ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الجمعة، 19 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 25
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
19 يونيو 2026
عصام الياسري ـ العرَاق الحديث: بين الأخلاق والابتلاء بنخبة ماسكة بأضلع السلطة بالقوة!!
الرئيسيةثقافة و فنعصام الياسري ـ رحلَ صادق الصائغ على حين…

عصام الياسري ـ رحلَ صادق الصائغ على حين غفلة، كأنه كان يؤجل وداعه الأخير لئلا يثقل علينا.

ثقافة و فن

عصام الياسري ـ رحلَ صادق الصائغ على حين غفلة، كأنه كان يؤجل وداعه الأخير لئلا يثقل علينا.

رحَل صادق الصائغ على حين غفلة.. كأنّه كان يُؤجِّل وداعه الأخير لئلا يثقل علينا

عصام الياسري

بشكل غير منتظر فارق الحياة يوم السبت 2 أيار 2026 صديق يمتلك مواهب كثيرة، فهو صحفي وشاعر ورسام وموسيقار كنت قد التقيته مرات عدة في المهجر، وفي مناسبات سياسية وثقافية كنا نستذكر الكثير، ونتجادل في الكثير. كان دمث الخلق مرح صاحب حديث ونكتة… رحيله فاجئني وألق بي الحزن والألم.

رحل “صادق الصائغ” على حين غفلة، كأنه كان يؤجل وداعه الأخير لئلا يثقل علينا بالفقد، ثم مضى خفيفا كما كان دائما… لكن الثقل كله تركه في صدورنا.

لم يكن صادق الصائغ رجلا عاديا يحصى بما أنجز، بل كان ظاهرة ثقافية وإنسانية امتدت جذورها منذ خمسينيات القرن الماضي، حضوره لم يكن عابرا في أي مكان، بل كان أثرا يرى ويسمع ويحس. منذ بدأ صوته يتشكل في فضاءات الأدب والفن والصحافة والسينما والمسرح. كان عالما آخر يتشظى في شخص واحد؛ صحفيا يرى ما وراء الخبر، وشاعرا يصغي لارتعاش المعنى قبل أن يقال، ورساما يقتنص من الضوء ما يعجز عنه اللون، ومغنيا يجيد المونولوج السياسي الذي ابتكره خاله الفنان الراحل ’’عزيز علي‘‘ وأرسى دعائمه بأسلوب شعبي ساخر انتشر في العراق ليومنا وإنتقل إلى البلدان العربية.

وكان، على اتساع شهرته ومعرفته، يحمل تلك السمة المحببة التي صارت جزءا من أسطورته الشخصية: حالة النسيان. لكنه لم يكن نسيانا ينقص منه، بل كان يضفي عليه طرافة إنسانية نادرة يروي عنها أقرب الناس إليه، كأن ذاكرته كانت مشغولة دائما بما هو أعمق من التفاصيل الصغيرة. كان ينسى الأشياء، لكنه لا ينسى الناس، ولا ينسى الود، ولا ينسى أن يكون هو نفسه… خفيف الروح، حاضر القلب.

في المنافي التي جمعتنا، لم يكن غريبا قط. كان يؤلف بين الأمكنة كما يؤلف بين البشر، فنشعر أن الوطن يمكن أن يختصر في جلسة معه، وفي ضحكة يطلقها، وفي نكتة يمررها بخفة العارف بثقل الأيام. كم من مرة اختلفنا، واشتد بيننا الجدل، ثم انتهى كل شيء بسلام يشبهه، وبمحبة لا تعرف الكسر. كان الخلاف معه مساحة أخرى للود، لا قطيعة.

ولعل أكثر ما يختصر روحه، تلك الحادثة التي ما انفكت تعود إلى حديثنا كلما التقينا أو تحادثنا، حتى غدت حديث الكثير من الأصدقاء… في أواخر التسعينيات، حين كنت في زيارة إلى الصديق الكاتب والإعلامي زهير الجزائري في لندن، كانت ليلتي الأخيرة هناك. أصر ’’صادق‘‘ أن أكون ضيفه في تلك الليلة، فذهبت، والصديق زهير، وكانت ليلة من تلك الليالي التي تفيض بالدفء والضحك والحديث الذي لا ينتهي… كأن الزمن يومها قرر أن يجاملنا. لكن الصباح حمل لنا وجها آخر للحكاية. خرجت على عجل، وخرج هو كذلك، وبين استعجال الرحيل وضيق الوقت، بقيت الحقيبة في الداخل… حقيبتي التي تضم جواز سفري ومحفظتي، فيما أغلق الباب خلفنا، والمفاتيح حبيسة الداخل! كان الوقت يركض أسرع ، والطائرة لا تنتظر أحدا، وهنا وقعت الطامة.

تلك اللحظة، التي بدت يومها كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تحولت مع الأيام إلى واحدة من أجمل طرائفنا، نرويها ونضحك، ونختلف في تفاصيلها، ونبالغ في وصفها… وكانت، بطرافتها، تشبهه. نعم، كان النسيان جزءا من الحكاية، لكنه كان أيضا جزءا من ذلك السحر الإنساني الذي جعل منه قريبا من الجميع، محبوبا ـ رغم كل شيء-.

دماثته لم تكن صفة عابرة، بل كانت طريقته في الوجود. مرحه لم يكن هروبا من الحزن، بل قدرة نادرة على ترويضه. وحديثه لم يكن مجرد كلام، بل حياة نابضة بالمشاعر.

جاء رحيله مباغتا، كأن الموت استعجل موعده، فاختطفه من بيننا قبل أن نستوفي حقنا من حضوره. ومنذ تلك اللحظة، صار الغياب كثيفا، وصار الحزن عليه اسما آخر لكثير ممن فارقنا من الأصدقاء من الوسط الثقافي خارج الوطن.

أيها الصديق الذي يتسع له أكثر من لقب وأكثر من حياة… كيف نرثيك، ونحن لا نعرف بأي وجوهك نبدأ؟ أبرحيل الشاعر الذي ترك الكلمات يتيمة؟ أم بغياب الصحفي الذي كان يرى ما لا يُرى؟ أم بانطفاء الرسام الذي كان يلون العتمة؟ أم بسكون الموسيقى التي كانت تسكنه؟

سنكتفي بأن نقول: لقد كنت أكثر من كل ذلك، وها نحن اليوم أقل بكثير من دونك.

نم هادئ كما كنت، واترك لنا هذا الضجيج الجميل من الذكريات. سنظل نستعيدك في ضحكاتنا، في جدالاتنا، في كل لحظة ظننا فيها أن الحياة أوسع… مثلما ضننا بأن من غادرنا قبلك كان دليل اتساعها.

سلام عليك يا صادق، في الغياب كما كان لك في الحضور. رحلت، لكنك لم تغب.

مقالات ذات صلة