ابحث في صوت الصعاليك
آخر ما حُرر
الخميس، 2 يوليو 2026 SAALIK — Nr. 27
القائمة الرئيسية
آخر المواضيع
2 يوليو 2026
احسان جواد كاظم ـ ” النصر له ألف أب، أما الهزيمة فهي يتيمة”.
الرئيسيةثقافة و فنعلي المسعود ـ السعفة الذهبية 2026 لفيلم” فيودا”:تصوير…

علي المسعود ـ السعفة الذهبية 2026 لفيلم” فيودا”:تصوير للصراع بين القيم التقليدية والتقدمية

ثقافة و فن

علي المسعود ـ السعفة الذهبية 2026 لفيلم” فيودا”:تصوير للصراع بين القيم التقليدية والتقدمية

السعفة الذهبية 2026 لفيلم” فيودا”:

تصوير للصراع بين القيم التقليدية والتقدمية


علي المسعود

فاز المخرج الروماني “كريستيان مونجيو” بجائزة السعفة الذهبية  لمهرجان كان السينمائي عام2007 ، عن الدراما الرائعة “4 أشهر، 3 أسابيع، ويومان” ، ومنذ ذلك الحين وضع بصمته . عاد المخرج الروماني إلى المسابقة الرسمية هذا العام ليخطف سعفته الذهبية بفيلمه السابع  “فيورد” في أول ظهور له باللغة الإنجليزية، وعند صعوده إلى المسرح قال :” إن حالة العالم ليست الأفضل، وأنه غير فخور بما يتركه جيله لأطفاله، وأن شيئا ما يجب أن يتغير ” .

في ” فيودا”  يأخذنا ” مونجيو ” إلى جمال المضايق النرويجية الجليدية لسرد دراما ولدت من توثيق حقيقي للصراع بين الرؤى التقدمية والتقليدية للمجتمع . الفيلم من بطولة” سيباستيان ستان ” و”رينات رينسفي”، يبتعد الفيلم عن اليقين ليضع المشاهد في منطقة من الشكوك حول التعليم والإيمان وحدود تدخل الدولة في الحياة الخاصة. مسيرة المخرج” كريستيان مونغيو ” في كان هي مسيرة مخرج استطاع تحليل الشقوق في المجتمع الروماني بدقة شبه جراحية. ومع ذلك، مع فيلم ”  فيورد، يتخذ المخرج خطوة جريئة بجعل نظرته دولية، محافظا على الصدق الذي يميزه. لا يسعى في طرحه للحكم، بل لفهم كيف أصبحت رؤانا الشخصية متطرفة لدرجة أننا ننتهي بكره من يفكرون بشكل مختلف .

الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية ويستند سرد الحكاية إلى عدة صراعات تتعلق(ببارنيفرنت)، أو “الخدمات الاجتماعية” في النرويج ، النظام النرويجي لحماية القصر، وخاصة في حالات العائلات المهاجرة التي فصلت عن أطفالها بسبب ممارسات غير مقبولة في بلد الاغتراب وبسبب إختلافات ثقافية أو دينية أو تعليمية . من هناك يبني خيالا لا يتعلق كثيرا بمعرفة ما حدث بالضبط، بل بالسؤال عن من له الحق في تقرير ما يحدث داخل الأسرة . يضعنا الفيلم في قرية نرويجية صغيرة، في أسفل مضيق، حيث تعيش عائلة جيورجيو ، ميهاي، الذي يلعب دوره” سيباستيان ستان”، روماني وزوجته ليسبيت، التي تلعب دورها” رينات راينسفي”، هي نرويجية، لديهم خمسة أطفال وحياة تتسم بإيمان مسيحي صارم جدا، مع قواعد صارمة، عدم الاتصال بالتكنولوجيا ، الألتزام بالصلوات، والانضباط أفكارة مغلقة إلى حد ما عن ما يجب أن تكون عليه الأسرة. هما آباء محبون، لكنهما أيضا سلطويون .ينفجر الصراع عندما تكتشف علامات على جسد إحدى البنات في المدرسة. تتدخل الخدمات الاجتماعية النرويجية ، وتبدأ الإجراءات . حين يتم فصل الأطفال الخمسة عن آبائهم، بما في ذلك الطفل الرضيع ، وتدخل الأسرة في متاهة قانونية حيث لم يعد يناقش فقط ما إذا كان هناك إيذاء جسدي، وفيما ما إذا كانت تلك الأسرة قادرة على تعليم أطفالهم وفقا لقيم تتعارض مباشرة مع قيم المجتمع النرويجي المنفتح . تبدأ في التساؤل عما إذا كانت التربية التقليدية والدينية المتشددة للوالدين هي سبب هذه الجروح . إنها نقطة انطلاق للصراع، رغم أن الحكاية تدور  أحداثها في مناظر اسكندنافية، إلا أن صداها يتردد في أي مجتمع مدني معاصر يتسم بالتباين بين الفكرالتقدمي والمحافظ المتشدد . الفيلم تميز في قدرته على التعامل مع قضايا الضمير والقيم الإنسانية بحساسية استثنائية. إنها سردية عن الهجرة، والأندماج والصراع الثقاقي ، وديمقراطية التعبير، وكيف أن هوياتنا تهتز في عالم معولم بقوى لا يمكننا دائما السيطرة عليها . ويكشف عن على براعة المخرج مونغيو في “التقاط التوتر الخانق للصراع الثقافي دون الوقوع في الشعارات ” .

خلال المؤتمر الصحفي في مهرجان كان السينمائي ، كان المخرج  “مونغيو ” واضحا جدا بشأن نواياه: ” نحتاج إلى الحفاظ على حريتنا في التعبير عن الشكوك حول أي نوع من القضايا، بما في ذلك الأكثر حساسية”.  تقدم الحبكة عالم حاسوب روماني يقرر الانتقال مع عائلته (زوجته وأطفاله الخمسة) إلى المنزل الذي حصلت عليه زوجته الإسكندنافية كميراث. التي تحاول بمظهر من الهشاشة والسلبية الدائمة أن تندمج مع حي يشع بالود والأفكار الحديثة للوهلة الأولى . بدا المكان المثالي لانتقال سلمي، رغم التناقضات الدينية الحتمية . ومع ذلك، فإن الانسجام الظاهر يتلاشى عندما تصطدم القيم الكاثوليكية التقليدية للعائلة مباشرة بمجتمع علماني. مجتمع يتفاخر بالتسامح المطلق، لكنه لا يتردد في تطبيق القوة المؤسسية لفرض عقيدته، مقتنعا بنزاهة أخلاقية . وهكذا يجرنا “مونغيو” إلى مستنقع بيروقراطي ساحق، حيث يجد الوالدان نفسيهما غير محميين بقوة هيكل لا يهتم بوضعهم .  تحدث المخرج عن رؤيته قائلاً :

“أحب أن أتحدث في أفلامي عن قضايا أعتبرها مهمة في مجتمعنا العالمي والمعاصر، وأعتقد أن أحدها هو الصراع بين القيم التقليدية والتقدمية. كل هذا يؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى مجموعات من الناس الذين يكرهون بعضهم البعض حقا. أنا لا أتحدث فقط عن رومانيا أو النرويج، بل نراها أيضا في دول مثل فرنسا أو الولايات المتحدة. نحن نعيش في مجتمع منقسم للغاية حيث لا يجد الناس وقتا لفهم من لديهم آراء مختلفة. أعتقد أن الخطوة الأولى لفهم بعضنا البعض هي الاستماع وربما الشك في أن الشخص دائما على حق في كل شيء . إذا كنت تعتقد أن قيمك جيدة، حاول الإقناع بها ولا تفرضها “.

من الناحية التقنية، يحافظ المخرج الروماني في فيلمه ” فيورد “على أسلوبه الواقعي والمباشر . صور الفيلم على الساحل الغربي للنرويج، من ألسوند إلى مضيق ستراندا، ويستخدم الفيلم المشهد الطبيعي ليس كزينة، بل إنعكاس للعزلة والبرودة التي تستقر أحيانا في العلاقات الإنسانية. بصريا، الفيلم جذاب ، تم تصوير الفيلم في مناظر طبيعية برية مغطاة بالجليد لا يمكن الوصول إليها إلا بالعبارة فقط، وابدع المصور” تيودور فلاديمير باندورو” في نسج صور من الخريف والإنتقال إلى الشتاء والربيع، معلنا مرور الزمن في قصة تغلي ببطء .

“فيورد”، فيلم مقلق عن الصدمة الثقافية

تظهر قصة العائلة المتشددة والتي لا ترغب في الاندماج في المجتمع النرويجي المنفتح. ومع ذلك، أراد المخرج أن يوضح أن “الفيلم ليس عن صراع بين النرويج ورومانيا، بل هو شيء أكثر تعقيدا”. وأكد أنه منذ أن بدأ يهتم بهذه القضية، تم تعديل التشريعات النرويجية لأن السلطات أدركت أن هناك شيئا خاطئا . ما يثير الأهتمام في “فيورد” هي الأسئلة التي يثيرها. ماذا يجب أن يفعل المجتمع المتسامح مع من لا يشاركونه قيمه في التسامح؟، إلى أي مدى يمكن للدولة أن تذهب لحماية الأطفال القصر؟ ، المخرج “مونغيو” لا يعفى الوالدين، لكنه لا يقبل أيضا أن تكون الدولة مجحفة في قرارتها . يمكن أن يعاني الزوجان ميهاي وليسبيت من الظلم، نعم، لكنهما بنيا منزلا جدرانه الخوف والشك .  حيث يبدو موقف رب الأسرة أقرب إلى الجماعات المتطرفة التي تحيط بالقضية وتستخدمها لغاياتها . الرومانيون أرادوا أن يصل صوتهم بمساعدة منظمات مستعدة لتحويل أي صراع إلى حرب ثقافية، ومضايقة وتخريب ، واستخدام الشبكات الاجتماعية لفرض قصتها، حتى لو لم تكن تلك القصة صحيحة ، ويتم التلاعب بالمجتمع عاطفيا، ويتحول وضع عائلي معقد إلى دعاية .

هناك أيضا  جانب آخر للفيلم ، قراءة عن كراهية الأجانب . تظهر النرويج كمجتمع نظيف، منظم، مهذب، لا تشوبه شائبة. لا توجد حشود أو إهانات أو عنف صريح ضد الأجانب.

“مونغيو ” لا يسعى أبدا لتصنيف معسكر الخير مقابل معسكر الشر . إنه يعكس نظامين مقتنعين بأنهما يتصرفان للحماية، وهما الأسرة والمؤسسات . شكلان من السلطة، ورؤيتان للعالم، وطريقتان لفهم الطفولة أيضا — ومع ذلك ينتهي بهما الأمر إلى إنتاج الخوف، وعدم القابلية للتواصل، والحرمان . الهروب الأخير للوالدين الى منفي جديد دون أي اعتبار حقيقي لما يشعر به الأطفال في بلد الأغتراب، وراء القناعات الأيديولوجية والدينية والثقافية التي تتصادم،  فيلم ذو كثافة ملحوظة، وأحيانا برودة خانقة، يؤكد أهمية “كريستيان مونجيو” في المشهد المعاصر، صانع أفلام قادر على تحويل الانقسامات الأخلاقية والسياسية في أوروبا اليوم إلى معضلة إنسانية مذهلة .

المخرج “مونغيو ” بدأ في البحث لهذا الفيلم قبل أربع سنوات ، وتحدث إلى العديد من الأشخاص في النرويج المتورطين في قضايا مثل تلك المطروحة في الفيلم، من ضباط الشرطة إلى القضاة والمحامين وأعضاء المنظمات غير الحكومية أو الصحفيين، وجمع بين العديد من التفاصيل حول أحداث مختلفة لبناء قصة الروماني جيورجيو . المخرج تعمد الغموض  في سرد حكاية الفيلم، ويبرر” مونجيو” ذالك قائلاً :  “الحياة غامضة، وإذا صنعت أفلاما مبنية على الواقع، يجب أن يحافظ الفيلم على هذا النوع من الغموض ،  لا أؤمن بالأفلام التي تخبرك بما يجب أن تؤمن به  ، ولا أعتقد أن السينما يجب أن تفعل ذلك، بل تجعلك تعيد النظر في آرائك” . هذا ما مايفعله مونغيو في “فيورد”، حيث يسأل المشاهد نفسه ويسأل من هو على حق: النرويجيون التقدميون الذين يطبقون القانون على عواقبه النهائية أم المحافظون الرومانيون الذين لا يريدون الاندماج في مجتمع حديث  .

  شرح  المخرج رؤيته في مؤتمر صحفي في مهرجان كان حين أضاف : “ما يحدث مع الأحزاب اليمينية المتطرفة هو رد فعل ما حدث سابقا مع الأحزاب اليسارية المتطرفة، لأن كل أحزاب تريد فرض رؤيتها وينتج التأثير المعاكس لما نريده”. يكمن ذكاء المخرج  في رفضه المستمر تبسيط المواجهة. من ناحية، تبدو المؤسسات النرويجية جامدة، وأحيانا متعالية، محبوسة بلغة إجرائية تحول الوحدة الأسرة بسرعة إلى موضوع للتقييم الأخلاقي. المحاكمة المدنية الطويلة التي تشكل الجزء الثاني من الفيلم تثير الإعجاب بدقتها المخيفة، حيث يبدو أن كل كلمة تزن وتحلل وتفسر. في هذا الفضاء البيروقراطي حيث يجب تسمية كل شيء وتصنيفه وترجمته .

 “هناك صراع واضح بين تلك القيم التقليدية والقيم التقدمية، وهذا يؤدي إلى انقسام في المجتمع بين مجموعات من الناس الذين يكرهون بعضهم البعض. نقول إننا نعيش في عالم عالمي لكننا فعلا منقسمون،” قال المخرج. يستخدم مونغيو تحليلا مشرطا للعلاقات الاجتماعية، والتحاملات الأخلاقية، والشك تجاه الأجانب والدين، بالإضافة إلى الآلية الإدارية التي تميل إلى العبثية. يكشف عن الحياة بكل تعقيدها، مع اللاعقلانية والغموض في الواقع. في النهاية ، الفيلم يقدم رسالة شمولية للتسامح .

مقالات ذات صلة