ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الأحد، 20 سبتمبر 2026 SAALIK — Nr. 38
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
20 سبتمبر 2026
ياس الركابي ـ الشاعرة والقصصية والاديبة والإعلامية(((سناء وتوت)))
الرئيسيةثقافة و فنمراد سليمان علو ـ بيت الأحلام ولوحات مروان…

مراد سليمان علو ـ بيت الأحلام ولوحات مروان الرسام

ثقافة و فن

مراد سليمان علو ـ بيت الأحلام ولوحات مروان الرسام

بيت الأحلام ولوحات مروان الرسام

مراد سليمان علو

إن كنت ساذجاً، فهذه مشكلتك وحدك. ليست مشكلتي، ولا مشكلة الأمم المتحدة؛ إنها مشكلتك، لأنك بدلاً من تقديم النصائح للثعلب وتعليمه خدعاً وحِيَلاً جديدة، تسمع طوال الوقت حِيَله القديمة، وتمارس حِيَله المستهلكة للإيقاع ببني جلدتك.

والمثير للسخرية أن صديقنا الثعلب، في هذا الوقت الطيب الذي تقضيه معه، يفكر بطريقة يخدعك بها مثل الآخرين. على العموم، إنها نتائج سذاجتك، والمضحك في الأمر أنك دائماً ستكون بحاجة إلى قزم مغامر، مثل (نيلز)، يخلصك من ورطتك وينقذك.

طبعاً تفكر بالانتحار، وستنتحر؛ فأنت تشعر بضيق المكان وتحاول مساعدتنا بفسح المجال، وما تقدر على فعله من أجلنا هو الانتحار.

لن ألومك على فعلتك، وسيأتي دورك لتنـال وساماً أو درعاً مثل الآخرين. لا بأس يا صديقي، فقد تربينا معاً على الشعور بالذنب.

كانت اليهود في أمان الرب، مطمئنة في بيوتها ومتيقنة بأنها ستدخل الفردوس من أوسع أبوابه، فذهبنا إليهم متبخترين، وأسرناهم جميعاً وجلبناهم إلى بابل ليخدمونا، مما اضطر جبريل إلى تغيير مسار هبوطه ليسلم أوامر القسم الثاني إلى النبي عزرا في بابل.

وبعد أن فعل بنا الفرس ما فعلناه باليهود وحرقوا بابل، بدأ العتاب بيننا وبين اليهود المساكين، وشعرنا بالذنب.

منذ الفرمان الأول، وكلما جاء فرمان، شعرنا بالذنب.

نسينا اليهود، وابتلينا بالالتفات إلى أنفسنا؛ لأن الفرمانات لا تتوقف، وكأنها بول شخص مصاب بالسكري.

وربما كان الذنب عندنا مثل ذلك الضيف الثقيل الذي لا يحتاج إلى دعوة؛ يأتي وحده، يجلس في صدر المجلس، يأكل معنا، ويظل معنا حتى بعد أن ينصرف الجميع.

الآن، المطلوب فتح بعض الأبواب والدخول علناً. أنت عليك الالتزام بهراء القارئ، لألتزم بدوري بتفاهات الكاتب.

سأفضحك، وهذا هو هرائي، ولستَ ملزماً بقراءة فضائحك، وهذا هو هراؤك.

أول أنثى وآخر أنثى تدخل سوق المخيم الشعبي، تقول لها، إنك تدخلين السوق غزالة شاردة، ولا يليق بك هذا المكان، ولا يليق بك سماع كلمات السوق السوقية.

أنت ملتزم بكلماتك ككراس بيد الجنود لتعليم الصولات الليلية، وهذه الكلمات تبدو وكأنها تمهد الطريق لك لفعل شيء، وهي، بطبيعة الحال، وكما تعلم، مجرد أكاذيب.

الناس لم تعد تثق بالكلمات؛ فهي لا تجبر الخواطر هذه الأيام. ألا تخيفك سرد الحقائق قبل وقوعها؟

يوم أمس كنت في حفلة لأحد شيوخ عشائرنا، وقرأت لهم بصوت عالٍ قصيدة عن الملابس الداخلية الملوّنة، ففرح بها جداً، وبدأ يقدم لي قطعاً صغيرة من مخه بدلاً من مخ الذبيحة التي على طاولة الطعام، ويقول بفرح طفولي، شكراً لأنك أثنيت على طريقة تسريحة شعري.

عندما تكتب الشعر لمن هب ودب، سيأتي وقت لا تنسجم فيه مع عضوك التناسلي، وسيعدّ الناس شعرك مجرد كلمات، ولن يثقوا بذهابك إلى المريخ ضمن وفد لإيجاد علاج لسلاسة البول وإيجاد حل جذري للقضية التي تنفش ريشك من أجلها.

تأكد بأن المشروبات الغازية تضر بالصحة، وكذلك المشروبات الروحية والتبغ والقهوة والملح والسكر والدقيق الأبيض؛ لذا يثور الناشطون الشباب ويقولون بصوت عالٍ، على الحكومات وقف إنتاجها، فترسل لهم حكوماتهم خطاب تعيين براتب مجزٍ.

الإعلاميون يتخبطون في تفكيك الحكمة التي تقول:

“لا يمكنك أن تجعل الثعلب ذئباً.”.

لا تحاول أن تعلم شخصاً كيف يكتب، فسيكتب بكل الأحوال. وستنشر كتاباته، وسينال الجوائز، وستشعر بالغرور لأنك علمته الكتابة؛ فلا تفعل، لأن الكلمات لا قيمة لها. والجوائز لا قيمة لها. والمديح لا قيمة له.

فقط ذلك السكير الذي يكون صاحياً ساعة أو ساعتين، ويقرأ لك، ثم يرجوك كمحارب ذاهب إلى حرب عبثية، وتحس بالألم في كلماته وهو يقول لك بنبرة حزينة:

“أرحم عظامي، ومن أجلها أستمر بالكتابة”.

حينها ستشعر ببلبلة سوق بابل في داخلك، وستخرج لتبحث عن شابة لتراقصها في ذلك المساء، ولن تسمع نشرة الأخبار، ولا تعير أهمية للأنواء الجوية، وستنسى نصائح طبيبك، وستشكر كلماتك لأنها تعالج آلام المحاربين.

السر لا يكمن في أن تعطي ما تملك لصنعتك. السر كل السر أن يعثر عليك سكران أو مجنون أو صعلوك، ويشتمك ويلعنك ويقول لك:

“ماذا فعلتَ لك لتوقظني من سباتي بكلماتك؟ ماذا فعلتَ بك لتسوق هذه الفراشات البرتقالية نحوي؟”.

حينها ستبتسم مثلي وستقول، نعم، الكلمات أيضاً لها سحرها!

لتجري مقابلة معي، لست بحاجة إلى أن تصبغ شعرك باللون الفضي اللامع؛ لأنك مهما حاولت، لن أمنحك نصاً يقرص أو يطعن أو يجرح.

قصائدي تجتاح القرى الطينية وتقلب التنانير السومرية رأساً على عقب، وهي تبحث عن بقايا خبز يابس ـ للكرط ـ وللعبور إلى الجهة البعيدة.

شكلنا مثل كلماتنا، لم يعد مهماً. يقول (راج كابور) وهو يعبر ساحة سيباى الموحلة، حاملاً طرف دشداشته البيضاء بيد، وباليد الأخرى إعلان فيلمه الجديد.

كان راج كابور يرفع الإعلان فوق رأسه كي لا يبتل بالطين، بينما كان أهل سيباى ينظرون إليه بدهشة؛ فالرجل الذي جاء من الهند لم يفهم لماذا يصرخ الجميع كلما غاصت قدمه في الوحل. وبعد قليل فهم أن الوحل نفسه كان جزءاً من الحكاية، فخلع حذاءه ومشى حافياً، وكأنه يعرف سيباى منذ طفولته.

تفحص جيوبك جيداً، ففيها بعض حبوب الفيتامينات غير الضرورية مثل كلماتك، وربما ستعثر على مفتاح باب غرفة صديقي الفنان (مروان الرسام)، فقد تركه عندي للطوارئ. ويمكنك زيارته، فهو أيضاً طباخ ماهر، ولكنه لا يجيد التحدث. فقط يرسم ويطبخ ويبتسم، ويدخن، طبعاً، يدخن الكثير من السجائر الرخيصة.

يحيل الكلمات إلى لوحات، وينتقم من سجائره كأعداء، فيشعلها واحدة بعد الأخرى، وحبيبته السابقة تلومني وتقول إنك أنت من حشوت رأسه بكلماتك الفارغة، فتركني وأضرب عن الزواج.

مروان لا يتحدث كثيراً، لكنه حين يرسم يضع أمامه طبقاً من الطعام، وسيجارة، وكوباً من الشاي، ثم يبدأ. لذلك لا أعرف حتى الآن إن كان يرسم لوحاته أم يطبخها.

وفي غرفة مروان لوحة لا تشبه أياً من لوحاته. بيت طيني صغير، بابه مفتوح، وفي داخله رجل نائم. سألته مرة، من هذا؟ فأشار إلى نفسه. قلت له، ولماذا أنت نائم؟ ابتسم ولم يجب. ومنذ ذلك اليوم وأنا أعتقد أن الرجل في اللوحة ليس مروان، بل أحلام مروان التي تعبت من انتظاره.

لا تهمني كلماتي، أأثارت اهتمامك أم لا؛ ما يهمني هو أن أثير أنا اهتمامك وأجعل منك معتوهاً يركض خلف الجوائز.

الذين لا يتكلمون عادة يوافقون على كل شيء. وما أن تتحرك كلماتهم حتى يتهموك بالمجيء إليهم في الوقت غير المناسب، تماماً كرؤساء عشائرنا، المعتوهين.

بعد حرث مجهد، وتعب شديد، ودوخة مستمرة، ستعثر على أحلامك، وبعد فوات الأوان ستعلم بأن الأحلام بحاجة إلى بيت تسكن فيه.

أبوك يريدك مثل القيصر، وأنت تتصرف مثل ميكي ماوس وتصر على تنظيف أذنيك.

التسكع أعطى للأحلام رونقاً شبيهاً بالسنابل السمراء التي تنتظر المناجل بفرح.

يقول الغراب: الجمال يصلح ليكون بيتاً للأحلام، ولكن أمسية في العراء ونار متأججة تتخللها عزف سيئ على الكيتار أو طنبور شنكالي تختلف عن ليلة في جبل شنكال مع نار من خشب البلوط وعرق بعشيقي وجنية تتراقص وتريك درب بيت الأحلام، فتتسلق أقرب غيمة وتنسى بأنك أسرفت في الشرب.

منعاً لأي لبس، الغراب الذي قال هذا، ليس هو ذلك الغراب العطشان الموجود في كتاب قراءة الصف الثاني الابتدائي.

هذا غراب آخر. هذا الغراب قرأ كثيراً، وشرب قليلاً، وهاجر أكثر من مرة، ولذلك لا تثق بكل ما يقوله؛ فالغراب الذي يهاجر كثيراً يفقد أحياناً القدرة على التمييز بين السماء والوطن.

هناك طرق عدة للذهاب إلى البيت، السكر، التأمل، العثور على كابوس مناسب، أو استئجار ليموزين، فلا تنسَ أنك في أوروبا.

التفكير في الحلول يؤذينا جداً، كما الغناء بات يؤذي ياس خضر مؤخراً ـ مات الله يرحمه ـ لذا عليك أن تكون شاكراً على كسرة الخبز التي ستتناولها في العشاء، وإلا غضب عليك الله وأرسل لك لحم غزال مشوياً وبيرة بابلية سوداء.

تتمنى لو تعود فتى في الرابعة عشرة من عمره، لا لتتبين سبب أول ممارسة للعادة السرية، بل للتعرف إلى الفتى ماوكلي، ليقينك بأنه يعرف طريق العودة إلى بيت الأحلام أفضل من صاحب أنكيدو.

الوحدة هي بيت الفن.

الهدوء هو بيت الأدب.

الجنون هو بيت العبقرية.

أما الأحلام فلها بيوت عدة بعدد بيوت قرى شنكال الطينية، وبعدد قصائدي.

بعدد لوحات دالي المجنون لغالا الجميلة، وبعدد لوحات صديقي مروان الرسام التي لا تباع.

ولو كانت الأحلام تباع، لكان مروان مليونيراً. لكنه، لسوء حظه، يرسم في زمن لا يشتري فيه الناس الأحلام؛ يشترون إطاراتها فقط.

الرَّقم القياسي لتناول الموز هو لقرد يسكن محبرة كاتب من جنوب أفريقيا، لا يهمه ما يجري في شنكال، ولا يهمه سبب تدمير بيت الأحلام.

والتواصل مع رسامة من (مدينة بريمن) أشبه بتقليد صوت طائر الزرزور وهو يحكي بألم قصص فرامين العثمانيين على الإيزيدية المساكين.

شرف هو وضع قلب الدجاجة المطهي في صحنك، ولكن هذا لا يعني بأنك تعرف طريق بيت الأحلام الطيني، ونصائحي لم تعد مفيدة لك.

لماذا كلما سألنا عن الصغار ترتسم على وجهك بقعة ساخنة من آب؟

وكلما سألتك عن السبايا، تركض في حقل ثلجي هرباً من الجواب المملوء بالسكاكين المسروقة من فيلم (سايكو) لـ(ألفريد هتشكوك).

وأحياناً أفكر أن أكثر ما يخيفنا ليس السؤال عن السبايا، بل أن نجد يوماً من يملك الشجاعة ليسأل: ماذا فعلنا نحن بكل هذه الذاكرة؟ أين وضعناها؟ ومن سمح لها أن تتحول إلى صور معلقة على جدران بعيدة؟

بيت الأحلام زوجة تجيد صنع خبز التنور، وبيت دافئ يغلي على مدفأته قوري الشاي العراقي المهيل، ومزاج يشبه مزاجي لسحب أكبر كمية ممكنة من دخان الغليون، وتحضير دستة أطفال لفرمان قادم.

بيت الأحلام ليس بيتاً مثالياً كما يظن البعض. فيه أطفال يتشاجرون، وامرأة تصرخ، ورجل يبحث عن نظارته وهي فوق رأسه، وقوري شاي يغلي أكثر مما ينبغي، وقط يسرق قطعة لحم من المطبخ، وجار يطرق الباب في أسوأ وقت ممكن. لكنه، مع ذلك، بيت أحلام؛ لأن الإنسان لا يحلم بحياة كاملة، بل بحياة يستطيع أن يحتمل نقصها.

آه، ما أجمل بيت أحلامي.

آه، ما أرعبه!

فالأحلام، مثل البيوت الطينية، لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة حتى تسعنا. يكفي أن يكون لها باب. والمشكلة أنني كلما وجدت باباً لبيت أحلامي، اكتشفت أن المفتاح في جيب مروان الرسام، وأن مروان نائم، وأن حلمه هو الآخر يبحث عن مفتاحه.

وربما لهذا كله، ما زلت أفتش في جيبي.

مقالات ذات صلة