” رسوم الفنان جمعة السيد “ فوق خشبة الطاولة
تكشف أبعادا ثلاثية ورموزا خطابية بلا حدود..
عصام الياسري
جمعه السيد… جغرافيةُ الخط، وأنطولوجيا الفحم
ثمة فنانون ينظرون إلى اللوحة بوصفها سطحًا للرسم، وثمة آخرون يتعاملون معها بوصفها حقلا للتفكير. وفي هذا المستوى الأخير تتحدد تجربة الفنان جمعه السيد المقيم في العاصمة الألمانية برلين، إذ لا تبدو أعماله كهاوي منتمية إلى التجريد بصفته أسلوبا فنيا فحسب، وإنما بوصفه موقفا معرفيا من العالم، ورغبة في تحرير الصورة من يقينها، وإعادة الإنسان إلى مركز الأسئلة الكبرى.
منذ الوهلة الأولى، يدرك المتلقي أن ما يواجهه ليس تراكما من الخطوط السوداء، ولا استعراضا لمهارة في استخدام قلم الفحم، بل نظاما بصريا شديد الانضباط، يخفي وراء بساطته هندسة داخلية معقدة. فكل خط يؤدي وظيفة، وكل فراغ يحمل قيمة، وكل علاقة بين الكتل تنتمي إلى منطق دقيق يجعل اللوحة أقرب إلى كائن حي، يتنفس بإيقاعه الخاص، ويتحول مع كل قراءة إلى احتمال جديد للمعنى.

بلغ سن الرشد ثم بلغ طعم الحروب جنديا

لقد ظل الفحم، عبر تاريخ الفن، مادة أولى للتخطيط والدراسة والتمرين، غير أن جمعه السيد انتزعه من هامش العملية الإبداعية، ومنحه مركزها. لم يعد الفحم لديه مرحلة تسبق اللوحة، بل أصبح اللوحة نفسها. وبذلك أعاد الاعتبار إلى المادة في أكثر صورها تقشفا، وأثبت أن ثراء العمل لا يولد من تعدد الخامات، بل من عمق الرؤية التي تمنح المادة حياتها.
إن السواد في أعماله ليس نقيض الضوء، بل شرط ظهوره. فالعتمة هنا لا تحجب الرؤية، وإنما تكشفها، والخط لا يرسم الأشياء بقدر ما يكشف طاقتها الكامنة. ولهذا تبدو أعماله وكأنها تنحت الضوء داخل الكتلة، لا أن تضعه فوقها، فيتحول الأسود إلى فضاء تتولد منه احتمالات لا نهائية من الإشراق.
غير أن فرادة جمعه السيد لا تكمن في اختياره للفحم وحده، وإنما في علاقته الفيزيائية والروحية بالعمل الفني. فهو ينجز معظم أعماله فوق لوح المنضدة، في وضع أفقي يختلف جذريا عن تقاليد الرسم على الحامل. وهذه الخصوصية ليست تفصيلا تقنيا، بل مفتاحا لفهم عالمه التشكيلي.
فالمنضدة، في تجربته، ليست بديلا عن الحامل، وإنما فضاء آخر للرؤية. حين ينحني الفنان فوق سطح العمل، تتبدل علاقة الجسد باللوحة، ويغدو فعل الرسم أقرب إلى فعل الكتابة، أو إلى اشتغال الناسخ القديم على مخطوط نفيس، أو إلى تأمل المعماري في مخطط مدينة لم تولد بعد. هنا لا يعود الخط حركة استعراضية للذراع، بل يصبح امتدادا مباشرا للفكر، وتتحول اليد إلى أداة تأمل أكثر منها أداة تنفيذ.

المسيرة: وقوافل قتلى إنتفاضة تشرين

وربما لهذا السبب تمتلك خطوط جمعه ذلك القدر من الهدوء واليقين. فهي لا تبدو مرسومة تحت ضغط الانفعال، بل مولودة من تأمل طويل، كأن الفنان لا يضيف الخط إلى الورق، بل يكتشفه فيه. وهذه السمة تمنح أعماله كثافة زمنية نادرة؛ إذ يشعر المتلقي أن كل تكوين مر بمراحل من التفكير قبل أن يبلغ صورته النهائية.
ولا ينفصل هذا البناء الشكلي عن البنية الفكرية للعمل. فالسيد لا يبحث عن التجريد لذاته، وإنما يجعله وسيلة للنفاذ إلى البعد الإنساني. الإنسان في أعماله ليس هيئة مرئية، بل حضور أخلاقي وروحي، يتجسد في قيم الحرية والكرامة والتسامح والأمل والمقاومة الداخلية. لذلك لا تقدم لوحاته خطابا مباشرا، ولا تستعير لغة الشعارات، بل تجعل من الرمز وسيلة لاكتشاف الإنسان في أكثر لحظاته صفاءً وهشاشة.
ومن هنا فإن البعد الثالث الذي يميز أعماله لا يقتصر على الإيهام بالعمق، بل يتجاوز ذلك إلى بناء فضاء نفسي، تتحرك فيه العلامات كما تتحرك الأفكار داخل الذاكرة. إننا لا نرى كتلة وفراغا فحسب، بل نشهد حوارا بين المرئي واللامرئي، وبين الحضور والغياب، وبين ما تقوله الخطوط وما تتركه للصمت.
إن تجربة جمعه السيد تضعنا أمام سؤال جوهري: هل وظيفة الفن أن يعكس العالم، أم أن يعيد خلقه؟ ويبدو أن الفنان يجيب عن هذا السؤال من خلال أعماله نفسها. فهو لا يعيد إنتاج الواقع، بل يعيد ترتيب علاقاته، ويكشف البنية الخفية التي تربط الإنسان بالعالم، فيصبح التجريد وسيلة لاستعادة الجوهر، لا للهروب من الواقع.
لهذا يمكن النظر إلى مشروع جمعه السيد بوصفه مشروعا في اقتصاد الوسيلة وثراء الدلالة؛ فكلما تقلصت أدواته، اتسعت آفاق المعنى. وكلما ازداد تقشفه البصري، ازدادت كثافة حضوره الفكري. وهذه معادلة لا ينجح فيها إلا الفنانون الذين يمتلكون ثقة كاملة بأن الفكرة هي المصدر الأول للجمال.


إن أعمال جمعه السيد لا تطلب من المتلقي أن يعجب بها، بل أن يصغي إليها. فهي لا تفرض نفسها بالصخب، وإنما تستقر في الذاكرة بهدوء، شأن النصوص الكبيرة التي لا تكشف أسرارها من القراءة الأولى. وهنا تحديدا تتجلى قيمة هذه التجربة؛ إذ تؤكد أن الفن الحقيقي لا يستهلك، بل يُعاش، ولا يُفسَّر نهائيا، بل يظل قادرا على إنتاج معنى جديد كلما تغيرت زاوية النظر إليه.
ولعل هذا ما يجعل تجربة جمعه السيد واحدة من التجارب الجديرة بالقراءة النقدية المتأنية؛ فهي لا تقدم منجزا تشكيليا، بل تقدم تأملا بصريا في الإنسان، وفي الزمن، وفي العلاقة الخفية بين الخط والفكرة، وبين المادة والروح. إنها تجربة تؤمن بأن أبسط الأدوات قد تصبح أكثرها قدرة على التعبير، حين يقودها عقل مبدع، وبصيرة ترى ما هو أبعد من الشكل، وأعمق من اللون، وأبقى من اللحظة العابرة.




