رامبو: الحياة في الشعر .. والشعر في الحياة رامبو: و ( تحرير الحواس )
بقلم: مؤيد جوّاد الطلال
دراستي عن رامبو كما نشرت في مجلة الموقف الادبي, وأعمل باستمرار على توسيعها لاسيما أن ترجمة الآثار الشعرية الكاملة لرامبو وقعت بيدي ، وهي من ترجمة صديقنا كاظم جهاد، وتحتوي على دراسات مضيئة مهمة. تحياتي ومحبتي للجميع
نظرية الرائي وفكرة الإلهام تنطلق نظرية الشعر التنبؤي, التي يجسدها / يمثلها ( آرثر رامبو ), من سعي الشاعر لأن يكون عرافاً أو متنبئاً أو نبيّاً .. هذه النظرية التي ترتبط بوجود علاقة غامضة على نحو من الأنحاء بين شخص الشاعر وما يظن أنه مُلهم أو يُوحى إليه, أو أنه يستلهم أفكاراً وصوراً – وربما حتى أصوات في بعض الأحيان – من قوى خارقة قد تكون سماوية أو مرتبطة بكائنات غريبة يسميها بعضهم (( الجان )), والبعض الآخر يسميها أرواح الأسلاف أو الأرواح التائهة الهائمة في الفضاء الخارجي !! ولعل العرب لهم تجربة خاصة في هذا المضمار قبل الإسلام, حيث تفيد بعض الروايات بأنّ الشعراء القدماء كانوا يرتادون وادي { عبقر } لاستلهام الرؤى الشعرية التي يصيغونها ويعبرون عنها بطريقة شفوية تجعل صورهم الشعرية ولغتهم مميزة واستثنائية أو ما يُطلق عليه أحياناً بالصيغة الإعجازية ..
ومن هنا اشتقت كلمة (( عبقري )) في اللغة العربية لوصف الشخص المتميز عن الآخرين في أفكاره ورؤاه, واستنباطاته الذكية, أو معرفته الواسعة, أو اختراعاته الذهنية – النظرية والعملية على حدٍّ سواء. والأمر مرتبط بشكل من الأشكال بما كان يسمى بالعرّاف, الذي غالباً ما يكون حكيماً وطبيباً مُعالجاً, وربما شيخاً أو زعيماً لقبيلته, مع أخذ صفة وموهبة السحّار ( الساحر ) والمتنبئ الذي يكشف الحجب عن المستقبل .. وما إلى ذلك من هذه الأمور التي جعلت بعض المفكرين الماركسيين [ جورج طومسن على سبيل المثال ] يعتبرون إنّ سحر الساحر وحكمته ومعرفته, ومعالجته لبعض الأمراض, هو شكل من أشكال التكنولوجيا البدائية في تلك العصور الغابرة التي ستتحول لاحقاً إلى ما يشبه الطقوس والممارسات الجمعية لتأسيس بُنية معرفية تشكل القاعدة المادية العملية لانطلاق العلوم والمعارف البشرية المتوالية, والمتراكمة, والمتجهة نحو عصور الأنوار والمعرفة والتجارب المخبرية والحساب والهندسة وعلوم الفلك .. الخ, والتي تؤسس بدورها للنهضة العلمية للإنسانية / البشرية بدءً من حكماء وفلاسفة وعلماء الإغريق وانتهاءً بالحضارة الغربية في عصر النهضة, مع المرور طبعاً بالكم الهائل من اختراعات وانجازات العلماء العرب والمسلمين في كل مجالات الحياة.
وإذا ما عدنا إلى ( رامبو ) كإنسان فرد وشاعر, فقد كان يعتقد أن ثمة وحي يُملي عليه كتابة الشعر, وإنّ (( الذكاء الكوني )) يفكر من خلاله؛ إذ أن الشاعر الرائي لا ينتج أفكاره وآراءه, بل جلَّ ما يفعله أنه يلتقط الخواطر التي تنثرها حوله هذه القدرة الخفية اللامرئية, التي هو الوسيط بينها وبين البشر .. إنّ مهمته تتلخص في أن يكشف عن وحدة الكون بفضل المحبة. إنه نبي يملك القدرة على قراءة أسرار الماضي, وعلى التنبؤ بالمستقبل. إنه يتوصل إلى معرفة الفكرة المطلقة الصافية, التي هي في أساس تكوين العالم وانسجام الأشياء.
ومع أن فكرة ( رامبو ) هذه عن وجود وحي يملي عليه كتابة الشعر, وأنّ (( الذكاء الكوني )) يفكر من خلاله, وأنه وسيط بين ” القدرة الخفية اللامرئية ” وبين البشر, تتناقض كليّاً مع السعي الشخصي والجهد المبذول من قبل ( رامبو ), وإجبار نفسه على تغيير طرق الحياة من أجل الوصول إلى شِعرٍ آخر, شعر مميز شبيه بالأوبرا الخرافية التي رسمها لنفسه, والذي سنعود إلى تثبيته ومناقشته .. غير أنني أودّ تثبيت تجربة مرّت عليّ قبل نصف قرن تؤكد لي حقيقة وجود قوى << خارقة >> في دماغ الإنسان, قوى غير تقليدية – [ ولا أقول غير طبيعية ] – تستطيع اختراق الغامض المجهول, أو ما يسمى أحياناً بالغيب, وترى ما لا يراه الإنسان العادي !! المواهب الاستثنائية الخارقة كنت يومئذ شاباً يافعاً, وكان التلفزيون يبث في أوقات محددة من اليوم وباللونين الأساسيين: الأسود والأبيض. يومها لم يكن ثمة مونتاج أو تسجيل وتقطيع وتغيير أو حيل سينمائية .. الخ من أجل تشويه وتزييف الحقائق كما تفعل القنوات النفطية اليوم.
كان تلفزيون بغداد يبث في الفترة الليلية بشكل مباشر, وكنت أتابع أحد البرامج الاجتماعية ذات الطابع العلمي والإنساني حين رأيت مُقدِم البرامج { فخري الزبيدي – على ما أتذكر } يقدم فتى يافعاً باعتباره معجزة خارقة؛ إذ كان الأساتذة الحاضرون من العلماء يطرحون عليه أرقاماً حسابية طويلة ويطابقون جوابه مع الحاسوب الالكتروني الذي كان بحجم ثلاجة / برّاد ( أو مجمدة عمودية كبيرة ) .. أرقام تقتضي ورقة وقلم, وإجراءات حسابية طويلة ومعقدة, للوصول إلى نتائج مضبوطة ودقيقة. أما الفتى اليافع << عادل شعلان >> فقد كان يكتفي بإغماض عينيه, والصمت لبضع ثواني, قبل أن يعطي الجواب الصحيح !! مرة قارن الخبراء جواب الفتى مع جواب الحاسوب فوجدوا عدم تطابق بينهما ؛ فقال مُقدِم البرنامج: (( هنا أخطأت يا عادل )). فما كان من الفتى إلا أن قال للمذيع: أعد عليّ الأرقام من جديد, ثم كرر إغماض عينيه وصمته البسيط, وأعاد الجواب نفسه مضيفاً قول العبارة التالية: – لابد أن الحاسوب هو الذي أخطأ. وحين أُعيدت الإجراءات العملية مرة ثانية, أعطى الحاسوب رقماً ونتيجة مطابقة لجواب << عادل >>؛ فما كان من مقدم البرنامج إلا التصفيق والقفز والصراخ الهستيري: * الله أكبر .. الله أكبر. لقد أخطأ الحاسوب ولم تُخطئ أنت يا فتى. إنّه لأمر عجيب !! وحين سأله: كيف تعرف الجواب بمثل هذه السرعة والدقة, على الرغم من أن الأمر يحتاج إلى إجراءات حسابية طويلة لا يصل إليها إلا الضالعون بالعلم والمعرفة ؟! – حين أغمض عينيّ أرى الجواب واضحاً كاللوح المسطور على سبورة, أو ورقة بيضاء. أجاب << عادل شعلان >>. وبقي جوابه هذا يشغل ذهني, يقبع في دهاليز روحي وتلافيف ذاكرة دماغي في الآن معاً.
ولذلك كنت أسأل بين الحين والآخر عن مصير << عادل >> لحين ما عرفت أنه انتهى إلى موظف دائرة زراعية في وزارة الزراعة؛ لأنه حين تخرج من ( البكالوريا ) بعد الخامس الإعدادي – السنة الأخيرة التي تحدد مصير الطالب تلك الأيام – كانت معدلاته لا تتيح له الدراسة في ما كان يسمى بالكليات المرموقة. أي أن العراق لم يستفد من موهبة الطالب << عادل شعلان >> الخاصة, الاستثنائية والخارقة, ليوجهها التوجه الصحيح منذ البدء, مذ أن كان طالباً في المدرسة المتوسطة, وشاهد الناس عبقريته الإعجازية في تلفزيون بغداد آنذاك ! وهكذا تضيع المواهب والعبقريات, تارة بسبب نظام التعليم والتأهيل التقليدي البائس, وتارة بسبب الإهمال العام والإهمال المعرفي والثقافي والعلمي على وجه التحديد والخصوص .. في حين يرعى العالم الغربي الطفولة ويكتشف مواهبها وهي براعم, في الروضة؛ لينمي هذه المواهب ويوجهها الوجهة الصحيحة, مخترقاً اللوائح القانونية التقليدية ومتجاوزاً لها كي لا تضيع الموهبة, أو تنتهي إلى غير مآلها السليم.
بالطبع أن الحديث عن أمور كهذه يطول, ولكل منا تجربة ما في هذا المجال, إن لم أقل مجموعة تجارب ومعارف. وقد أصبح العِلم يعترف اليوم بوجود خوارق وظواهر غير قابلة للتحليل والتفسير في المرحلة الراهنة لتطور العلوم والمعارف البشرية. وقد عبر القرآن الكريم عن الفارق بين الرؤية البصرية العادية وبين البصيرة؛ ولذلك عرفنا أن العمى لا يصيب العيون بقدر ما يصيب القلوب التي في الصدور .. وهو تعبير مجازي عن موضوعة الإيمان وقضية الفهم والإدراك والتبصر والبصيرة والرؤية غير التقليدية .. الخ. غير أن ما يهمني من حكاية << عادل شعلان >> ومعجزة ( رامبو ) الذي قال عنه { هنري ميللر } بتعجب شديد: وانتهى في التاسعة عشرة ! وأضاف: (( لو أني قرأت ( رامبو ) في فتوتي, لما استطعت أن أكتب سطراً أبداً. كم ميمون هو جهلنا أحياناً !! )) – أقول إنّ ما يهمني هنا هو الوقوف عند قضية الإلهام, الوحي, الأمور الخارقة .. أو أي شيء من هذا القبيل. تجربة شعرية قل نظيرها كل الكتب والأخبار والأبحاث التي تتحدث عن تجربة ( رامبو ) الشعرية والحياتية تؤكد أنه توقف عن كتابة الشعر في هذه الحدود العمرية اليافعة بعد أن أنهى كتابه (( فصل في الجحيم )), وأرسل قصيدته الأخيرة المعنونة // حُلم // إلى صديقه ( أرنست دلاهاي ) لتعبر عن وداعه النهائي للشعر. بل إن شعر وحياة ( رامبو ) أصبحتا مادة دسمة لمئات = إن لم أقل آلاف = الأبحاث والدراسات في تحليل هذه المعجزة الإبداعية التي لم تعرفها التجربة الشعرية العالمية من قبل, والتي يدور معظمها حول المفارقة / التناقض بين عمر الشاعر وقوة شعره؛ كما لو أنه حقاً شاعر يُوحى له بالشعر. وسنكتفي بالاستشهاد من كتابين أحدهما للكاتب الأمريكي { هنري ميللر } بعنوان (( زمن القتلة )) الذي ترجمه الشاعر العراقي ( سعدي يوسف ), والثاني من إعداد (( سمير الحاج شاهين )), دون الإشارة إلى أرقام الصفحات على الطريقة الأكاديمية؛ لأنني لا أريد لهذه السطور أن تكون بمثابة دراسة واستخلاص نتائج وأجوبة, بقدر ما أريد لها أن تكون مجموعة أسئلة ستظل البشرية تطرحها باستمرار على الرغم من تطور العلوم والتكنولوجيا والاكتشافات والاستكشافات النفسية والفضائية على حدٍّ سواء: أي ما هو في داخل الإنسان, وما هو في خارجه المطلق وغير المحدود!!
وبسبب هذه المفارقة بين عمر ( رامبو ) – عمره الأدبي, أي بمعنى سنوات ابتكاراته القصيرة المحدودة جداً – والذي يمكننا أن نقول عنه قصير وبين إبداعه الذي يُوصف بالعميق, فقد حيكت حول ( رامبو ) الإنسان والشاعر هالة غريبة عجيبة لم يحض بها شاعر من قبل في تاريخ البشرية .. وكما قال [[ جاك بريفيير ]] فإن رامبو استنفذ في سنوات ثلاث, عصور الفن كلها, كما أنه ضمّ حيوات عديدة داخل نفسه. أما بالنسبة للشاعر الفرنسي << بول إيلوار >>, صاحب ديوان ” عيون ألزا ” الشهير, فقد اعتبر أن الطاقة التنبؤية في الشعر والوصول إلى مرحلة (( الشاعر العرّاف / المتنبئ )) لا يمكن أن توجد إلا عند شاعرٍ راءٍ, شاعر مثل رامبو من الذين (( يخلقون عيوناً جديدة )) ! أما الناقد ( البير تيبوديه ) فقد اعتبر رامبو من أكثر العباقرة غرابة بين جميع أدباء العالم, كما ورد في كتاب (( سمير الحاج شاهين )) .. وحين أشار الكاتب {{ رينه شار }} إلى وثبة جسد رامبو, وروحه العابثة, مثل طلقة المدفع التي تصيب هدفها مفجرة إياه قال: (( نعم هذه هي بالفعل حياة رجل ! )). غير أن أحداً من الكُتّاب العالميين لم يستفض في الإشادة برامبو ويعملقه, كما فعل الكاتب الأمريكي المعروف { هنري ميللر } حين تساءل: “لماذا أعبد ( رامبو ) فوق الكُتّاب الآخرين ؟! ” لست شغوفاً بعبادة المراهقة, ولا أقول لنفسي إن رامبو عظيم, شأن كتاب آخرين قد أشير إليهم. لكن شيئاً فيه هزني أكثر مما فعله أيّ شخص آخر.
وأتيته عبر ضباب لغة لم أسيطر عليها, البتة ! والحق أنني لم أدرك قوة كلماته وجمالها إلا حين حاولت, بكل حماقة, أن أترجم في رامبو, أرى نفسي, كما لو كنت أنظر في مرآة ولا أجد أي شيء قاله غريباً عني, مهما كان وحشياً, أو غير معقول, أو عصيّاً على الفهم. ينبغي أن تستسلم كي تفهم عمل شخص ما. وقد قمت بهذا الاستسلام منذ اليوم الأول الذي نظرت فيه إلى عمله. قرأت أبياتاً قليلة ذلك اليوم, قبل عشر سنوات أو نحوها, وأبعدت الكتاب جانباً, بعد أن وجدتني أرتعش كالورقة. وتولد لدي أحساس آنذاك, وما يزال يلازمني, بأنه قال كل شيء عن عصرنا. بدا لي كما لو أنه نصب خيمة في الخلاء. كان الكاتب الوحيد الذي قرأته, وأعدت قراءته, بفرح واهتياج عارمين, دائماً, وكنت أكتشف, على الدوام, شيئاً جديداً فيه, وأهتز, بعمق, على الدوام, لطهره. كل ما أقوله عنه, ليس سوى محاولة, ومداخل – ليس أكثر من لمحة. إنه الكاتب الوحيد الذي أحسده على عبقريته, أما الآخرون جميعاً, مهما كانوا عظماء, فلن يستثيروا غيرته “.
وهكذا لو أراد أي باحث الحديث أو الكتابة عن أهمية ( رامبو ) – وخاصة نقطة التماس بين حياته الشخصية وتجربته الشعرية – وذهب إلى بطون ومتون الكتب وسطور المجلات الأدبية المختلفة, ونبش في السير الذاتية, وتجول في المواقع الالكترونية .. الخ لألف كتاباً كاملاً في هذه الفقرة الغنية (المهمة) من مجموع الفقرات الكثيرة التي ميزت شعر رامبو) وأعطته هذه النكهة والحيوية والقدرة على الإدهاش والإبهار. لكن ما يشغل ذهني في مجمل هذه القضايا الإشكالية هو قضية الوحي والإلهام أو الرؤيا التي أصبحت قضية مركزية في أدب وحياة ( رامبو ) أكثر من شعراء وادي عبقر, وكل شعراء لغات الكرة الأرضية !! والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح كبير هو: إذا كان الشخص / الشاعر مثلاً, أو الإنسان المُلهم, الذي يُوحى إليه الشعر – كما يزعم ( رامبو ) ومحبوه أو بعض مفسري ظاهرته الشعرية العجيبة الغريبة حقاً – فلِمَ يسعى الشاعر ويجهد نفسه, ويواجه صنوف العذاب, من أجل أن يكون رائياً ومتنبئاً ؟؟ إنّ الإجابة على سؤال كهذا سيطرح على بساط البحث قضايا إشكالية أخرى, ومجموعة تناقضات, وتساؤلات لها أول وليس لها آخر. وقبل كل شيء علينا أن نلقي الضوء أو نتعرف على نظرية (( الرائي )) ونظرية الشعر التنبؤي التي وضعها ( رامبو ) ونظَّر لها كُتّاب عدّة تناولوا سيرة حياة ( رامبو ) وشعره, وما هي الوسائل التي أتبعها ( رامبو ) لتحرير حواسه كوسيلة ليغدو شاعراً متميزاً .. حيث تفيد هذه النظرية بأن (( مُشاهدة ما لا يُرى, والإصغاء إلى ما لا يُسمع يتطلب طاقة فذة من معدن غير معدن الأرواح الميتة التي تستشرف بها الأشياء عادة. وإنّ مثل هذه الطاقة الفذة لا يمكن أن توجد إلا عند شاعر راءٍ مثل رامبو )), كما أشار << بول إيلوار >> من قبل. قضية تحرير الحواس ولكن كيف يصل الشاعر إلى مرحلة الرؤيا ويغدو رائياً ؟؟ وهل وسيلة تحرير الحواس من الشروط الأساسية لذلك .. فهل كانت علاقة ( رامبو ) الشاذة مع صديقه الشاعر (( فرلين )) وسيلة أم غاية ؟ إذ أن الشاعر الرائي – رامبو مثلاً – لا يكتفي بأن يكشف لنا عن الأشياء الغريبة والطريفة ؛ لأنه يريد أيضاً أن يحرر حواسنا. إنه لا يجدد فقط الصور, بل وأيضاً طريقتنا وأسلوبنا في معاينتها. إنه يغيّر حاسة الرؤية ذاتها. إنه يدرّب خياله على اكتشاف الرؤى الشعرية, واقتناص الصور المجازية ورسم ما لا شكل له وإسماعنا ما لا صوت له … ولذلك فإن ( رامبو ) لا يكتفي بالنظر إلى الأشياء الخارجية, بل يمزق الغشاء الكثيف وينفذ إلى الجوهر, حيث تكمن الاستعارة الفنية ليخلق لنا أغرب وأجمل وأحدث الصور؛ إذ تتراءى له الغيوم مثل (( عربات على دروب السماء, أو مدرسة من طبول صنعها ملائكة )) .. وهو حين يحدق في قاع بحيرة, مثلاً, ماذا يرى ؟! يشاهد غرفة استقبال. إنه يعثر على العجائب والغرائب في كل مكان. وكل مادة تتحول تحت عينيه إلى جوهرة فريدة. إذ إن أقل مشهد وأتفه عنوان وأبسط حادث .. الخ, يصبح تحت نظرته الشاعرية غنيّاً مكتنفاً بالأسرار الغامضة المغرية, ويشكل حافزاً لخياله الجموح, فيمضي يشيّد حوله التصورات المذهلة. ولذا فإن الحروف الأبجدية تستدعي وتستلهم الألوان, والألوان بدورها تصبح رموزاً للعاطفة, والعاطفة تتداخل مع الطبيعة والحياة فتغدو كرنفالاً شعرياً مدهشاً وفائق الحساسية, أو عرساً من الألوان والروائع تسكر حواسنا. ولعلنا نستطيع القول دون مبالغة إن ( رامبو ) هو المؤسس الفعلي لمدرسة الوصف الشعري, رمزية الطابع .. المدرسة التي بلغت ذروتها في شعر سان جون بيرس. كما أن الرواية الفرنسية الجديدة, والتي تُسمى أحياناً بالرواية المضادة, هي الأخرى تستعين من العين الرامبوية بعدها التحليلي التشبيهي – الرمزي خاصة – الذي يعتمد على المجاز والاستعارات المدهشة, والالتصاق الحسي العنيف بالمكان ( الشيئية / التشيؤ ) … وربما ترك رامبو أثره على الأدب الفرنسي عامة, بما في ذلك مارسيل بروست, خاصة في تحفته الرائعة: البحث عن الزمن الضائع. ارتباط الشعر بالحياة ولكن هل ثمة شروط وجهود على الشاعر أن يبذلها ويحققها ليكون رائيّاً أو ليصل إلى مرحلة النبوة ؟؟ كتب ( رامبو ) في سيرته الذاتية التي ضمنها نظريته في الشعر وأسماها (( فصل في الجحيم )) ما يلي: – (( …. إنّ أول دراسة للإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هي معرفة ذاته كاملة, أن يبحث عن روحه, يرصدها, يمتحنها, يتعلمها. ما أن يعرفها حتى يتوجب عليه أن يربيها. هذا يبدو سهلاً: ثمة نمو طبيعي يتم في كل دماغ, كم من أنانيين يعلنون أنفسهم مؤلفين ؟ يوجد كثيرون غيرهم ينسبون إلى ذاتهم الفضل في تقدمهم الفكري ! – يجب أن نجعل روحنا مريعة أسوة بآكلة لحوم البشر, ماذا تصوروا رجلاً يزرع ويربي دمامل على وجهه … … إنّ الشاعر يستقي مادة قصائده من اختباراته الشخصية. كلما عاش تجارب روحية عميقة وفذة, كلما اغتنى شعره. إنّ السكر والمخدرات والتهتك الجنسي قد تكون وسيلة لأن تهز كياننا, وتتيح لنا أن نمرّ بحالات نفسية عنيفة وفريدة من نوعها تخرجنا عن المألوف, وتقودنا نحو عالم خارق للعادة تخصب فيه وحدة الجمال ! فهل كان رامبو يستخدم التهتك الجنسي كوسيلة لتهز كيانه وتحرر حواسه ؟؟ يجب أن يفجر الشاعر كل الطاقات والنزعات والانفعالات الثاوية في أعماقه, وهذا لا يتم له إذا ظلّ غارقاً في رتابة حياة متزنة هادئة ورهينة / مرتهنة … يجب أن يجوب كل مناطق نفسه الدفينة, ويروض كل إمكاناته الداخلية, ويتغلغل إلى كل أصقاعه الباطنية, إذا أراد حقاً أن يبلغ ذروة الإبداع. وهذا ما لا يتوفر له ما لم يخضع لكل الهزات العنيفة, ما لم يتجرّع كل الكحول القوية, ما لم يبتلع كل السموم القاتلة .. .. يجب أن يعزف كل ألحان نفسه إذا أراد أن يكون فناناً كبيراً بحق, وهناك بعض أنغام غامضة ومستترة وبعيدة الغور, تحتاج إلى أوتار سحرية وخطرة كي ترجع أصداءها وتفضي بمكنونها وتعطي كل تموجاتها. إنّ هناك أبواباً في نفسنا مفاتيحها, في يد السكر والعربدة, التشرد والفوضى, الخروج على التقاليد والتمرد على القوانين والأعراف. بما أن الشاعر مضطر – إن أراد بلوغ الكمال – أن يشرع كل مصاريع ذاته, فهو مرغم بالتالي إلى فض كل أقفاله الداخلية مع ما يتضمنه ذلك من تعرض للمجازفات الرعناء والمهالك الفظيعة: – (( … إني أفسد خلقي إلى أقصى المستطاع. لماذا ؟ أريد أن أصبح شاعراً, وأنا أعمل على أن أجعل من نفسي رائياً … الشاعر يجعل من نفسه رائياً بواسطة تشويش طويل, هائل ومنهجي لكل الحواس. كل أشكال الحب, الشقاء, الجنون, إنه يبحث بنفسه عن كل السموم ويستنفذها في داخله لكي لا يحتفظ منها سوى بالجوهر. عذاب لا يوصف يحتاج إلى كل الإيمان, كل القوة الفائقة للطبيعة الإنسانية, حيث يصبح بين الجميع المريض الكبير, المجرم الكبير, الملعون الكبير – والعارف الأعظم ! – إذ أنه يصل إلى المجهول ! بما أنه قد ربى روحه الفنية أصلاً, أكثر من أي شخص آخر ! …. إنه يصل إلى المجهول طائش اللب, وعندما ينتهي بأن يفقد الإدراك لرؤاه فأنه يكون قد رآها ! ليمت في وثبته عبر الأشياء التي لم يسمع بها, والتي لا تُسمى: سوف يأتي فعله آخرون فظيعون, سوف يبدأون من الآفاق التي هلك بها الآخر ! … )) وهو إذ يُحدّث صديقه ( أرنست دلاهاي ) عن النظرية الشعرية التي يرهص بها, عن الإحساسات الجديدة والعواطف القوية التي ينبغي أن ينقلها بوساطة الكلمة, فإنه يطلب المزيد من المشاهدة والشعور, المزيد من العواطف المرهفة, وإيقاظ هذه العواطف عبر المهيجات والروائح والسموم التي تستنشقها العرافة. إنه يريد بأي ثمن أن يوقظ إيقاع الحياة الغافي فيه. أن يعيش بزخم وحمى وحماس .. إنه يطلب الزمن العنيف الخطر المليء بالإثارة. فهل من الشروط التي ينبغي أن يحققها الشاعر ليكون متميزاً, واستثنائياً, ورائياً, هي التمرد على القوانين الاجتماعية السائدة ؟؟ فوضى الروح المقدس: طريق الثورة الشاملة إذا كان الواقع صلباً وجدارياً, وإذا كان نظام الواقع والمجتمع ميكانيكياً وتقليدياً آسناً, فإن تدريب النفس على التغيير والتحول الجذري .. تدريب النفس على الهلوسة والهذيان والتدمير المنهجي للحواس وتحريرها – من المهام الأساسية للشاعر الذي يريد أن يصبح رائياً؛ لأنها وحدها المؤاتية للإلهام والإبداع الشعري كما يظن ( رامبو ). وهذه بعض صور الفوضى الروحية التي وجدها ( رامبو ) كشيء مقدس: في مطلع رسالته إلى (( جورج أزامبار )) التي يعرض فيها نظريته حول الرؤيا الشعرية, يهزأ ( رامبو ) من أستاذه الذي رفض أن يعمل مُدرّساً خاصاً عند عائلة روسية غنية, وآثر البقاء في مهنة التعليم في فرنسا, وبذلك تخلى عن حياة المغامرة والسفر المليئة بالشاعرية في نظر ( رامبو ), ليحافظ على مركز ثابت ومستقر في بلده. إن الفرد مدين بمعيشته للمجتمع, الذي عليه بدوره أن يؤدي لأعضائه خدمة نافعة كي يستحق المساعدات التي يتلقاها منهم. إن الأيدي المنتجة تقدم له الطعام والكساء والمأوى, وكل ما من شأنه أن يعينه في المحافظة على بقائه. وهو, من جهته, مُلزم ببذل مجهود ما .. مُلزم بالإسهام بقسط في ورشة العمل المشتركة, التي تسيّر عجلة الحياة, وتصون كيان المجتمع, وتكفل له أسباب الاستمرار. بهذا المعنى فإن أستاذه (( أزامبار )) هو جزء من الهيئة التعليمية. إنه يمارس مهنة نافعة معترف بها من جميع الناس, تضمن له حياة رغيدة مستقرة, وتؤمن له رزقه بأشرف أسلوب. إنه أحد أبناء المجتمع الطيبين الذين يسلكون الطريق القويم, وينهجون النسق المعيشي المكرس للصالح والمفيد في نظر الآخرين. لكن ( رامبو ) يخاطب أستاذه هذا, في رسالته آنفة الذكر, بشيء من التحدي والاستفزاز, والنية الواضحة في إثارة حفيظته, وافتعال فضيحة, مدعيّاً أنه = أي رامبو = هو الآخر يقوم بطريقة ما بوظيفته في هذا المجتمع, ويضطلع بمهمات معينة مثل إفساد أخلاق تلاميذ المدرسة بما يرويه عليهم من قصص بذيئة وخليعة, شريرة وغبية, يختلقها خصيصاً لأجلهم, محاولاً أن يكون قدوة سيئة لهم بأقواله وأفعاله. وأنهم ليدفعون له أجرة مقابل ذلك, وجزاء التسلية التي يقدمها لهم بدعاباته الصاخبة الإباحية, وتصريحاته المتهورة النزقة, وتصرفاته الهوجاء, بأن يسددوا عنه فاتورة الحساب في المقاهي, ويتحملوا عنه عبء كؤوس الجعة والخمرة التي يحتسيها بشراهة ! إنّ هذه الفقرة من رسالة رامبو إلى (( أزمبار )) تتوافق مع تلك الفترة من عمر الشاعر التي كان يُرى فيها مُتسكعاً في شوارع (( شارلفيل )), وقد استطال شَعره: (( ألم يسمع في باريس أن ما يميز الشعراء البارناسيين ليس موهبتهم بل طول شَعرهم ؟! )), واتسخت ثيابه, ومضى يطلق عبارات التهكم والسخرية أمام المقاهي والكنائس, ويسرق الشراب ويمتهن كرامة الكهنة, أو ما هو أسوأ منها على مقاعد الحديقة العامة. حتى لقد كان صبيان الأزقة يشيرون نحوه بأصبعهم عندما يرونه يمر بملابسه الفوضوية, وتسريحته المهملة, أو يرشقونه بالحصى. ولقد تصدّق عليه, مرة, أحد الكتبة, إمعاناً في إهانته, بقطعة معدنية, لكي يذهب ويقص بها شعره. فما كان من ( رامبو ) سوى أن قبل العطية عن طيب خاطر, معلناً للمحسن الساخط بأنه سيشتري بهذه القروش بعض التبغ !! إنّ هذا المقطع من خطاب ( رامبو ) إلى أستاذه يُزامن تلك المرحلة من مراهقة الشاعر, التي يصفه فيها ( ارنست دلاهاي ) بأنه كان يحاول تحدي المجتمع بحركاته وتصرفاته, بآرائه وفوضوية مظهره الخارجي, وغليونه الذي لم يكن ليفارق شفتيه .. بأنه كان يرفض أن يشتغل وأن يبحث عن مهنة نافعة يهتم بها, وبأنه كان يقضي الساعات الطويلة متبطلاً في المقاهي. لقد كان ( رامبو ), إذن, يفرض شروطه على الحياة والقدر متمرداً على قوانينهما ومتطلباتهما العملية, لقد كان يريد أن يكون شاعراً ولا شيء آخر: (( كل شيء أو لا شيء )). شخصية إشكالية ومُركّبة أعتقد أن شخصية ( رامبو ) هي شخصية مُركّبة وإشكالية بشكل واضح وكبير, وفيها من الجوانب السلبية والإيجابية الشيء الكثير. وقبل أن نتحدث عن الجوانب الإيجابية المتمثلة في اندفاعاته العارمة لتجديد الحياة, الحياة الاجتماعية وحياته الخاصة, ولتجديد مضامين وأشكال الشعر الأوروبي وتغيير المجتمع عبر الثورة – ومن خلال الثورة – ليس على التقاليد البالية وحدها فقط , بل والمشاركة العملية الفعالة في // كومونة باريس // التي أصبحت رمزاً للنضال, ومعول هدم العالم القديم, والتي باركها كارل ماركس ورفيق نضاله ( إنجلز ) .. ثم تحول رامبو المبكر من صبي وفتى مُتبطِل عن العمل, معتمد على التسول ومساعدة والدته له, إلى رجل مغامر جوّاب للآفاق, بحثاً عن رزقه الخاص, إن لم أقل خالقاً إياه, حتى وإن رمى بنفسه إلى بئر التهلكة الغميق, متعاطياً تجارة الرقيق وتهريب الأسلحة .. الخ وبعد أن تحدثنا عن هذه الجوانب الإيجابية الثورية الاقتحامية في شخصيته, نعود لنلقي الضوء على الجوانب السلبية التي شكلت ظاهرة الغرابة والفرادة في شخصيته. ظاهرة أن يُفسد المرء خُلقه إلى أقصى المُستطاع, من خلال التشويه المتعمد – المنهجي والمنظم – لكل الحواس .. ومن خلال تعاطي الأفيون والتشرد والعيش البوهيمي والسُكر والتهتك الجنسي حدّ الشذوذ, ليصبح بين الجميع (( المريض الكبير, المجرم الكبير, الملعون الكبير – والعارف الأعظم .. الخ )) من أجل الوصول إلى المجهول, كما ورد في نص سابق !! ولا بد أنّ (( سمير الحاج شاهين )) كان قد اعتمد مصادراً عدّة, وتساؤلات كُتُّاب كُثر ومختلفين, ليطرح سؤال كهذا: – ولكن أين تكمن هذه الغرابة وما هو مصدرها الأساس: هل هو (( الدم الفاسد )) والطفولة الوحشية والصدمة الأولى, أم تكمن في الحالات الاستثنائية التي تحدث عنها نيتشه – [ الحالات الوثيقة الصلة بالظواهر المرضية عند الفنان ] – أم يا ترى تتجسد هذه الغرابة في البحث المُضني عن الأبدية المستعادة, البحث عن طريق يكون فيه الشاعر رائياً ومتنبئاً ؟! لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال, وربما يكمن سرّ غموض هذه الفلتة, وهذه الومضة الشعرية الحياتية المدهشة, بعدم القدرة على الإجابة على هذا السؤال. لذلك نجد ثمة تفسيرات عدّة ومتناقضة لهذه الظاهرة الشعرية والحياتية المعجزة في أغلب الكتب والدراسات التي تتناول ( رامبو ) كشاعر وإنسان. ونحن لا نجد في كتاب (( سمير الحاج شاهين )) تفسيراً أو تعليلاً لهذا الغموض المدهش, أو الحالات الاستثنائية التي صورها لنا رغم استعانته بعديد المصادر والآراء. ولا نظن أنّ أحداً سيعطي الجواب الشافي لكل هذه التساؤلات التي يطرحها شعر ( رامبو ) وتعمقها حياته الغريبة, الخصبة والغامضة, حدّ الدهشة والإعجاز؛ ولهذا سيظل يُقرأ زمناً طويلاً وتحاك حوله العديد من الأساطير والأقوال .. ولكنها تظل أقوالاً وأساطير محببة إلى النفس, مليئة بالغموض الذي يبعث على التفكير والتأمل والبحث عن حلول وخلاص: أي خلاص ؟! وإذا ما وقفنا عند الحالات الاستثنائية التي تحدث عنها المفكر الألماني نيتشه , والتي هي وثيقة الصلة بالظواهر المرضية عند الفنان, فإن السيّر الذاتية تفيد بأنّ نيتشه ذاته كان قد انتهى نهاية مرضية مأساوية بسبب أزماته وأمراضه النفسية, وعدم قدرته على تقبل الواقع والتعايش معه, فانهارت أعصابه بطريقة مفجعة ومريعة .. وسنعود لاحقاً إلى النهاية المأساوية التي انتهى إليها ( رامبو ) أخيراً في عمره القصير جداً ! ولا ندري فيما إذا كان لنوبات الصرع أثر مباشر أو غير مباشر في تجليات وعبقريات دوستويفسكي أو في كتابة رسائله الغريبة من تحت أعماق الأرض, إضافة إلى طريقة بنائه لبعض الشخصيات الاستثنائية والمعقدة, خاصة في روايتيّ << الجريمة والعقاب >> و { الأخوة كارامازوف } ؟؟ هل كان ( رامبو ), إذن, مُصاب بمرض نفسي كانفصام الشخصية أو التحليق بأحلامه الذاتية إلى آفاق واسعة وبعيدة جداً .. آفاق غير منظورة وغير معقولة ؟! هل كان العالم يتراءى له كمسرح هو متفرج على مشاهده المسحورة, لكنه في الحين ذاته ممثل على خشبته حيث (( ظهر رامبو في كل نتاجه مهووساً بفكرة الممثل المضطرب في داخله: ذاك الذي يمثل دون أن يتمكن من أن يعيش بالفعل مهزلة الحقيقة )), على حدّ تعبير ( ايف بنغواي ). وبفضل ازدواجية أناه: ممثل – متفرج, يُشاهِد ( رامبو ) نفسه, كمراقب غريب, وهي تؤدي أدواراً متنوعة في تمثيلية الحياة: الطفل – الشحاذ – طريد العدالة – المتشرد – الغجري الجوال – الزنجي – الحاج الورع – القديس – العالِم – الساحر – المشعوذ .. الخ إنّ هذه الازدواجية في شخصية ( رامبو ) تدفعه للاعتقاد بأنه شخص آخر, وخاصة في عملية الإبداع الفني, قائلاً: (( إنني أشهد تفتح فكرتي: أراقبها, أصغي إليها. إني أرسل ضربة وتر: المعزوفة تتحرك في الأعماق, أو تأتي بقفزة واحدة إلى خشبة المسرح )). ولهذا يظن ( رامبو ) بأنه يخلق وحي يملي عليه كتابة الشعر, وإنّ (( الذكاء الكوني )) يفكر من خلاله ! في موضوعة أحلام ( رامبو ) الواسعة والعظيمة فإنّ { هنري ميللر } يتحدث عن الروح بدل الحلم, معتبراً أنّ الجحيم التي وصفها ( رامبو ) بحيوية مفعمة, كان قد مارسها فعلاً, بروحه؛ وعليه الآن أن يعيشها بجسده. لقد أتمّ حكاية جحيمه الخاص, ويوشك أن يقول (( وداعاً )). لم يبق إلا أن يضيف بضع كلمات فراق …. وثانية تأتي صورة الصحراء – إحدى الصور الأكثر إلحاحاً – لقد نضب نبع إلهامه, واستنفذ ( مثل إبليس ) النور الذي منحه: ولم يبق إلا نداء الماوراء, نداء الأعماق. واستجابة لهذا النداء, يجد العزاء والاكتمال في حياة الصور المروعة التي تسكنه: الصحراء ! (( متى نرحل ؟ )). هكذا يتساءل ( رامبو ): (( متى نرحل … لنحيي ولادة المهمة الجديدة, الحكمة الجديدة, هروب الطغاة والعفاريت, نهاية الخرافة ؛ لنعشق الأشياء الأولى ! – عيد ميلاد على الأرض ؟ )) .. [ كم تُذكِّر هذه الكلمات بمعاصره الذي لم يعرفه البتة, ألا وهو المفكر نيتشه ؟! ], يتساءل { هنري ميللر }. الوجه الآخر – الإيجابي والبحث عن خلاص إنّه الخلاص الإنساني, الخلاص الفردي والجماعي على حدٍ سواء. خلاص المثقف والفنان, خاصة في عصور الذل والاضطهاد وسيادة العنف والأفكار الرجعية والتقاليد الاجتماعية البالية والأخلاق شبه الإقطاعية شبه البرجوازية .. أو كل هذا وذاك الذي سعى ( رامبو ) لمحاربته في الشعر وفي الحياة ؛ في حُلم // كومونة باريس // وفي إحباطات الذهن والروح بعد فشل تلك الكومونة … لم يكن ( رامبو ) مجرد شاعر ذاتي يبحث عن خلاصه الفردي, عن براءة الطفولة وفردوسها المفقود إلى الأبد, ذلك الفردوس الذي يجسد حلمه بعالم مُضاء وأمم نقية ترقد تحت الشمس .. لقد كان ( رامبو ) أيضاً شاعراً إنسانياً عظيماً حارب كل ألوان التعسف والاضطهاد, وشارك في // كومونة باريس // الشهيرة ( آذار من عام 1871 ) – التي مجّدها ماركس – والتي كان ( رامبو ) يرى فيها حلم تحقيق عالم العدالة والمساواة والحرية والانطلاق الإنساني نحو آفاق أرحب وعوالم أخصب, حتى أن الناقد (( بيير كاسبار )) أعد دراسة خاصة عن ( رامبو … و الكومونة ), والبعض الآخر أفرد فصولاً عن رامبو السياسي. لقد أشار { ميللر } في معرض حديثه عن زمن الملائكة التي لم تعد تشبه نفسها قائلاً: إنّ غطرسة ( رامبو ) وتحدياته لم تكن موجهة, البتة, ضد الفقراء, والمنكودين, المؤمنين حقاً. كان يكافح المغتصبين والمدعين, يكافح كل ما هو زائف, وباطل, ومنافق, ومدمر للحياة. كان يريد أن تعود الأرض فردوساً, مثلما كانت, ومثلما هي ما تزال … خلف حجاب الوهم والضلال. لم يكن مهتماً, أبداً, بفردوس أشباح, واقع في وراء أسطوري. كان يرى عيد ميلاد الأرض, والآن, هنا, مُجسّداً, حيث الناس أعضاء في مجموعة عظمى, متدفقة بنار الحياة. أما (( سمير الحاج شاهين )) فأنه لا يفرد فصلاً في كتابه لهذا الموضوع, بل يتحدث بصورة عامة عن ثورات ( رامبو ): عن ثورته النفسية والأخلاقية والجنسية والعاطفية والدينية والاجتماعية والشعرية والسياسية .. الخ؛ هذه الثورات التي دعت بعض النقاد لأن يروا في ( رامبو ) واحداً من أكبر ثوار العالم, أو واحداً من أعظم المفكرين والشعراء الثوريين في العصر الحديث ! من أجل تغيير الحياة: العلاقة الجدلية بين الشعر والحياة ولكن هل ثمة علاقة ما بين العمر الزمني وبين شاعر يُوحى إليه بالأشعار ؟! وهل ثمة حياة قصيرة يمكن أن تنتج مثل هذه (( الإشراقات )) وفصول الجحيم و << المركب النشوان >> ؟؟! لقد كان ( رامبو ) يسعى إلى تغيير الحياة. المهم, بالنسبة إليه, هو تبديل الحياة؛ وإلا فكيف نفسر مثل هذه الحياة الصاخبة الضاجة, القاسية المدهشة, التي عاشها رامبو ؟! ولعل أبرز وأهم ما في دراسة (( سمير الحاج شاهين )), الشيقة العميقة, هو الربط بين الشعر والحياة, بمعنى تحويل لآلئ ( رامبو ) الشعرية إلى نثر الحياة. وربما كانت هي الخاصية الأكثر بروزاً وأهمية في شعر ( رامبو )؛ إذ أنّ شعره ليس إلا الصورة الفنية لحياته, بل ربما كانت حياته عبارة عن روضة شعرية خاطفة أو الهام شعري مقدس كان يُوحى إليه أو يتلبسه لبوس العرّاف الذي يضرب في متاهات المجهول, مسحوراً بالآتي, باحثاً عن الفترة المعبودة من العمر: عن الطفولة الوحشية, مسترسلاً في أحلام اليقظة فوق مركب نشوان في الأرخبيلات السماوية التي لا يراها إلاّ شاعر .. شاعر يَرى ويَحس ما لا يُرى ويُحس من قِبل الآخرين – حتى وإن تعمد تشويش وتشويه الحواس – وإلا كيف يكون الشاعر عرّافاً يخلق من الكلمات وجوداً خصباً, لانهائياً, سرمدي الإبداع ؟! ” كان رامبو يحيا قصائده بصدق وإخلاص. ولا يوجد أي فارق عنده بين الحقيقة والكتابة. إنّ وراء كل كلمة ينطق بها حافزاً حياتياً وتجربة مصيرية, أبحاثاً طويلة وصلوات ضارعة. إنّ كل لفظة يتمخض عنها هي ثمرة ممارسته لعمره بزخم وقوة وعنف, وتعمقه في أسرار قلبه, وتحليله لخلجات نفسه الخفية, واكتشافه لكنوزه الداخلية, ودراسته لأحاسيسه التي لا ينخدع بطبيعتها, بل يفحصها بجرأة ويتفهم جوهرها ” .. رحيل نحو بكارة الأشياء إنّ الحياة تعبق وتتضوع في كل بيت شعري, حيث كان الشعر مسكوناً برامبو مثلما كانت حياة ( رامبو ) مسكونة بالشعر … وكما قال << جاك بريفير >> فإن رامبو استنفذ في سنوات ثلاث عصور الفن كلها, كما أنه يضم حيوات عديدة داخل نفسه. وهذا الخيط السري الدقيق, لكن المتين, الذي يربط الحياة بالشعر والشعر بالحياة, هو ما أراد أن يتتبعه (( سمير الحاج شاهين )) في دراسته عن ( رامبو ). وهذه هي الميزة الإيجابية للناقد – أو الباحث – الذي يخلص في عمله. ولهذا يحاول كاتب أو مُعدّ الكتاب أن يستكشف في كل قصيدة, وفي كل صفحة, ذلك الخيط السري الغامض في شعر وحياة ( رامبو ) وما بينهما من أعماق. ولذلك فنحن لا نقرأ كتاباً مدرسياً أو مجرد سيرة ذاتية عن حياة شاعر, ولا نقرأ كتاباً نقدياً تقليدياً عن أشعار ( رامبو ), بل نتابع رحلة استكشاف غريبة وغامضة, مدهشة وآسرة, لحياة وأشعار هذه المعجزة شبه الطفولية النادرة التي أسست مدرسة شعرية عظيمة وكبيرة وهي في سن مبكرة نسبيّاً ؛ ففي السابعة عشر من عمره كتب رامبو << الزورق السكران >> ثم أقلع عن نظم الشعر واتجه إلى مجاهل أفريقيا باحثاً عن حياة أكثر غرابة وأكثر دهشة, وأكثر سرية, باحثاً عن سحر الشرق وبكارة الأشياء: إنّ (( فصل في الجحيم )) هو دراسة تحليلية دقيقة للحالات النفسية التي خبرها ( رامبو ) شخصياً, سيرة ذاتية مدهشة من نوحِ روح صادقة, وقلب صميم يبيح لنا كنوزه الدفينة. إنّه صورة عن ( رامبو ) الإنسان في تكوينه الجسدي والنفسي ومغامراته الحياتية, وشهادة أمينه عن نوع المخلوق الآدمي الذي كان على هذه الأرض والنموذج البشري الذي يمثله. كما أن (( فصل في الجحيم )) صورة عن ( رامبو ) الفنان في تكوينه الفكري والروحي, وبيان صريح عن نوع الشعر الذي يكتبه .. …. ” إن ( رامبو ) هو مغامر تائه يضيّع مركبه السكران في أخطر المجاهل وأقصى الأبعاد, حيث لا تتوغل قدم, ماحيّاً كل الآثار وراءه, مموهاً كل المعالم لكي لا يتمكن أحد من مطاردته وإعادته إلى العالم الذي هرب منه. إنه يمضي حرّاً فوضوياً فقيراً شرّيداً, لكنه مليئاً بالأحلام, مخترقاً بنظره الثاقب سحب الواقع الكثيفة لينفذ عبرها إلى كنوز الجمال وإلى أجواء قائمة فيما وراء العالم المألوف, مستسلماً لرياح الجنون, محمولاً على عربة رعناء تقودها أفراس الخيال نحو بلاد العجائب والغرائب, مرتعداً من الخوف أحياناً لمجازفاته المتهورة, وتوغلاته بعيداً في مناطق المستحيل, متحسراً – هو الشرّيد وجواب الآفاق – على مسقط رأسه, وعلى دنياه القديمة التي هجرها, ويحن إلى حياة الدعة والأمن والاستقرار فيها ! إنّ أسلوب (( التشويش المنهجي لكل الحواس )), وهو نسق شاذ في العيش يتبعه << المركب السكران >>, يتيح له الوصول إلى اكتشافات فكرية غير مباحة للبشر العاديين الذين يسلكون نظاماً مألوفاً ومتعارفاً عليه. هناك في هذه الجزر البكر التي يصل إليها بعد رحلاته الجريئة يعثر على الاشراقات الفريدة, والخواطر الطريفة, والإلهامات المدهشة .. تستيقظ قواه الروحية الهاجعة من سباتها العميق, ويستعيد خصوبته الفكرية, ونشاطه الخلاق؛ إذ أن الوحي لا يتخذ له مسكناً ومقراً إلا في هذه الأجواء الخارقة للطبيعة, وجواهر الفن الدفينة لا تكمن إلا في هذه الأعماق التي لم يسبر لها غور. لكن بما أن هذه الأهواء العنيفة والشهوات المتوحشة والمُسكرات والانفعالات والهذيانات المؤاتية وحدها للإبداع الشعري متعبة وصعبة, قاسية ومحطمة للأعصاب, فإن من يتبع طريقها المحفوف بالمخاطر والأشواك يتوق إلى الخلاص من الرعب والمرارة المتربصة به على جوانبها, إلى التحطم الكلي على صخورها والغرق النهائي في مهاويها, ليفنى ويهلك ويرتاح .. .. من هنا فإن مركب ( رامبو ) السكران يأسف لحالته الماضية الهادئة رغم رفاهتها وبرودتها وبشاعتها, وعلى المستنقع الآسن الذي هجره, ويتمنى الرجوع إلى مناخ التعاسة القديم, حينما كان يكتفي في السفر بالحلم, والهرب إلى الوهم وبناء قصور من الورق. فلقد تعب وملّ من إبحاراته الهوجاء فوق الأمواج الصاخبة والمضطربة, ولم يعد بوسعه تحدي القوانين والتمرد على الأنظمة إلى ما لا نهاية, والاستمرار في احتقار الشرائع والتقاليد والاستخفاف بالقصاص, والبقاء دائماً عرضة لكل هذه العيون الناقدة العدائية المسلطة عليه من كل جهة تلومه على مسلكه الغريب. نعم لقد بات بحاجة إلى إلقاء السلاح والعيش بسلام مع قضاته وجلاديه وسجانيه “. رحلة المركب النشوان نحو (( الفردوس المفقود )) وبداية النهاية ولكن ما هي نهاية الرائي, بعد هذه الرحلة المريعة, رحلة تشويش كل الحواس وارتقاء الذُرا الروحية ؟! إنّ أعصاب ( رامبو ) تنهار ومزاجه يصبح قاتماً بسبب تعاطي الأفيون والشعر, وانتهاج أسلوب غريب في العيش هو بمثابة وداع للعالم .. وكما لاحظ { هنري ميللر } في دراسته الرائعة (( زمن القتلة )), فإنّ ( رامبو ) قد غاص في البئر السوداء التي تصل فيها الروح الإنسانية إلى الحضيض, بعد أن هجر كل أمل في استعادة مفتاح براءته المفقودة. وربما كانت حياة ( رامبو ) بعد انقطاعه عن تعاطي أو نظم الشعر لا تقل غرابة ووحشية عن حياته السابقة: حيث يهرب من { الآرديني }, من موطن المطر والضباب والظلام والجليد, ويتجه نحو الشرق, إلى منبع الحكمة القديمة الخالدة وفجر الإنسانية الطاهرة … نعم إنه حنين ( رامبو ) إلى تلك الأجناس البشرية القديمة الطاهرة لهو توق إلى الفردوس المفقود؛ إنه الحلم بجنة << عدن >>. ولكن هل أن الشرق ليس إلا حلم ساحر وشمس باهرة ودفء دائم ؟! هل وجد ( رامبو ) سعادته في << جنة عدن >> أم في أدغال {{ هرر }} أم مع صديقته الحبشية السمراء ؟! ربما كانت أحلام الشرق لا تقل طوباوية ووهماً عن أحلام طفولته في (( شارلفيل )). ولهذا يُصاب ( رامبو ) بخيبة أمل عميقة, حيث يموت في داخله الإنسان الحالم بعد أن مات الشاعر, وحيث تتحالف ضده عناصر الطبيعة ومصائب القدر ليسقط مريضاً, مشلولاً ومحموماً, وتتدهور صحته تدهوراً بالغاً وسريعاً وحاداً, ولم يعد ينقذه من هلوسته وعذاباته وآلام جسده الحادة غير الموت. إنّ الموت سيصبح طلقة الرحمة التي لابد أن يطلقها القدر على ( رامبو ). لقد مات ( رامبو ) الإنسان في العاشر من تشرين الثاني 1891 وأوصى بدفنه في << عدن >>, لكن والدته أصرت على مواراته الثرى في مقبرة (( شارلفيل )). بيد أن ( رامبو ) الشاعر كان قد مات قبل ستة عشر عاماً من تاريخ موته الجسدي. ففي عام 1875 بعث ( رامبو ) برسالة إلى صديقه ( أرنست دلاهاي ) ضمنها قصيدة عنوانها // حُلم // لعلها وداعه النهائي للشعر .. إنه يكشف في هذه القصيدة عن نفسه كإنسان تخلى إلى الأبد عن أوهامه حول الشعر ورضخ, مرغماً صاغراً مليئاً بالمرارة وخيبة الأمل, لمعطيات الواقع العملي. فليست الحياة سوى ذلك الصراع المادي المقرف في سبيل المحافظة على البقاء .. ليست سوى ساحة وغى يضطر فيها المرء للدفاع عن نفسه ضد أعدائه, والكفاح في سبيل انتشال لقمة عيشه, وإن تهاون المرء قليلاً في ذلك قُضّي عليه ! موت عرائس الإلهام والنزول إلى الجحيم الأرضي غير أن ( رامبو ) كان قد أدرك في ختام كتابه (( فصل في الجحيم )) أنّ عليه أن يخنق عرائس الإلهام ويطرد من قلبه شيطان الشعر, ويعود إلى أرض الواقع ويدفن خياله … ولكن هل جرفه التيار بعيداً, وهل خسرت البشرية عبقرية شعرية خارقة, كان يمكن لها أن تعطي المزيد أم يا ترى أن جذوة الإلهام كانت قد انطفأت في قلب الشاعر وتحولت إلى رماد, حيث سعت روحه اللائبة إلى تذريته في مجاهل أفريقيا وصحراء آسيا وشموس الشرق ؟! ربما لا يستطيع أحد أن يجيب إجابة قاطعة عن هذه التساؤلات, مادامت حياة ( رامبو ) وشعره قد ارتبطا بالأسطورة واللغز .. مادام ( رامبو ) قد أصبح أوبرا خرافية كما وصف نفسه في (( فصل في الجحيم )). فقط إننا نستطيع أن نستنتج أنّ حياة ( رامبو ) لم تعد مهمة ما دامت قد انقطعت عن الشعر, فأصبحت رسائله – التي يبعثها إلى أهله من الحبشة وعدن – جافة خالية من أية موهبة فنية وروح إبداعية بعد أن مات الشاعر في داخله؛ لأن حياة المبدع دون إبداع فني تصبح فراغاً أجوف, ولأنّ شعر ( رامبو ) خاصة قد ارتبط بصلة صميمية عميقة مع حياته, فصارت الحياة في الشعر وتوهج الشعر في قلب الحياة !




