“أيها الموت لا تفتخر، وسلاماً أيها الولدُ الطليق“
علي كامل
في الثالث عشر من هذا الشهر، جون (حزيران)، تحلّ الذكرى الثالثة لغياب شاعرنا سعدي يوسف (أبا حيدر).
هكذا، وقبل ثلاثة أعوام، حلّقتْ روحكَ العذبة نحو سماواتها، قلتَ لا تبتأس، سأعود.
الأعوام تمر على رحلتك الخاطفة، وأنا واقف كلَّ يوم أحدَقُ في الأعالي نحو سرب طيور، وأقول لنفسي، لعلَّ أبا حيدرٍ بينهم.
***
وهذه آخر قصيدة له كتبها قبل أربعة شهور قبل وفاته:
“أَقترحُ نَخْباً”
وفعلتُ، هذا السبتَ، مثل الإنجليِز
نعمْ!
كتبتُ وصيتّي
(كان الشهودُ ثلاثةً، بل كُنَّ في صِدقٍ ثلاثاً)
هكذا…
ودفعتُ آلافاُ إلى الـ Cooperative Bank
أيْ “بَنك التعاون”
كي أُذَرّى كالرمادِ،
نعم!
بمَحرقةٍ، هي عند مستشفى قريبٍ،
قلتُ:
خيرٌ لي، الحريقُ هنا
نعم!
في هذه الدنيا،
وليسَ، كما يُقالُ، هناك، في يوم الحِسابِ…
فَمن، تُرى، يدري؟
لَرُبَّما تكونُ عقوبتي، يومَ القيامةِ، أفدَح!
الآنَ
استرحتُ، كما أردتُ:
وصّيتي كُتِبَتْ
وكُلْفةُ مَحْرَقي، دُفِعَتْ.
إذاً… فلأقترحْ نخباً!
لأرفعْ عالياً كأسي الرَوِيّةَ…
إنني أحيا!
سعدي يوسف
لندن في 24.02.2021
توفي أبا حيدر وكان وحيداً، حزيناً، وغاضباً!
لندن 13.06.2021
***
رسالتان لم تفقدا بريقُهما بعدْ!
من عادتي، حين تشتدُّ بي الوحشة ويتضاعف في قلبي الحنين، أفتح خزائن ذاكرتي أو أُنقّب بين الأوراق والصُّور والرسائل القديمة، بحثاً عمَّن يُعيد الزَّمن لحظات أو سنوات إلى الوراء، عمَّن يُخفّف من عبء هذا الوجود، عن أفكارٍ ونصوصٍ دوّنتها ونسيت أن أكملها، عن صُورٍ التقطناها مبتهجين في شتى المدن، صورٌ لم تفقد بعد وهَجَها وعذوبتها. فقبلَ أيام وأنا في رحلة البحث هذه، عثرتُ على رسالتين، لا زالتا تحتفظان بشيءٍ من بريقهما، قدِمتا لي من الشام، في العامين 1995/1994، من شاعرنا وصديقنا الراحل سعدي يوسف، حين كان يرأسُ تحرير المجلة الثقافية الفصلية (المدى) ومعه أدونيس، هادي العلوي، محمد
بنيّس، الطاهر وطار، ويمنى العيد… وسواهم.
إحدى هذه الرسائل يُخبرني فيها أبا حيدر، عن تلقّيه مقالتي الأولى التي بعثتها من لندن عام 1994 عن عرض مسرحيّة جان جينيه “الخادمات”. ويُنهيها بعبارة طريفة يقول فيها: لن أعتبرها “بيضة الديك”!.
أما الرّسالة الثانية، ففيها يُنبأني عن وصول مقالة “الموت والعذراء” للكاتب التشيلي أرييل دورفمان. ويقول لي فرِحاً إنَّ “البريد ممتاز”!.
أقول “يُنبأني”، لأن الرسائل حينها كانت تُبعث بالبريد العادي ويستغرق وصولها قرون!!
الرسالة الأولى
دمشق
في ١٩٩٤/٧/٣




