسكري المحنك.
في هذا المقال ، نتوقف عند أهم ما رصده القلم الكاتب الامريكي عن “رجل الدولة القوي” في بغداد، وكيف كانت الصحافة العالمية ترى في التجربة العراقية آنذاك “البقعة الأكثر إشراقاً” في المنطقة، ومن الملاحظ كتب هذا المقال قبل عام واحد فقط من ا الانقلاب الاسود في تموز 1958 الذي غيرالامنعطف التاريخي للعراق.
نظراً للأهمية التاريخية الاستثنائية لهذا المقال الذي نشرته مجلة (TIME) الأمريكية عام 1957، وحرصاً على الأمانة العلمية في نقل أدق التفاصيل التي وردت عن الشخصية والبيئة السياسية آنذاك فقد قمت بـترجمته ترجمة حرفية كاملة بعيداً عن التصرف أو التلخيص. وبسبب طول المقال وغزارة تفاصيله، سيتم نشره على ثلاثة أجزاء متتالية لضمان استيعاب المادة التاريخية حق استيعاب.
ترجل نوري السعيد، وكان قصيرَ القامة ممتلئَ البنية يلفت الأنظار بأناقته ببدلته البنية. ، الذي شغل منصب رئيس وزراء العراق 14 مرة بخطى واثقة من طائرته من طراز “فيكرز فيسكونت”. كانت شفتاه مكتظة قليلاً، وعيناه تراقبان التفاصيل بدقة.
عاد نوري من كراتشي وهو الرجل الذي تجاوز تماماً من أزمة السويس. فهو الزعيم العربي الوحيد الذي تحالف رسمياً مع الغرب ووجد نفسه معزولاً في أكتوبر الماضي عندما هاجمت بريطانيا، (بالتزامن مع الإسرائيليين )على ناصر الشخصية الأكبر في السياسة العربية آنذاك، وفي ذروة القومية العربية الهائجة بدا أن نوري هو من سيسقط وليس ناصر. أما الآن فقد صار ناصر هو الذي يخشى العزلة بينما اعتلى نوري القمة مستعرضاً انتصاره. وفي أوجِ هذا الانتصار، قدّم استقالته.
كانت الاستقالة في الواقع بمثابة الختام لدورةِ حكمٍ أخرى وهي أطول فترة قضاها إذ بلغت 34 شهراً، في منصب رئيس الوزراء. وهو “رجل العراق القوي”. وان لو تخلى عن المنصب سيظل نوري الشخصية المهيمنة في العراق. لكنه يعلم أن ملك العراق الشاب فيصل الثاني سطلب منه المحاولة مرة أخرى وستتاح لنوري فرصة تشكيل حكومة جديدة بمجلس وزراء وسواء كان في السلطة أو خارجها، يظل نوري (68 عاماً) رجل الدولة العربي الأبرز في الشرق الأوسط، وأقوى حلفاء الغرب في المنطقة.
أرض ما بين النهرين
إن الأرض التي يحكمها نوري السعيد هي الأرض الكلاسيكية الواقعة بين دجلة والفرات وتعادل مساحتها مساحة كاليفورنيا تقريباً. أما العراق الغني بالنفط، المعروف قديماً باسم بلاد ما بين النهرين فهو اليوم ينفض عن نفسه رمال قرونٍ طويلة تراكمت فوقه.
تنافس نوري السعيد وجمال عبد الناصر اليوم على زعامة العالم العربي الا أنّ التنافس بين وادي الفرات ووادي النيل يعود بجذوره إلى عصور الحضارات الأولى. ومع أن ملامح الجماهير العراقية والمصرية الحديثة ما تزال تحتفظ بشيءٍ لافت من الشبه بتلك الوجوه المنقوشة على الآثار القديمة. فإنّ أياً من البلدين لا يستطيع الادعاء بأنه الامتداد المطابق تماماً لماضيه السحيق.
ان التنافس القائم آنذاك غير متكافئٍ في جوانب عديدة فبعد أربعة قرون من الإهمال العثماني، لم يكن عدد سكان العراق يتجاوز ستة ملايين نسمة. في حين كانت مصر تضم أكثر من اثنين وعشرين مليوناً. كما بدت مصر أقرب إلى(( الفضاء المتوسطي)) {المقصود هنا هو أن مصر، تاريخياً وثقافياً وسياسياً كانت أكثر اتصالاً وتأثراً بدول وحضارات البحر الأبيض المتوسط، وخصوصاً أوروبا مقارنةً بالعراق في تلك المرحلة.}أي أن مصر كانت بحكم تاريخها الطويل في التفاعل مع الغرب بينما ظلّ العراق مشدوداً إلى إرثه القبلي العميق وتقاليده الشرقية الراسخة}.
ومع ذلك، امتلك العراق عناصر قوةٍ لا يُستهان بها؛ فقد تميّز بوحدته الجغرافية وواديه النهري العظيم ومؤسساته السياسية والاقتصادية المستقلة. وفوق كل ذلك، كانت لديه الثروة النفطية. ففي حين افتقرت دول عربية مثل مصر وسوريا إلى النفط، امتلكت السعودية ومشيخات الخليج الثروة النفطية من دون قاعدة اقتصادية متماسكة تستوعبها آنذاك. أما العراق فقد جمع بين المورد النفطي والبنية الاقتصادية والإدارية القادرة على توظيفه، الأمر الذي مكنه من إطلاق برنامجٍ واسع للتنمية الاقتصادية أخذ يعيد رسم موازين القوة السياسية في المنطقة.
الباشا: رجل الدولة المخضرم
في هذا الجزء من العالم حيث لا يزال لقب «الباشا» العثماني يُمنح شعبياً للجنرالات والوجهاء لا يقصد العراقيون سوى رجلٍ واحد حين يتحدثون عن ((الباشا)). إنه نوري السعيد.
كان مواطنوه يخشونه أو يحترمونه أو يهابونه لكنهم نادراً ما أحبّوه. ورغم أنّه تولى إدارة شؤون البلاد منذ ما قبل ولادة معظمهم فإن قلة من العراقيين عرفوه بوصفه إنساناً قريباً منهم. لقد حكمهم بعقليةٍ سلطوية وبقدرٍ من اللامبالاة تجاه آرائهم بلغ أحياناً حدّ الازدراء.{ ارد كاتب المقاله الن يقول ((أي أن نوري السعيد لم يكن يهتم كثيراً بما يفكر به الناس أو بما يريدونه، بل كان يتعامل مع آراء الجمهور أحياناً باستخفاف، وكأنها غير مهمة أو لا تستحق الاعتبار))}.
منحنياً فوق مكتبه المترب والمكدس بالأوراق، بأذنيه الكبيرتين وحاجبيه الأسودين الكثيفين، يبدو نوري مثل دب عجوز. حركته ثقيلة، يمل بسرعة، وغير مستعد بطبعه لإظهار الاهتمام من باب المجاملة. يسقط أفكار مساعديه بلوحة يد عابرة تقول: “أنت فتى جيد، لكن لا تشغلني بهذا الهراء”. رجل محنك، ذو خبرة لا نهائية، يسير بهدوء من يعرف بدقة أين تقع كل روافع القوة في بلده، وبالتالي لا يرى مبرراً للشرح أو الإقناع.
حتى السفارة المصرية لا تشكك في نزاهة الباشا. ورغم أن الإذاعات السورية والمصرية وصفته بـ “الخائن” و”الشيطان” واتهمته بأنه صنيعة البريطانيين، إلا أنه لا يكترث. فكل عراقي يعرف كيف تحالف نوري قبل نصف قرن مع جعفر العسكري للتآمر ضد الأتراك، ثم قاتل على ظهر الجمال إلى جانب الأمير فيصل في ثورة الصحراء العربية.
فلسفة نوري: العمل بما هو متاح
يقول نوري إن التأثير الأكبر في حياته كان لعقيد ألماني يُدعى “فون لوسو”، درس تحت إشرافه في القسطنطينية كضابط شاب في الجيش التركي. خلال تمرين دراسي، كُلفت مجموعة بالدفاع عن قرية محصنة، وأخرى بمهاجمتها. أعلن الطالب المكلف بالدفاع أن تحصينات البلدة قديمة جداً ولا يمكن الدفاع عنها، وبالتالي سينسحب للبحث عن مكان أفضل للقتال.
يقول نوري: “أوقف العقيد التمرين فوراً وحاضرنا لمدة ساعتين ونصف. قال إن التحصينات تكون دائماً قديمة؛ حتى لو حصنت بلدة اليوم بأحدث الوسائل، فستصبح قديمة غداً بسبب الأسلحة الجديدة. أخبرنا أن الروح الصحيحة للقائد هي إنجاز المهمة بالموارد المتاحة لديه. من واجبه استخدام عقله وطاقته بما هو موجود بين يديه”.
ويضيف نوري بصوته الجهوري: “أعطاني ذلك الفكرة التي اتبعتها طوال حياتي؛ أن أكون واقعياً لا مثالياً. نقادي يريدون دائماً المثال، لكن مذهبي هو: لا تكن مثالياً أبداً، استخدم ما هو متاح، ولا تنتظر حتى يصبح كل شيء كاملاً فتضيع فرصتك”.
إيدن الجديدة (مشروع الإعمار)
قبل ست سنوات، أقنع نوري شركة نفط العراق التي يديرها البريطانيون بمنحه مناصفة الأرباح بنسبة 50-50. وكان قد أسس بالفعل “مجلس الإعمار” المستقل عن السياسة، وخصص له 70% من عائدات النفط، لكي تستفيد الأمة بأكملها، وليس فقط بضعة أمراء أثرياء.
منذ عام 1950، وبمساعدة خبراء أجانب، بنى المجلس أو بدأ التخطيط لـ 16 سداً. أكمل سدين عظيمين (سامراء والحبانية) لدرء فيضانات دجلة والفرات. وقفزت الأراضي المزروعة بنسبة 40%. ووفر المجلس مصافي نفط، ومصانع نسيج، ومطاحن سكر. وارتفع عدد المدارس الابتدائية من 1070 إلى 1748، والمستشفيات من 82 إلى 121.
بغداد المزدهرة
تضاعف سكان بغداد في خمس سنوات ليصل إلى مليون نسمة. الشوارع تكتظ بالسيارات الأمريكية، مما خلق مشكلة مرورية خانقة لم تحلها جسور مجلس الإعمار الجديدة. جرافات المجلس تهدم المنازل العشوائية لفتح طرق سريعة جديدة، وتنتشر الفيلات الجميلة للطبقة الوسطى الجديدة.
وفقاً لخطط مجلس الإعمار، ستكتسب بغداد رونقاً خاصاً قريباً؛ حيث سيبني الفرنسي “لو كوربوزييه” ملعباً رياضياً، وعاد “فرانك لويد رايت” (88 عاماً) من بغداد الأسبوع الماضي متحمساً لإنشاء دار أوبرا “لا مثيل لها في العالم” على جزيرة في دجلة.
يقول دبلوماسي أمريكي رفيع: “نشعر أن العراق هو البقعة الأكثر إشراقاً في المنطقة. هناك أمل في بناء شيء صلب هنا، ومع وجود نوري في السلطة يمكننا العمل والبناء. هو يحظى بدعمنا الكامل، ولا نمانع في أن يعرف العالم ذلك”.
إن الوادي الذي كان مشهوراً يوماً ما قد يزدهر من جديد كـ “وادي الأنهار الثلاثة”: دجلة، والفرات، والنفط.
تنويه:
يحتوي النص التالي على ترجمة أمينة وكاملة لمقال نُشر في مجلة (التايم) الأمريكية عام 1956. ونود الإشارة إلى أننا التزمنا بنص الكاتب الأصلي كما ورد في المصدر برغم احتواء بعض فقراته على مفردات تحمل تلميحات أو مغالطات تاريخية (لا سيما فيما يتعلق بعدد أبناء نوري السعيد أو بعض تفاصيل الوقائع القديمة) وذلك عملاً بمبدأ الأمانة العلمية في نقل المادة التاريخية كما رآها ودونها الإعلام الغربي في تلك الحقبة.
أحرار.. ولكن لأي غاية؟
رغم رحلاته التي لا تحصى إلى بريطانيا، وعلاقاته الوثيقة مع البريطانيين طوال حياته الا أن لغة الباشا الإنجليزية ظلت متواضعة وبالكاد تفي بالفرض لم يكن يوماً لبقاً في الحديث لا بالتركية ولا بالألمانية ولا حتى بلغته العربية الأم. كان يجلس ناقراً على ركبته وملوحاً بسماعة الأذن الطبية وهو يتلمس مخارج الكلمات ليخرج أهدافه بصوت أجش قائلاً:
إن غايتي هي تحقيق الوحدة العربية والتقدم ورؤية الجامعات والرخاء وهي تضرب جذورها في بلادنا لعلنا نردم تلك الفجوة التي تفصلنا عن الأمم المتقدمة. فمع أن عجلة التقدم قد دارت بالفعل منذ أيام صباي، وتسارعت بوضوح خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية إلا ان الهوة ما تزال سحيقة ولن تطوى الا بجهد جيل كامل. إنني لا أؤمن بأن مهمة الزعيم العربي تكمن في إحداث انعطافات ثورية حادة فحياة الشعوب وعقولها لا تتبدل في ليلةٍ وضحاها بل تنضج بالتدرج والتجربة وتراكم الزمن. انك لا تستطيع حقن طفل وليد بمصل لتجعل منه فجأة صبياً في العاشرة وحتى لو نجحت في ذلك بطريقة ما فلن يكون انساناً سوياً ابداً. علينا دائماً أن نحسب حساباً لعنصر الوقت في كل شيء.
الواقعية اللاذعة في مواجهة الشعارات
بواقعية لاذعة، كان نوري يتجاهل عبارات ناصر الرنانة، مثل الحياد الإيجابي التي قد تمنحه شعبية عابرة. يقول نوري سيلعنني التاريخ لو استغليت عاطفة الجماهير على حساب المصلحة الوطنية فبالنسبة لدولة صغيرة قد يكون الحياد كارثياً. ان العراق عاجز عن صد الشرق أو الغرب عسكرياً، أو عن استغلال نفطه بنفسه. ولو حاولنا الحياد لبقي نفطنا تحت الأرض وانتشر الفقر فوقه وانتصرت الشيوعية.
قصة العيون الزرقاء
كيف أتى هذا الرجل البغدادي إلى العالم بعينين زرقاوين؟ قصة تشبه في تفاصيلها أساطير شهرزاد. فقبل ثلاثة قرون كان هناك مُلّا في بغداد يدعى «لولو»، وكان يفتخر أيما فخر بالمسجد الذي كان يشرف عليه. وفي أحد الايام اجتاح جيش فارسي غازي مدينة بغداد وفي إهانة من النوع الذي كان يسعد المسلمين الفرس من المذهب الشيعي أن يلحقوها بالأماكن المقدسة للمذهب السني المنافس، قامت فرقة من الفرسان بتخصيص المسجد لخيولها.
انطلق «لولو» إلى القسطنطينية البعيدة ليخبر سلطان تركيا بهذا التدنيس واستغرقت رحلته سيراً على الأقدام ستة أشهر. غضب السلطان غضباً شديداً فأرسل جيشاً إلى بغداد برفقة «لولو»، حيث طرد الفرس لكن «لولو» عاد ليجد فاجعة في انتظاره إذ كانت زوجته وأطفاله قد ذبحوا جميعاً. ترحم السلطان على عائلته ومنحهم نفقة قدرها ليرتان شهرياً مدى الحياة وأهدى لـ «لولو» فتاة تركية حسناء ذات عينين زرقاوين من حريم القصر كزوجة جديدة.
وُلد نوري السعيد أزرق العينين في بغداد عام 1888، وكان الابن الوحيد لسليل «لولو»، سعيد أفندي المدققچي( السيد سعيد المدقق). وبالنسبة لصبيٍ ينحدر من عائلة عريقة نشأت في بغداد العثمانية لم تكن هناك مهنة تليق به سوى السلك العسكري لذا التحق نوري بمدرسة عسكرية تركية أعدته للأكاديمية العسكرية في القسطنطينية. وفي سن الثانية عشرة، نجا من موت محقق بالتيفوئيد بفضل طبيب بغداد الوحيد.
بحلول عام 1903 انطلق نوري في رحلته الشاقة نحو القسطنطينية قطع الفيافي لـ 27 يوماً ضمن قافلة بـالبغال عبر صحراء تعج بقطاع الطرق في رحلةٍ استغرقت إجمالاً 40 يوماً وهي ذاتها الرحلة التي يقطعها نوري اليوم في أقل من أربع ساعات على متن طائرة (فيسكونت) يقودها طيار عراقي.
الميثاق والمصاهرة والعمل السري
بعد تخرجه برتبة ملازم ثانٍ، عاد نوري البهيّ بزيّه العسكري وشاربه الجديد إلى بغداد، ليلتقي برفيق دربه جعفر العسكري. وفي عام 1910، تعمقت أواصر هذه الصداقة بالمصاهرة؛ إذ أعطى كل منهما الآخر شقيقته.وعلى الرغم من أن العادات العربية آنذاك لم تسمح بتقديم نوري لعروسه «نعيمة» إلا في يوم الزفاف، إلا أن جعفر رتّب لها فرصةً لمح لمحاً خاطفاً لنوري من خلف إحدى النوافذ قبل بضعة أسابيع من العرس. تقول نعيمة، التي أنجبت له ولدين (أحدهما طيارٌ تدرب في سلاح الجو الملكي البريطاني ويشغل الآن منصب رئيس السكك الحديدية والخطوط الجوية العراقية): «لقد كان وسيماً.. تماماً كما هو اليوم».”
انطلق الضابطان الشابان، برفقة زوجتيهما وأمهاتهما، في قافلة على ظهور البغال مجدداً إلى إسطنبول للالتحاق بكلية الأركان. ومع اندلاع حرب البلقان، انضم نوري للجبهة، لكن شعوره بالتهميش بأن ترقيتهما تُحرمان بشكل ممنهج لأنهما عربيان. قال نوري: “إذا كنا غرباء، فلنكن غرباء”. تولى قيادة خلية في جمعية العهد السرية التي كانت تُخطط لاستقلال العرب عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية. كان جميع أعضاء الخلية يرتدون أثوابًا حمراء ذات قلنسوة في الاجتماعات لإخفاء هويتهم عن بعضهم البعض، باستثناء نوري الذي كان لا بد من كشف هويته. ذات مرة، أرسل أحد الضباط رسالة إلى نوري يُخبره فيها أنه لن يتمكن من الحضور بسبب المرض. ولأن مرضه كان معروفًا، وغيابه سيكشف هويته، ألبس نوري والدته الثوب، وجلست صامتة طوال الاجتماع لضمان اكتمال العدد المطلوب.
عمادُ الرَّباطة والجَلَد
في مطلع عام 1914، تلقى نوري إشارةً تُفيد بأن الأتراك كشفوا خيوط مؤامرته، ففرَّ من القسطنطينية ليلتحق بالتنظيم الثوري في البصرة. وهناك، وكان البريطانيون قد خاضوا غمار الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية، عثروا على نوري راقداً في أحد المستشفيات يُعاني علّةً في صدره. ولقيمته كضابطٍ عثماني في نظرهم، ساقوه أسيراً إلى الهند، ونقلوه إلى مصحةٍ في منطقةٍ جبلية ليتماثل للشفاء.
وبعد عامين، حين رعت بريطانيا الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف حسين في الصحراء، نجح نوري في إقناعهم بالسماح له بالانضمام إلى صفوفها. وفي وصفه للمعارك، كتب ت. إي. لورنس (صاحب كتاب أعمدة الحكمة السبعة) لاحقاً، أن «شجاعته، وحضوره، ورباطة جأشه» جعلت منه قائداً مثالياً، وأضاف لورنس: «كان أغلب الرجال إذا حمي وطيس المعركة وتطايرت النيران يتحدثون بتسرّع، ويتصنعون المرح والابتهاج للتغطية على خوفهم، أما نوري فكان كلما اشتد الخطر يزداد سكينةً وهدوءاً».
وفي مؤتمر باريس للسلام عام 1919، حيث خرج العرب بفتات الوعود التي بذلها لورنس، شهد نوري انكسار قائده الأمير فيصل ــ بعباءته العربية ــ وهو يعيش مرارة الخيبة والصدمة بعدما أيقن أن الفرنسيين عازمون على انتزاع سوريا؛ حتى إن الأمير، من فرط حنقه، أخذ يقذف وسائد مقاعد سيارته غضباً صوب مبنى وزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورسيه) أثناء مروره به.
أعلن العرب فيصلاً ملكاً على سوريا، وغدا نوري رئيساً لأركان جيشه. وإثر طرد الفرنسيين للملك من دمشق، عرض البريطانيون عليه عرش العراق. وعلى مَقرُبة خمسين ياردة فقط من المكتب الذي يدير منه الباشا اليوم شؤون الدولة، وقف نوري السعيد بفخرٍ واعتزاز ذات يوم من عام 1921، ليشهد مراسيم تنصيب قائد أيامه الخوالي، كأول عاهلٍ يتربع على عرش المملكة العراقية.
بين الانتداب والفوضى
وصفت المستشرقة الشهيرة غريترود بيل (المس بيل) نوري السعيد بقولها: «منذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها، أدركتُ أننا أمام قوة مرنة؛ وعلينا إما أن نكسبها لجانبنا، أو نستعد لخوض مواجهة عسيرة معها». وكان نوري بدوره يرى نفسه أمام خيارين: إما الصدام وإما التعاون، فاختار طريق التعاون. وطوال العقد الأول من حكم البريطانيين للعراق بموجب انتداب عصبة الأمم، كان نوري يهيمن على الجيش، حتى تولى رئاسة الوزراء للمرة الأولى عام 1930. ورغم أن العراق كان يخطو تدريجياً نحو استقلاله، إلا أن ذلك الإيقاع لم يكن سريعاً بما يكفي لإرضاء أصحاب الرؤوس الحامية.
وعندما وصلت الأمور إلى حد قيام الغوغاء بسكب الوقود على رجل شرطة وإحراقه حياً، أو مهاجمة نائب قنصل بريطاني بالفؤوس، ضرب نوري بيد من حديد؛ فسحق تلك التحركات وأعدم قادتها. ولم تكن صداقته للبريطانيين بلا ثمن؛ إذ كلفته حيناً خسارة مقعده في السلطة، فضلاً عن عجزه عن إقناع لندن بتبني التسوية التي كان يرتئيها لقضية فلسطين. وحين تمكنت دولة إسرائيل الناشئة من دحر الجيوش العربية التي زحفت نحوها، انفرَد العراق من بين سائر الدول العربية برفضه القاطع لتوقيع أي شكلٍ من أشكال الهدنة مع الإسرائيليين المنتصرين. (وفي هذا السياق، كان نوري يتبنى في خطاباته العامة نبرة جماهيرية حادة ضد إسرائيل لا تختلف عن سائر القادة العرب، برغم أنه كان في قرارة نفسه ودوائره الخاصة مستوعباً لحقها وقدرتها على البقاء).
وكانت الأمور تفلت من عقالها كلما نُحي نوري عن المشهد، مما دفعه للعودة إلى سدة الحكم للمرة الأخيرة في صيف عام 1954، مستعيناً بوصفته الحازمة المعهودة؛ إذ أغلق ثماني عشرة صحيفة، وحسم لصالحه انتخاباتٍ موجهة نال فيها أغلبية ساحقة لم يتجاوزها سوى الاستفتاء الرئاسي الذي خاضه عبد الناصر في العام المنصرم بنسبة 99.98%، كما حلَّ جميع الأحزاب وزجَّ بمئات الشيوعيين في المعتقلات. ولكي يضمن ولاء الركائز الأساسية التي تحمي نظامه، منع الباشا فرض أي ضرائب على أراضي شيوخ العشائر الذين يسيطرون على الريف، وقام في الوقت نفسه برفع رواتب ضباط الجيش والشرطة.
إلى السويس وإياباً
كان قمع الاضطرابات في الداخل كافياً فيما مضى لإرساء الأمن، غير أن صعود ناصر في مصر، وانتشار بروباغندا “إذاعة القاهرة” الموجّهة إلى العرب كافة، جعل بساط النفوذ يُسحب من تحت قدمي نوري من الخارج. قوبل قرار نوري الجريء برعاية “حلف بغداد” بهجومٍ لاذع من ناصر الذي اعتبره بيعاً للقضية لصالح “الامبريالية والصهيونية”، مما دفع القادة العرب الآخرين للابتعاد.
أما الأردن، فقد طرد القائد البريطاني “غلوب باشا” بعد ضغوط عنيفة من لندن للانضمام إلى الحلف، وقرر وضع جيشه ــ إلى جانب جيوش سوريا والسعودية ــ تحت قيادة عسكرية مصرية مشتركة. ومع اقتراب غزو السويس، وجد العراق نفسه معزولاً تماماً في المحيط الإقليمي، في وقتٍ كانت فيه فكرة “الأمة العربية الواحدة” التي يتزعمها ناصر تحظى بتأييدٍ جارف في كل مكان.
وعلى السطح، بدا غزو السويس وكأنه ضربة قاضية لخصم نوري (عبد الناصر)، وبالتالي يمثل مصلحة ونعمة للباشا. لكن إقدام بريطانيا وفرنسا على مهاجمة مصر بالتعاون ــ إن لم يكن بالتواطؤ الكامل ــ مع إسرائيل (العدو الأول للعرب)، تسبب في أزمة سياسية وأخلاقية خانقة للباشا؛ مما دفعه إلى استدعاء مجلس الوزراء في اجتماع طارئ بدأ في الثانية صباحاً واستمر حتى بزوغ الفجر.
وفي تلك الليلة، قرر نوري تقديم الدعم لناصر، وقطع العلاقات مع فرنسا، وإبلاغ البريطانيين بأن العراق لن يجلس معهم في أي من شؤون حلف بغداد حتى إشعار آخر، معلناً ضرورة “سحق إسرائيل”. غير أن هذه البادرات لم تمنع السوريين من تفجير خط أنابيب النفط العراقي المتجه إلى البحر الأبيض المتوسط، مما كبّد الحكومة العراقية خسارة بلغت 60 مليون دولار من عائدات النفط. وهتفت “إذاعة دمشق” قائلة:
«يا عراقنا الحبيب، دمر جدران سجنك، وتحرر من قيودك ومن دناءة نوري السعيد».
وانفجرت المشاعر المؤيدة لناصر داخل العراق في موجة عنف شملت الموصل والنجف والكوت (الحي)، حيث قُتل نحو 20 شخصاً في اشتباكات الشوارع. وفي بغداد، تظاهر غوغاء قوامهم 2000 شخص بقيادة الطلاب، رافعين صور ناصر ومرددين: «يسقط النظام الملكي.. عاش عبد الناصر زعيم العرب أجمعين». ورداً على ذلك، أعلن نوري الأحكام العرفية، وأغلق المدارس، وعطل البرلمان، وأمر بزج مئات العراقيين في السجون، كما اعتقلت شرطته ثلاثة ضباط مصريين بتهمة التخطيط لاغتياله. وعلّق نوري، الذي يحمل مسدساً على خصرِهِ أينما خرج إلى المجتمع، مزمجراً: «لم يولد بعد الرجل الذي يستطيع اغتيالي». وقبل مغادرته الأسبوع الماضي لحضور اجتماع كراتشي، رفع نوري الأحكام العرفية أخيراً بعدما جازت الأزمة بسلام.
العراق تحت مجهر “مجلة التايم الأمريكية”: قراءة في شخصية
“الباشا” نوري السعيد (الاخير)
ترجمة واعداد: وميض القيسي
يومياتُ حُكمٍ هادئ
يدير نوري شؤون الحكم بأسلوبٍ يلوحُ أكثر سهولةً ويسراً مقارنةً بغيره من القادة العسكريين الشبان والأكثر بهرجة؛ إذ يستيقظ في بغداد عند السادسة صباحاً، ليتناول ثمار الجريب فروت ويرتشف قهوته وهو يستمع إلى نشرة أخبار الصباح من إذاعة “صوت أمريكا”. وبعد جولةٍ أولى من المباحثات التي يجريها مع وزرائه عبر الهواتف المشفّرة، يتناول إفطاراً ثانياً قوامُه البيض، ثم ينطلق عابراً جسر دجلة نحو مكتبه مستقلاً سيارة من طراز “كريسلر”، تتبعها سيارةٌ أخرى غصّت برجال الشرطة السريين.
وبعد أن يملي على مساعديه توجيهاته حول كيفية الرد على بريده ــ علماً بأن الرسائل الوحيدة التي يخطُّها بيده هي مذكراتٌ أسبوعية يبعث بها إلى حفيديه اللذين يدرسان في إنجلترا ــ يهرع عائداً إلى منزله ليلحق بنشرة أخبار إذاعة “بي بي سي” في الثانية ظهراً، يعقبها غداؤه وقيلولته الطويلة. وإذا ما كان الطقس رائقاً المِزاج، فقد يرتشف الشاي عند ضفاف دجلة، رامياً فتات الطعام لاثنتي عشرة بطةً سوداء تسبحُ نحوه ما إن يناديها.
أما عشاؤه في المنزل، فيكاد يقتصر دائماً على الندماء أنفسهم: خليل إبراهيم (مسؤول الدعاية والإعلام)، وضياء جعفر (رئيس مجلس الإعمار)، ووزير المالية خليل كنة (47 عاماً)، وهو يساريٌ سابق وموهوب، يُطرح اسمه غالباً كالوزير الأكثر حظاً لخلافته؛ في وقتٍ رحل فيه جلّ رفاق عمره القدامى، ومعظمهم ماتوا ميتةً عنيفة.
مَعركةُ الإعمار وبَعثُ الجنّة
نجح الباشا في إرغام شركة النفط العراقية (المُدارة بريطانياً) على منح العراق مناصفةً في الأرباح بنسبة 50-50، أسوةً بما كانت تحظى به كل من فنزويلا والمملكة العربية السعودية. وكان قد بادر بالفعل إلى تأسيس “مجلس الإعمار” بوصفه هيئةً تكنوقراطية مستقلة عن التجاذبات السياسية، وخصّص له 70% من إجمالي عائدات النفط الحكومية، لضمان أن تعود تلك الثروات بالنفع على الأمة بأسرها، لا أن تقتصر على جيوب قلةٍ من الأمراء الأثرياء. وهكذا انطلق المجلس يعيد في وادي الرافدين بعث تلك الجنة الخضراء التي كانت قائمةً هناك، قبل أن يجتاح مغول هولاكو خان البلاد عام 1258 ليدمروا شبكات الري القديمة ويجففوا واحات جنات عدن.
ومنذ عام 1950، وبمعاونة خبراء أجانب (إذ يضم المجلس في عضويته الكاملة خبيرين اقتصاديين؛ أحدهما أمريكي والآخر بريطاني)، تمكنت هذه المؤسسة العراقية الفريدة من بناء أو البدء أو التخطيط لستة عشر سداً، تمتد بين جبال كردستان الموشاة بالثلوج وشواطئ الخليج العربي اللاهبة. وقد أنجز المجلس بالفعل سدّين عظيمين نجحا هذا العام في احتواء مياه فيضانات دجلة والفرات، وتحويل مسارها نحو بحيرتين جديدتين بلغت تكلفتهما 30 مليون دولار في وادي الثرثار والحبانية. وفي اتجاه مجرى النهر، ينهمك المقاولون في شق قنوات البزل وجرف الغرين من قنوات توزيع المياه البابلية القديمة، والمقرر إعادة استخدامها اليوم تماماً كما كان الحال في زمن حمورابي. ونتيجةً لذلك، قفزت الأراضي المزروعة بنسبة 40%، بعد أن استقرت 20 ألف عائلة (يُقدر عدد أفرادها بنحو 150 ألف نسمة) في مساحات مستصلحة حديثاً تبلغ مساحة القطعة الواحدة منها 60 دونماً. كما أمدَّ المجلس البلاد بمصافٍ للنفط، ومصانع للنسيج، ومعامل للسكر. ومنذ أن شرع المجلس في عمله قبل ست سنوات، ارتفع عدد المدارس الابتدائية من 1070 إلى 1748 مدرسة، والمدارس الثانوية من 108 إلى 152، والمستشفيات من 82 إلى 121 مستشفى، فضلاً عن وضع حجر الأساس لتشييد جامعة جديدة في العاصمة. وهي إنجازات لا تجد المملكة العربية السعودية ــ برغم فيض عائداتها النفطية الأكبر ــ ما يضاهيها للعيان.
تطهيرُ المخططين
ومع ذلك، لم يخلُ مسار مجلس الإعمار من العثرات؛ إذ أخفق في تأهيل الكوادر البشرية الكافية لإدارة هذه المدارس والمستشفيات والمصانع الجديدة. ومن منظور سياسي، بدا إيقاع المجلس مفرطاً في البطء لتبني ما يسميه الخبراء “المشاريع ذات الأثر السريع”؛ وهي تلك المشروعات الملموسة التي يستطيع المواطن العراقي الفقير والجائع رؤيتها شاخصةً أمامه فوراً، بدلاً من تلك السدود النائية التي يستغرق تشييدها سنوات طوال. ولم يبدأ المجلس إلا في العام المنصرم ببناء أول 2500 وحدة سكنية منخفضة التكلفة في العاصمة. فضلاً عن ذلك، اعترف نوري السعيد أمام البرلمان في الخريف الماضي بأن برنامج مد الطرق السريعة قد شابه “الفشل”، نتيجة لعدم إجراء مسوحات تمهيدية كافية قبل تعبيد الطرق في بلد يرتفع فيه منسوب المياه الجوفية غالباً بمقدار قدم أو قدمين فقط تحت سطح الأرض. وإثر اتهامات ساقها الخصوم بوجود فساد مستشرٍ، سارع نوري العام الماضي إلى تعيين لجنة من القضاة، أصدرت منذ ذلك الحين قرارات بعزل 300 مسؤول، من بينهم سبعة من متصرفي الألوية (المحافظين).
ولأن شيوخ العشائر يمثلون ركيزة ظهيره السياسي الأكثر نفوذاً، فقد تصدى نوري لكل التحركات التي استهدفت تقويض هيمنتهم على أراضيهم، معلقاً على ذلك بقوله: «إن الزمان كفيلٌ بتفتيت الإقطاعيات الكبرى، ونحن لا نريد أن نفرض الاشتراكية على الناس رغماً عنهم».
سهولُ إبراهيم
في غضون سبع سنوات، قفز متوسط دخل الفرد في العراق من 84 دولاراً إلى 140 دولاراً. ويعلن مجلس الإعمار أن غايته المنشودة هي مضاعفة مستوى معيشة البلاد خلال السنوات العشر القادمة. وحتى الآن، لا تكاد البلاد تشبه في شيء جنة عدن الغابرة؛ حيث ابتكر الإنسان لأول مرة الزراعة والحضارة. فالصحاري الغربية تبدو منبسطة المدى إلى الحد الذي يسمح للحافلات الضخمة والمكيفة بعبورها ليلاً كالسهم بين بغداد ودمشق بسرعة تصل إلى 80 ميلاً في الساعة، وهي تشق طريقها مسترشدة بالبوصلة والنجوم. أما “أور”، تلك المدينة العظيمة التي خرج منها النبي إبراهيم قبل 4000 عام ليستوطن أرض كنعان، فتربض اليوم على مقربة من مستنقعات ملحية يقطنها عرب يعيشون بنمط حياة موغل في القدم، ويمتطون قوارب دائرية صُنعت من القصب وطُليت بالقار. وبالمثل، فإن المعالم التاريخية العظمى، من حدائق بابل المعلقة إلى أمجاد بغداد العباسية، قد تلاشت اليوم كلياً. وهي صروحٌ شُيدت في أزمنةٍ كان العراق يعيل فيها سكاناً يفوق عددهم ثلاثة أضعاف ما هم عليه اليوم، لكنها انطوت في الغياب كما انطوت نينوى وصور.
بغدادُ الطَّافرة
لطالما كان الكوخ الطيني ذو الأرضية الترابية هو المشهد المهيمن والشاهد على الريف العراقي؛ حيث البرد والرطوبة في الشتاء، والتنور اللاهب في الصيف، وحيث يقبع 90% من السكان في فقرٍ مدقع وتنهشهم الأمراض المستوطنة. واليوم، يبدو أن النظام القديم الذي يمثله هذا المشهد آخذٌ في التبدد تحت وطأة برنامج الإعمار الذي يقوده نوري. فقد تضاعف عدد سكان بغداد خلال خمس سنوات ليصل إلى نحو مليون نسمة، وباتت العاصمة تعيش طفرة حقيقية؛ إذ غصّت الشوارع بالسيارات الأمريكية، مما خلق أزمة مرور خانقة لم تفلح الجسور الجديدة التي شيدها مجلس الإعمار فوق دجلة في حلحلتها بعد. وتواصل جرافات المجلس دكَّ 300 منزل من العشوائيات والمحال التجارية في الأسواق القديمة لشق طريق سريع جديد يخترق قلب المدينة. والآن، بعد أن جرى كبح جماح الفيضانات وتأمين العاصمة، بدأت بغداد تتمدد خلف السدود (السدات)، حيث ترتفع الفيلات الأنيقة لتلائم تطلعات الطبقة الوسطى الجديدة والميسورة. ومع ذلك، فإن العديد من الشوارع لا يزال بلا تعبيد، حتى إن ربّات البيوت في مواسم الأمطار يضطررن إلى استئجار العمال ليحملوا الضيوف من سياراتهم إلى عتبات المنازل. وفي الوقت نفسه، تنبت مدن الصفيح كالفطر في أرجاء بغداد، ويقع أسوأها حالاً في بستان للنخيل لا يبعد سوى 500 ياردة عن منزل نوري نفسه.
وفقاً لمخططات مجلس الإعمار، فإن بغداد التي يطغى عليها لون الطين ستكتسي رداءً من البهاء في القريب العاجل؛ إذ يعكف المعماري الفرنسي “لو كوربوزييه” على تصميم إستاد رياضي، في حين عاد المعماري العالمي “فرانك لويد رايت” (البالغ من العمر 88 عاماً) مفعماً بالحماس من بغداد في الأسبوع الماضي، متأهباً لتشييد دار أوبرا على إحدى جزر دجلة «لا مثيل لها في العالم بأسره». ومثل هذه الصروح، بمعايير أي مخطط تنموي، هي التي تستحق حقاً أن تُصنّف كـ “مشاريع ذات أثر ملموس وسريع”.
خاتمةُ المآل: الوادي الثّالث
يقول دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى: «إننا نشعر بأن العراق يمثل البقعة الأكثر سطوعاً وإشراقاً في المنطقة بأسرها، إن لم يكن في الوقت الراهن ففي القريب العاجل. هناك أملٌ حقيقي هنا لبناء شيءٍ صلب وراسخ، ومع وجود نوري في سدة الحكم، فإن بمقدورنا أن نعمل ونبني معاً. إنه يحظى بدعمنا الكامل والمطلق، ولا نبالي البتة بأن يعلم العالم أجمع بذلك».
وهكذا، فإن ذلك الوادي الذي ذاع صيته في غابر الأزمان، قد يزهر من جديد كـ “وادي الأنهار الثلاثة”؛ دجلة، والفرات… والنفط.




