العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمتلك كل أسباب الثراء
ليس الفساد في العراق مجرد مخالفة إدارية عابرة، ولا هو مجموعة من الرشاوى الصغيرة التي يتداولها الموظفون في المكاتب الحكومية، بل أصبح في نظر كثير من الباحثين والمراقبين منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، حتى غدا الفساد نفسه مؤسسة موازية للدولة، تمتلك أدواتها وشبكاتها وحماتها وآلياتها الخاصة في إعادة إنتاج النفوذ والثروة.
إن المأساة العراقية لا تكمن في ندرة الموارد أو ضعف الإمكانات، فالعراق من أغنى دول المنطقة بالثروات الطبيعية والموقع الجغرافي والطاقات البشرية والإرث الحضاري. لكن المفارقة المؤلمة أن بلداً يمتلك هذا الحجم الهائل من الثروة ما زال يعاني من أزمات الخدمات الأساسية والبطالة وتدهور البنية التحتية وغياب التنمية المستدامة. وهنا يبرز السؤال الكبير: أين ذهبت مئات المليارات من الدولارات التي دخلت خزائن الدولة خلال العقود الماضية؟
الجواب ليس بسيطاً، لأن الفساد في العراق لم يعد فعلاً فردياً، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية تتغلغل في مفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة. فحين تصبح المناصب العامة غنائم سياسية، وتتحول المؤسسات إلى مناطق نفوذ، وتغيب المحاسبة الحقيقية، فإن المال العام يصبح فريسة سهلة لشبكات المصالح المنظمة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الفساد لا ينمو في البيئات التي يسود فيها القانون، بل ينمو حيث تضعف الدولة وتتراجع الرقابة وتختلط السلطات بالمصالح. وفي الحالة العراقية، يرى العديد من الباحثين أن نظام المحاصصة السياسية الذي نشأ بعد عام 2003 ساهم في تكريس هذا الواقع عبر توزيع المواقع الإدارية والوظائف العليا وفق اعتبارات الولاء والانتماء أكثر من اعتبارات الكفاءة والخبرة. ومع مرور الزمن، أصبحت بعض المؤسسات رهينة لتوازنات سياسية معقدة تجعل محاسبة الفاسدين عملية شاقة ومكلفة.
غير أن تحميل المحاصصة وحدها كامل المسؤولية قد لا يكون كافياً لفهم المشهد. فالتخلف الإداري المزمن يمثل وجهاً آخر للأزمة. فالإجراءات الورقية المعقدة، وتعدد الحلقات البيروقراطية، وضعف أنظمة الرقابة الإلكترونية، كلها عوامل توفر بيئة مثالية للرشوة والابتزاز والتلاعب. إن الموظف الذي يمتلك سلطة تعطيل معاملة أو تمريرها يملك في الوقت ذاته فرصة لتحويل تلك السلطة إلى منفعة شخصية ما لم توجد أنظمة صارمة للرقابة والمساءلة.
ومن أخطر أبواب الفساد في العراق ملف الأراضي والعقارات العامة. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي أصل اقتصادي واستراتيجي يمثل جزءاً من ثروة الأجيال القادمة. وعندما تمنح أراضي الدولة تحت عناوين الاستثمار أو التنمية من دون منافسة شفافة أو تقييم عادل للقيمة الحقيقية، فإن الخطر لا يقتصر على خسارة مالية مؤقتة، بل يمتد إلى نقل الثروة الوطنية من الملكية العامة إلى دوائر ضيقة من المنتفعين. وفي كثير من الحالات تتحول عمليات التخصيص إلى شبكات معقدة من الوساطات والضغوط السياسية والعلاقات الشخصية، فتضيع الحدود بين الاستثمار المشروع والاستحواذ المقنع على المال العام.
أما الوجه الأكثر خطورة للفساد فهو تهريب الأموال إلى الخارج. فالأموال التي تخرج بطرق غير مشروعة لا تمثل مجرد أرقام تغادر المصارف، بل هي مشاريع ومدارس ومستشفيات ومصانع وفرص عمل تضيع من مستقبل البلاد. وعندما تتسرب الثروة الوطنية إلى حسابات خارجية أو عقارات أجنبية أو شركات وهمية، فإن الاقتصاد الوطني يفقد جزءاً من قدرته على النمو والتنمية والاستقرار.
وتشير الخبرات الدولية إلى أن شبكات الفساد الكبرى لا تعمل بمعزل عن البيئة المحيطة بها. فهناك دائماً مستفيدون في الداخل، وقد توجد أطراف خارجية تستغل الثغرات القانونية أو ضعف الرقابة أو حاجة بعض المسؤولين لتحقيق مكاسب خاصة. لكن الحقيقة الجوهرية تبقى أن أي عملية نهب منظمة لا يمكن أن تنجح من الخارج ما لم تجد لها أبواباً مفتوحة من الداخل.
لقد نجحت دول كانت غارقة في الفساد أكثر مما هو عليه الحال في كثير من الدول النامية اليوم. سنغافورة وهونغ كونغ وإستونيا وغيرها أثبتت أن القضاء على الفساد ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروع دولة يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات مستقلة وقوانين صارمة وشفافية كاملة.
الحل في العراق لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي تريد الانتصار على الفساد يجب أن تجعل القانون أعلى من النفوذ، والكفاءة أعلى من الولاء، والمصلحة العامة أعلى من المصالح الحزبية والشخصية.
ويقتضي ذلك إطلاق مشروع وطني شامل للتحول الرقمي الكامل، بحيث تصبح العقود والأراضي والمناقصات والإنفاق الحكومي والتعيينات والإجراءات الإدارية خاضعة لأنظمة إلكترونية قابلة للتدقيق والتتبع. فكل معاملة تُنزع من الورق وتدخل إلى النظام الرقمي تُغلق معها نافذة جديدة من نوافذ الرشوة والتلاعب.
كما يتطلب الأمر قضاءً مستقلاً لا يخضع لأي ضغط سياسي أو اقتصادي، وهيئات رقابية تمتلك صلاحيات حقيقية للوصول إلى الملفات الكبرى دون خطوط حمراء أو حصانات غير مبررة. فالعدالة التي تتوقف عند صغار الموظفين ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للفساد بأشكال جديدة.
إن المعركة ضد الفساد ليست معركة مالية فقط، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية نفسها. فالدول لا تسقط دائماً بالحروب والغزوات، بل قد تنهار من الداخل عندما تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتوزيع الغنائم بدلاً من خدمة المواطنين. والتاريخ يعلمنا أن الحضارات العظيمة لا تفقد قوتها بسبب الفقر، وإنما بسبب تآكل منظومة النزاهة والعدالة فيها.
العراق اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن ينتصر مشروع الدولة والقانون والمؤسسات، وإما أن تستمر دوامة الهدر والفساد واستنزاف الثروة الوطنية. وبين هذين الطريقين تتحدد ملامح مستقبل وطن يمتلك من الإمكانات ما يؤهله ليكون في مقدمة الأمم، لو أن ثرواته أُديرت بعقل الدولة لا بمنطق الغنيمة، وبأخلاق المسؤولية لا بشهوة الاستحواذ، وبسيادة القانون لا بسطوة النفوذ.




