ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الإثنين، 20 يوليو 2026 SAALIK — Nr. 30
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
20 يوليو 2026
د. غازي هلال ـ لماذا تقول ما لا يفهم ؟
الرئيسيةثقافة و فنمراد سليمان علو ـ   إبراهيم خدر رشو بطل…

مراد سليمان علو ـ   إبراهيم خدر رشو بطل الساحة والميدان

ثقافة و فن

مراد سليمان علو ـ   إبراهيم خدر رشو بطل الساحة والميدان

  إبراهيم خدر رشو بطل الساحة والميدان

ـ صاحب الكُلَى الأربع ـ

مراد سليمان علو

الأسطورة الكرمانجية تقول:

من وضع الله في جسمه أربع كلى هو بالضرورة شجاع. وأيضا يقال عن الذي قام بفعل شجاع، لا عجب فهو من ذوي الأربع كلى.

هذه الأسطورة الغريبة لها جذور في واقعنا الاجتماعي، وهي بالتالي مثل شعبي يستعان به لتوضيح شجاعة شخص، فيقال إنه يملك أربع كلى. أي إنه شجاع جدا.

أسوق هذه المقدمة لأصل إلى حكاية بطل من مدرستي التي لا أزال أحبها، بل ميتم بها وبأجوائها وبمعلميها وبزملائي وأصدقائي التلاميذ فيها، (مدرسة سنجار الثانية الابتدائية للبنين) ـ سمعت إنهم غيروا اسمها، وحزنت لذلك كثيراـ بطل من بداية سبعينات القرن الماضي اسمه (إبراهيم خدر رشو).

كان يتكرر اسمه كأول الواصلين في سباقات المئة متر، والمئتين متر، وطفر العريض وغيرها من الألعاب الرياضية البدنية التي كانت مدارسنا الأبتدائية تقوم بالتنافس فيما بينها كل عام دراسي في الربيع، وهو من ضمن فريق كرة السلة، وكرة الطائرة أيضا تحت أشراف المدرب الأستاذ أديب. وغالبا ما كانت مدرستنا، مدرسة سنجار الثانية الابتدائية للبنين، أو مدرسة سنجار الأولى الابتدائية للبنين تكون الأولى وتأخذ الكأس، وعندما تنال مدرستنا الكأس فهذا يعني إن بطل الساحة والميدان هو إبراهيم، وطبعا أتى من بعده أبطال عديدون من أمثال (برجس خدر) و (كريم جميل) الذي كنا نسمّيه كريم غزالة لسرعته، وغيرهم من الأبطال.

في برد مدن أوربا وعندما تصل الكآبة حدا لا تسمح لك بمزاولة نشاط غير اجترار ذكريات شمس سنجار وأهلها الطيبين، بحثت عن (بطلي) إبراهيم، ووجدت له صفحة على الفيسبوك، لا حياة فيها ولا نشاط وعدد الأصدقاء بعدد أصابع اليد، أرسلت له طلب صداقة مرفقا برسالة، ولكنني لم أتلق جوابا. لابد إنه منزوي ويجتر ذكريات الماضي عندما كان بطلا للساحة والميدان ويشار له بالبنان.

مرّة كنت جالسا في مقهى في السوق التحتاني أتابع برامج التلفزيون المسائي، وإذا بأحدهم يتنمّر عليّ دون وجه حق، لا أتذكر اسمه ولكنه كان من أولئك الصّناع الذين تركوا الدراسة وعملوا في ورش تصليح السيارات. فقد كانت الدهون والشحوم واضحة على ملابسه المتسخة (يريد يصير فيترجي).

في هذه الأثناء كان إبراهيم جالسا على التخت الآخر القريب منا، وكان يلاحظ تنمره علي، فصاح عليه بما معناه:

“أتركه وشأنه”.

انسحب ذو الملابس الملطخة بدهن السيارات، كثعلب يرى أسدا، وقال وهو ينظر إليّ معتذرا:

“ماذا أفعل لك، يقال إنه من ذوي الأربع كلى”. أي بما معناه أنت محظوظ اليوم، لأن إبراهيم الشجاع الذي يمتلك أربع كلى وقف إلى جانبك وليس لي إل أن انسحب مهزوما. انتهت المشكلة، وشعرت بالفخر يومها.

وتمر السنوات بسرعة خطوات إبراهيم في قطعه المئة متر، وأتعّين بعد تخرجي في المصرف الزراعي في سنجار، وأحيانا كنت أرى إبراهيم دون أن أتعرف عليه، وأعرفه. وهذا من أعجب ما حدث لي، كنت أمشي مع الصديق الصدوق الأسد أبو ريان (على حما قاسكي) ـ الله يرحمه ـ في السوق، يسلم علينا إبراهيم ويبتسم، ولكنني لم أتعرف عليه للأسف، فقد بدا لي بدينا ومنتفخ الوجه ذو شوارب خفيفة.

لاحقا وبعد أن سكنت إحدى مدن ألمانيا وتابعت إحدى الصفحات الشنكالية الخاصة بالرياضة وجدت صورة لنفس ذلك الشخص الذي كنت التقي به، ويبادر بالسلام علينا. ومكتوب تحته بطل الساحة والميدان أيام السبعينات إبراهيم خدر رشو.

بقيت أتأمل الصورة وتذكرته عندما كان يسلم علينا، ولم أتعرف عليه حينها، أشعر بالأسف الشديد الآن، وأنا أعتذر منك أخي إبراهيم.

أعلم جيدا إن حياءك، وأدبك هو الذي دفعك أن تكتفي بالابتسام دون أن تبادر بالتعريف بنفسك مرارا وتكرارا كما يفعل بعض الناس، ولكنني لم أعرفك حينها.

يقول حكماء شنكال، إن المواويل الشنكالية التي يؤلفها عشاق غابات التين، وتغنى في القرى الطينية في شتاءاتها الباردة، هي عواطف مكبوتة تخرج بغتة، وأنت يا صديقي تستحق أن يتغنى بك، ويكتب عنك الأشعار، وتغنى من أجلك المواويل الشنكالية.

لقد كتبت لنا بخطواتك السريعة التي لم يسبقك أحد في تلك السنوات مجدا شخصيا، وذكريات ما تزال تنز منها صباحات عطرة كلما تذكرت تلك الساحات المغبرة، وتلك الكرنفالات البهيجة من أجل الاحتفال بأنفسنا، وبوجودنا قبل كل شيء.

تلك الصرخات الطفولية، والتصفيق الحاد إلى أن تحّمر أكفنا كانت هديتنا لك عندما تفوز، ودائما كنت تفوز، فلم نكن نتخيل بطلا للساحة والميدان غيرك.

ولو قدر لي من جديد أن ألتقي ببطلي إبراهيم يوما ما، سأسأله:

“كم كلية تمتلك في داخلك أيها الشجاع؟”.

بالتأكيد إنها أكثر من أربع.

مقالات ذات صلة