ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الثلاثاء، 4 أغسطس 2026 SAALIK — Nr. 32
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
4 أغسطس 2026
احمد موسى جياد ـ هل احيل حقل عكاس الغازي سرا الى ائتلاف شيفرون وتوتال إنيرجيز، يا وزارة النفط!؟
الرئيسيةثقافة و فند. وليد عويد حسين ـ ابن ظفر الصِّقِلي……

د. وليد عويد حسين ـ ابن ظفر الصِّقِلي… حينَ سبقَ العقلُ العربيُّ مرايا السِّياسة

ثقافة و فن

د. وليد عويد حسين ـ ابن ظفر الصِّقِلي… حينَ سبقَ العقلُ العربيُّ مرايا السِّياسة

ابن ظفر الصِّقِلي… حينَ سبقَ العقلُ العربيُّ مرايا السِّياسة

د. وليد عويد حسين – العراق

في زحمةِ الأسماء التي تتكئ عليها الحضارة الإنسانية في تفسير السياسة وفهم طبائع السلطة، يظلُّ كثير من رموز الفكر العربي مطمورين تحت غبار الإهمال، كأنّ التاريخ لا يُنصت إلّا لمن كُتبت أسماؤهم بحبر الغرب، أو أُعيد تصديرهم إلينا عبر مرايا الآخرين. ومن بين تلك القامات التي لم تنل ما يليق بها من العناية والدرس، يبرز اسم ابن ظفر الصقلي بوصفه واحدًا من ألمع العقول السياسية والأدبية التي أنجبتها الثقافة العربية الإسلامية.

كان ابن ظفر عقلًا سياسيًّا نافذًا قرأ أحوال الدول، وتأمّل تقلّبات الحكم وأدرك تعقيدات السلطة ومسالك النفوذ، فجاءت رؤيته مشبعة بالحكمة والحذر وفهم النفس البشرية. وتجسّدت هذه الرؤية في كتابه الشهير ((سلوان المطاع في عدوان الأتباع))، ذلك الأثر الذي يُعدّ من أعمق ما كُتب في الفكر السياسي والأخلاقي العربي.

عرف الكتاب انتشارًا واسعًا خارج حدود العالم الإسلامي، ووصل إلى أوروبا في وقتٍ مبكر، حيث لقي اهتمامًا في الأوساط الفكرية والسياسية. وقد ذهب عدد من الباحثين إلى أنّ كتاب (الأمير) لنيقولو مكيافيلي يدين بالكثير من أفكاره ورؤاه السياسية لكتاب سلوان المطاع، ورأى بعضهم أنّ ما قام به مكيافيلي يرقى إلى مستوى السرقة والاستيلاء الفكري الواضح على أفكار ابن ظفر وإعادة تقديمها في صياغة جديدة نُسبت إليه لاحقًا.

وكان المستشرق والمؤرّخ الأمريكي ميكائيلي أماري من أوائل من لفتوا الانتباه إلى أوجه التشابه بين الكتابين، وذلك بعد عنايته بتراث ابن ظفر وترجمة بعض آثاره في القرن التاسع عشر. وقد قادت تلك المقارنات عددًا من الدارسين إلى القول إنّ كثيرًا من الأفكار التي اشتهر بها مكيافيلي كانت حاضرةً في كتاب ابن ظفر قبل ذلك بأربعة قرون كاملة. ثم جاء الفيلسوف والصحفي الإيطالي غايتانو موسكا، صاحب نظرية ((النخبة السياسية))، ليؤكد أهمية ((سلوان المطاع)) ومكانته المتقدمة في تاريخ الفكر السياسي، مشيرًا إلى سبق مؤلفه في تناول قضايا السلطة والنفوذ وآليات الحكم وتكوين النخب الحاكمة.

كتب ابن ظفر عن تقلّب الولاءات وعن بطانة السلطان، وعن دهاليز السياسة، وعن النجاة وسط عواصف الحكم، فجاءت نصوصه مفعمةً بالأمثال والرموز والحكايات، تحمل في أعماقها بصيرةً نافذةً بطبائع البشر وتحولات القوة. وكانت عباراته تمضي بهدوء الحكيم العارف بأسرار العمران وتقلبات الزمان.

ويبعث الأسى في النفس أن تتوارى هذه القامة الفكرية خلف أسماء تتردد كثيرًا في الدراسات السياسية الحديثة، في وقتٍ يزخر فيه التراث العربي بعقولٍ امتلكت قدرةً عميقة على تحليل السلطة والمجتمع. وقد التفت عدد من الباحثين إلى ما في كتاب ((سلوان المطاع))من رؤى سياسية ذات أفق واسع، تستدعي التأمل والدراسة واستعادة القراءة.

إنّ أزمة الوعي الثقافي العربي تتصل بضعف الالتفات إلى الكنوز الفكرية الكامنة في تراث الأمة، فغدت أسماء كثيرة حبيسة الهوامش، على الرغم من ثرائها المعرفي وعمقها الحضاري. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة أعلام الفكر العربي قراءةً علميةً حديثة تكشف امتدادهم الإنساني وأثرهم المعرفي في حركة الفكر العالمي.

وتأتي أهمية استعادة ابن ظفر الصقلي من كونه شاهدًا على حيوية العقل العربي وقدرته على إنتاج الرؤية والتأمل والتحليل. ففي تراثه ملامح عقلٍ خبر السياسة، ولامس قلق الإنسان، وتأمل حركة الدولة والمجتمع بعين الأديب والحكيم معًا.

إنّ الحضارات تستمدّ حضورها من وعيها بذاتها، ومن قدرتها على صون ذاكرتها الفكرية واستحضار رموزها الكبرى. وحين يتجه الباحث العربي نحو أعلامه بروح الفحص والمعرفة، تنفتح أمامه مساحات واسعة لفهم التاريخ واستعادة الثقة بالمنجز الحضاري للأمة.

ولهذا يغدو إنصاف ابن ظفر الصقلي إنصافًا للعقل العربي وطاقته الخلاقة، واستعادة لصوتٍ فكريٍّ حمل في أعماقه وعيًا مبكرًا بطبائع السياسة وتحولات الإنسان. وإذا كانت بعض الدراسات الحديثة ترى أنّ أثره امتدّ إلى واحدٍ من أشهر النصوص السياسية في أوروبا، فإنّ ذلك يكشف سعة الحضور المعرفي للفكر العربي في تشكيل الوعي الإنساني، ويؤكد أنّ كثيرًا من أعلامنا ما زالوا ينتظرون قراءةً أكثر إنصافًا وأعمق وعيًا. فالأمم التي تحفظ أسماء مفكريها تحفظ ملامحها، وتصون حضورها في ذاكرة الحضارة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ابن ظفر الصقلي) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن ظفر الصقلي (1104م – 1172م) (497هـ -565هـ) أديب عربي كان مستشارا لأبي القاسم بن علي القرشي ، حاكم صقلية العربي، أيام حكم العرب للجزيرة ..

مقالات ذات صلة