ازدواجية المعايير الدولية: لماذا يُحاكم الإسلام بجرائم الأفراد
وتُعفى المسيحية من تاريخ الدول؟
حيدر حسين سويري
من يتأمل خارطة التاريخ الحديث والمعاصر، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة وازدواجية معايير تثير الكثير من التساؤلات حول العدالة الفكرية والإعلامية في عالمنا اليوم. حين ترتكب دول كبرى جرائم يندى لها الجبين، يُفصل الدين عن السياسة تماماً، بينما حين يرتكب أفراد أو جماعات معزولة أفعالاً باسم الإسلام، يُحاكم الدين بأكمله ويُتهم بالظلامية والإرهاب.
التاريخ المسيحي للدول الغربية.. ومبدأ “الفصل”
إذا نظرنا إلى الدول التي قادت النظام العالمي وشكلت جراحه عبر القرون الماضية:
* أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، وإيطاليا: كلها دول ذات إرث وثقافة مسيحية ضاربة في العمق.
* الحصيلة التاريخية: هذه الدول شنت حروباً عالمية، واستعمرت شعوباً آمنة، وارتكبت مجازر وإبادات جماعية، ونهبت ثروات وموارد قارات بأكملها (أفريقيا، آسيا، وأمريكا اللاتينية).
مع كل هذا الدمار التاريخي، لم يخرج أحد في العالم الإسلامي أو خارجه ليتهم الدين المسيحي أو السيد المسيح -عليه السلام- بهذه الفظائع. لطالما كان الوعي الجمعي يدرك أن هذه السياسات هي نتاج أطماع استعمارية، وصراعات جيوسياسية، ورأسمالية جشعة، ولا علاقة لتعاليم الإنجيل بها.
فلماذا يُحاكم الإسلام بذنب جماعاته؟
المفارقة العجيبة تكمن هنا: عندما تظهر جماعة متطرفة تدعي الإسلام – وهي جماعات غالباً ما تكون صنيعة ظروف سياسية معقدة أو استخباراتية – تقوم الدنيا ولا تقعد.
* يُختزل دين يضم أكثر من ملياري بشر في تصرفات “تنظيم” أو “جماعة”.
* تُشن حملات إعلامية ممنهجة لشيطنة العقيدة الإسلامية، واتهامها بأبشع الصور.
* يُطالب المسلمون حول العالم بالاعتذار اليومي عن أفعال لا يد لهم فيها ولا يقرّها دينهم.
هذا التناقض يكشف أن الهدف ليس محاربة الإرهاب بذاته، بل استخدام “الإسلاموفوبيا” كأداة سياسية لترهيب الشعوب وتبرير التدخلات العسكرية.
الملف النووي.. قمة التناقض والازدواجية
تتجلى هذه الازدواجية بأوضح صورها في التعاطي مع ملف السلاح النووي في الشرق الأوسط:
الكيان الغاصب (إسرائيل) | يمتلك ترسانة نووية فعلية وغير خاضعة للرقابة | صمت مطبق ودعم مطلق ومباركة | محتل ويمارس أبشع الجرائم يومياً |
إيران | لا تمتلك قنبلة نووية (وتخضع لرقابة مشددة) | حصار، تهديد بالحرب، وشيطنة مستمرة | لم تستخدم أي سلاح نووي |
الولايات المتحدة | تمتلك أضخم ترسانة نووية في العالم | تدعي حماية السلم العالمي | الوحيدة في التاريخ التي أبدت مدناً كاملة (هيروشيما وناجازاكي) بالقنابل النووية |
إن الخوف المزعوم من إمكانية استخدام إيران للسلاح النووي – وهي لا تمتلكه – بينما يتم غض الطرف عن الكيان الذي يمتلكه ويبيد به شعباً بأكمله، يوضح أن المعيار ليس “أمن البشرية”، بل هو أمن المصالح الغربية وأدواتها في المنطقة. أما أمريكا، التي تقود حملة الشيطنة، فهي الدولة الوحيدة التي امتلكت الجرأة التاريخية لتجربة هذا السلاح الفتاك على أجساد البشر.
بقي شيء…
إن صناعة “العدو المحتمل” والشيطنة الدينية ليست إلا غطاءً لجرائم “العدو الفعلي”. لقد آن الأوان للوعي الإنساني أن يتحرر من تزييف الإعلام الغربي، وأن يُدرك أن الأديان بريئة من أطماع السياسيين، وأن الإرهاب الحقيقي هو إرهاب الدول التي تملك القوة وتفتقر إلى الأخلاق.




