ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الثلاثاء، 16 يونيو 2026 SAALIK — Nr. 25
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
16 يونيو 2026
موفق الربيعي ـ شخصية من بلادي.. كاظم المقدادي
الرئيسيةأقلام وأراءد. رائف حسين ـ تفنن المسلمون في استغفال…

د. رائف حسين ـ تفنن المسلمون في استغفال الله ورسوله.

أقلام وأراء

د. رائف حسين ـ تفنن المسلمون في استغفال الله ورسوله.

تفنن المسلمون في استغفال الله ورسوله.

د. رائف حسين

تعتبر العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، ولفتت انتباه العلماء والمفكرين عبر العصور. فقد تباينت الآراء بين اتجاهين رئيسيين؛ الأول يؤكد أن القرآن الكريم وحده يكفي كمصدر للتشريع والهداية، بينما الثاني يبرز أهمية السنة النبوية كركيزة أساسية تعزز من فهم الدين وتطبيق أحكامه. ولم يقتصر هذا النقاش على كونه خلافًا فقهيًا ضيقًا، بل توسع ليشمل أبعادًا معرفية وفلسفية عميقة تتناول طبيعة الوحي، ويفتح النقاش حول حدود سلطة النص، ودور العقل في تفسير الدين وفهم مقاصده السامية.

في هذا المقال المتواضع، لا أود الانغماس في نقاشات فقهية أو الانحياز لأي من طرفي الصراع الفقهي الذي يعتمل في العالم الإسلامي. كذلك، لن أتناول ما أكده الدكتور محمد شحرور بشأن أن الله -سبحانه وتعالى- قد حدد المحرمات في القرآن (أربع عشر محرم)، وأطلق العنان للإنسان في إدارة الحلال بحسب احتياجاته ودرجات معرفته وتقدمه الحضاري، وأن ما يصدر عن بعض الشيوخ ورجال الدين من تحريم يُعد خرقًا لكلام الله وتجاوزًا لتعاليمه… فهذا موضوع آخر.

ما أرغب في التحدث عنه هو موضوع يُركز على عيد الأضحى، أو لنقل بدقة أكثر، يتعلق باليوم الذي يسبق أول أيام العيد المبارك، المعروف بوقفة عرفة. في مساء ذلك اليوم من هذا العام، تواجدت برفقة صديقي في مقهى اعتدنا زيارته للنقاش وتبادل الآراء.

كما جرت العادة، حضر أحد الأصدقاء وتبادلنا التحيات، ثم انضم إلينا آخرون. وفي كل مرة، كان السؤال الذي يتكرر عن الصيام: كيف كان؟ وماذا أفطروا؟ تفاجأت بصدق وسألت ببراءة: هل اختلط عليك الزمن؟ فنحن في ليلة عيد الأضحى، وليست في ليلة عيد الفطر. انفجر الجميع بالضحك من سؤالي، وجرؤ أحدهم قائلاً: لا يا دكتور، ألا تريد أن تمزح معنا؟ لكنني سألت بجدية عن صيامهم اليوم وما يحيط به. فأجاب آخر، مؤكداً: نعم، هذا صيام يوم عرفة، الذي يوافق 9 ذي الحجة، وهو اليوم الذي يسبق عيد الأضحى. وأضاف آخر، أنه من المتعارف عليه أن من يصوم هذا اليوم، فإن الله يكافئه بمحو ذنوبه للسنة الحالية والسنة المقبلة أيضاً. هززت رأسي في تفهم واستغراب، وأدرك صديقي الدمث أنني أجهل هذه الطقوس، فحاول إنهاء الموضوع بدعابة، مغيراً مسار الحديث إلى جانب آخر.

قضيت مع المجموعة نحو ساعتين، وشاركتهم الحديث، لكن ذهني لم يكن ليهدأ للحظة في التفكير فيما قالوه عن صوم يوم عرفة. بدا لي الأمر ليس فقط غريبًا وغير منطقي، بل رأيت فيه نوعًا من التذاكي على الله -سبحانه وتعالى- وعلى رسوله الأعظم. يجدر بي أن أذكر أن معظم من كانوا حولي من الأكاديميين، مما زاد الطين بلّة، بينما كنت أحاول الإجابة عن التساؤل الذي كان يدور في ذهني طوال الوقت: كيف يمكن أن يعد الله بمحو ذنوب المؤمن قبل أن يرتكبها؟

عندما عدت إلى منزلي، شرعت أفتش عن مرجعية لما ذكره الشباب حول صيام يوم عرفة. لم أجد آية من القرآن الكريم تشير إلى هذا الأمر، بل عثرت على حديث نبوي رواه مسلم، ينص على أن “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده″.

شعرت بالدهشة من هذا الحديث، وزادت دهشتي عندما انغمرت في قراءة الكثير من النقاشات التي دارت بين “الفقهاء” حول محتواه. كانت صدمتي عميقة، حيث لا أستطيع تخيل أن الرسول الأعظم يمنح البشر صك غفران لفعل الفواحش في السنة المقبلة إذا صاموا يوم عرفة! فالحديث يقول بكل وضوح: لا تشغل بالك، فصيام يوم واحد يكفي ليجعلك عند الله “نظيفًا” لما تبقى من السنة الحالية والسنة التي تليها.

في أثناء بحثي عن إجابة للسؤال المطروح، اتضحت لي عمق القضية وآلامها المتجذرة. فمجتمعات رجال الدين حاولت، كعادةٍ لها، تبرير هذا التدليس على الله والانتحال باسم الرسول عبر شروح لغوية بلاغية معقدة، مما يرهق المسلم البسيط بعبء الفهم، وبذلك يعززون قبضتهم ليس فقط على علاقتهم مع الخالق وتدينهم، بل أيضًا على عقول الناس جميعًا.

اعتراضي على هذا الحديث قد نُوقِش فعليًا في الحوارات الإسلامية، وهو يرتبط بفهم دلالات “تكفير الذنوب” و”حدود المغفرة” في النصوص الدينية. في الفهم الفقهي التقليدي السائد، يبرز حديث: ″صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده″.

لا يُعتبر هذا الأمر إذنًا للانغماس في المعاصي، أو كأنه “ضمان مسبق” للمغفرة، مهما ارتكب الإنسان من أفعال. بل لقد وضع العلماء له جملة من القيود والتفسيرات العميقة، من أبرزها:

إن المقصود غالبًا هو الذنوب اليسيرة وليس الكبائر.

وأن الكبائر تتطلب توبة صادقة وإعادة الحقوق إلى أصحابها إن وُجدت.

وأن المغفرة تعتمد على الإخلاص والابتعاد عن الإصرار العنيد على المعصية.

إن هذا التعليل ليس مجرد محاولة للظهور بذكاء على الله، بل هو تجسيد لإساءة فادحة تجاه الرسول الأعظم من قبل هؤلاء اللاهوتيين. بدلاً من التلاعب بتأويل مثل هذه الأحاديث التي يفهمها المؤمن البسيط كما هي، كان من الأجدر بهؤلاء أن يدافعوا عن الدين والرسول الأعظم من منظور نقدي يتساءل عن صحة بعض الروايات وطرق نقلها وفهمها، بدلاً من العبث بالمصطلحات وإبعادها كما فعلوا.

 إن نقاش الفقهاء يمثل نقاشًا نخبوياً بامتياز، في حين أن غالبية المسلمين هم أناس عاديون يأخذون الكلام كما هو، بعيدون عن إدراك تعقيدات لغط الشيوخ وأشباه الفقهاء. فهناك دوماً فارق واضح بين:

الدين، كما يُتناول في مؤلفات الفقه والفلسفة، يختلف تمامًا عما يعيشه الناس في حياتهم اليومية. فالكثير منهم لا يلتفتون إلى تفاصيل دقيقة مثل: “هل المعني بالكبائر أم الصغائر؟” أو “ما هي شروط التكفير؟” أو “كيف يتم التوفيق بين النصوص؟” بل يتعاملون مع النصوص على نحو مباشر وعاطفي، مما يُفضي أحيانًا إلى فهم سطحي أو حتى متناقض أخلاقيًا.

 هنا لا أتناول الجوانب الفقهية بقدر ما أركز على الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية، حيث إن معظم البشر لا يتطلعون حتى إلى نقاش المدارس الفقهية المتعلقة بهذا الحديث، الذي اعتبره تحريضًا، أو على الأقل منح الضوء الأخضر للقيام بأفعال محرمات، حتى وإن كانت صغيرة.

من المنظور الأخلاقي والاجتماعي، ينبغي أن يُنظر إلى اعتراضي كتحليل نقدي لتأثير بعض الخطابات الدينية على السلوك الاجتماعي، وليس جدال حول صحة الحديث أو ضعفه. وهذه وجهة نظر جديرة بالاعتبار في حقل علم الاجتماع الديني وفلسفة الأخلاق.

فأي نص يُفهم على أنه:

“يمكن ارتكاب الأخطاء، ثم تُمحى تلقائيًا بعبادة معينة”

قد يتسبب — لدى بعض الأفراد — في نوع من “السكينة الأخلاقية” أو تخفيف الشعور بالمسؤولية الفردية. وهذه ليست مسألة تقتصر على الإسلام فحسب، بل تم تناولها في العديد من الأديان والفلسفات الأخرى تحت سؤال معروف:

هل يمكن أن يتحول الوعد بالمغفرة إلى تشجيع غير مباشر على ارتكاب الأخطاء؟ هنا أود أن ألمح إلى نقطة واقعية بالغة الأهمية: الأغلب لا يتعمق في قراءة الشروح المعقدة، ولا يتناول تفاصيل مثل “الصغائر والكبائر”، و“شروط التوبة”، و“عدم الإصرار على الذنب”. بل إنهم يستقبلون الرسالة في صورتها المباشرة والبسيطة. ومن هنا تتجلى الفجوة بين المعنى اللاهوتي أو الفقهي للنص، وبين الأثر النفسي والاجتماعي الفعلي له لدى العامة. في مجال علم الاجتماع، يُشار أحيانًا إلى أن “الأثر الاجتماعي للنص قد يتباين عن نية مُنتجه أو مفسّريه″.

تُعَدُّ هذه الحادثة تجسيدًا صارخًا لانحراف المسلمين عن جادة الصواب، حيث تركوا كتاب الله جانبًا، وأخذوا بتطبيق العديد من الطقوس المستندة إلى السنة التي دُوّنت بعد مئات السنين من رحيل الرسول الأعظم. وقد عانت تلك الطقوس من اللغط والاختلاف والتحريف، كما أظهر ذلك عشرات الباحثين الذين خاضوا في هذا الشأن. إضافةً إلى ذلك، تُظهِر هذه الحادثة بوضوح ظاهرة التدين الاستعراضي، الذي يولي أهمية للطقوس على حساب التقوى، والعمل الصالح، والمحبّة، والأخوّة.

مقالات ذات صلة