و كأن شيئا لم يكنْ
حسن العلي
جلس أمامي مستهلاَ كأسه الثالثة ، كلانا مايزال حاد البصر تحضره ذاكرته الملئ ببقايا تلك الأرض التي نختلف على تسميتها ، فهو يسميها قطعة من شجن و أنا أصر عليه بأنها كانت ، وطن !
أتشك في ذاكرتي ؟ قالها وهو يضحك من قطعة الثلج العصية على أصابعه ! تظاهرت ببعض الجدية وكأن شيئاَ لم يكن !
فأنا أعلم مزاجه الذي قلبته الأرصفة حتى أصبح صعب المراس ، أتركه ليعود إلى لوحته ليرسم لقطته المفضله ، بنايات رومانية قديمة، صف من الأشجار ، نهر التايير ، حبيبان و أختيار ذكي وأنيق للألوان وتوقيعه باسمه العربي بلال وتحتها بقليل إسم مدينة روما والتاريخ ورقما سرياَ لتسلسل اللوحة ، فمن يدري فلربما أصبحت لوحاته يوما ما لا تقدر بثمن ؟
لم أترك البحر الذي مررت به دون أن يكون لي فيه عشبه تتهادى بين ذرات الرمال وبقايا الصدف ! وبلورات يا حسن من الزجاج كنت أحسبها عقيقاً سأسافر به إلى بغداد كما السندباد كأن شيئا لم يكن !
وكأن الحرب حب عابر يمر علينا ليترك على جدراننا لحظات كانت فيها الحياة بكامل أناقتها ! بعدها ستعود تفاصيل يومنا كما عهدناها مملة دونما أي جهد استثنائي ، جميلة دون أن ندري ! ونخرج صباحا طلباَ للرزق كما الطير قبل أن تستولي السلطة على الله فنرجع خماصاَ وكأن شيئا لم يكنْ!
بلال الإيطالي هكذا يسمونه، أنف حاد، شعر أجعد، لحية خفيفة، بنطال جينز عليه أثار ألوان شتى، عينان زرقاوان، قميص يكشف عن صدره وكتفان عريضان ، لغته الإيطالية طليقة مثل طائر حر! هو هنا قبل آخر حكومتين لبرلسكوني يعشق فتاة كل يوم ويجعلهن مواضيع للوحاته ، لكن جوليا التي تعرف عليها في أكاديمية الفنون قبل عقدين تبقى حبه اللامنقطع والذي يفتقر إلى أي منطق عقلاني! اما العابرات من على سطح لوحاته ، حتى اللواتي يتعرين تماماَ ويرسمهن وهن على الارائك أو يقفن وراء ستار أو على شرفة من شرفات هذه المدنية القديمة ، فهن جميلات فقط يعشقهن حتى ينتهي من رسم تفاصيل اجسادهن ، ليعود بلال إلى الحياة كما هي لا كما رسمتها ريشته !
يغيب عنها أسابيع أو أيام ثم يعود اليها في المقهى المطل على ساحة ناڤونا من جهة معبد البانثيون ! يدخل كعادته يتحاشى نظراتها، تتجاهله في البداية تعامله كأي زبون عابر، ترحب به وتنظر طلبه والذي تعرفه عن ظهر قلب، يحتاج حصتين من الاسبريسو حتى يستعيد نشاطه، يتسول نظراتها التي تتمنع عليه، تغار عليه ، تحبه ، تعشقه وهي تدري بأنه يبادلها غراما مجنونا ، يعشق عرقها العربي الذي لا تدريه، شعرها اصبح اكثر طولاَ، لايدري هل يقترح عليها ان تتركه أو يترك لها قرار قصه كما تفعل دائماً !
يتلفت يمينا ويسارا، يستجدي حديثاَ عابراَ من زبائن المقهى ، لا احد يكترث بوجود هذا العربي ولا حتى جدة جوليا التي تملك هذا المقهى !
يسأل جوليا بعد الكثير من التردد : “كيف أنت؟” تجيبه ببرود برج الحمل الذي يتقن إيصال رسائله دون ضجيج أو صراخ ، “أنا بخير ” ثم تلتفت إلى زبونة جميلة دخلت للتو! ثوبها الأبيض يشف عن كل ما دونه من قطع الدانتيل السوداء المنتقاة بعناية! أنه صيف إيطاليا الذي لايرحم ! تقدم لها كوبا من القهوة مع كأس ماء وبذكاء الأنثى وإحساسها الذي لا يخيب تمسكه بالجرم المشهود وهو يتطلع إلى تفاصيل تلك الزبونة!
“بلال” قالتها بتشديد كل حروف اللام كعادة الإيطاليين وتسكين آخر حرف وتشديده معا وكأن القادم هي معركة الخاسر فيها معروف مقدماً ، ثم سارت نحو المخزن الذي يقع إلى الجانب الأيمن من المقهى ، تبعها بلال ، اغلقت الباب!
مد ذراعيه ليحتضنها ، صفعته ، ساذبحك بهذه السكين إن لم يعد إليك رشدك واقتلع عينيك في المرة القادمة إذا نظرت إلى أنثى غيري !
امتدّت يده وانسلت تحت قميصها الفضفاض ، تنهدت، شتمته، قَبَّلها، صفعته، وعندما همت به لتقبله، انفتح باب المخزن فجاءة و دخلت عمتها، فصفعته مرة أخرى ! وخرجت كأن شيئاّ لم يكن !




